المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العدالة تتحقق ولو بعد حين!


بلاك_انجل
06-25-2003, 04:55 PM
ارتج سكون تلك الليلة حالكة الظلام بصرخة ألم تتقطع لها نياط القلوب, وتنسحق لها المشاعر الإنسانية سحقاً.. ترددت طويلاً طويلاً، ولكنها لم تحرك مشاعر أحد من سكان المنطقة المحيطة فقد اعتادوا الأمر كما يعتاد الطفل الصراخ وكما يعتاد الجلاد الجلد، وأصبحت الصرخات التي تهز أرجاء المكان في كل ليلة "سنفونية" أبدية من "سنفونيات" الكون الفسيح الذي يعج بأمثالها!

في تلك الغرفة شبه المظلمة تردد صوت غاضب يقول: اعترف قبل أن أحطم ما تبقى من أسنانك، وألحق كلماته بصفعة رددتها الغرفة بصدى حزين.. تأوه الشاب المقيد أمامه في ألم وهو يقول: لقد قلت الحقيقة.. لم أكن معهم.

صرخ الملازم قائلاً: معلوماتنا دقيقة فقد كنت خبير المتفجرات لديهم وكنت تصنع قنابل شديدة المفعول, هيا اعترف وإلا سأقتلك شر قتلة وأرمي بما تبقى من أشلائك للكلاب.

تراقص شبح ابتسامة شاحبة على وجه الشاب الفلسطيني وهو يقول: دوام الحال من المحال، اليوم تقتلني وغداً أقتلك. احمر وجه الملازم الإسرائيلي غضباً و أخذ يكيل الصفعات واللكمات بسخاء إلى وجه الشاب المدعو (آدم) قائلاًَ: لقد أصدرت قرار إعدامك أيها الحقير بتحديك لي, وصرخ منادياً الحراس قائلا: اعدموه في الساعة الثالثة وارموا أشلاءه للكلاب, وتطلع إلى الساعة المعلقة على الحائط وكانت تشير إلى الثانية والنصف.. "اقترب موعد الخلاص من أسير جديد".. وألقى نظرة شامتة على الشاب وهو ينتظر كلمات التوسل والرجاء، ولكن ما أثار قلقه أنه لم يطلب منه أي شيء من ذلك، ولكن رآه يبتسم!! لم يعرف لماذا شعر بقشعريرة باردة تجري في كيانه وتزحف على عموده الفقري, ولكنه كتم ذلك الشعور بضحكة وحشية، كأنها من ضحكات شياطين الجحيم .

***
(ملازم "سام" لقد فعلتها إذن, قتلت شاباً أخر منهم هذا اليوم)

كانت هذه الكلمات صادرت عن أحد رفقاء الملازم "سام", ابتسم " سام" قائلاً: هذا طبيعي، لقد أثار غضبي. ضحك رفيقه قائلاً: مجرد أنه أصابك بالغضب؟ لكن هؤلاء الفلسطينيين يستحقون هذا بالفعل, إنهم لا يتوارون عن هذه الأفعال الفدائية في نظرهم.

لم يعرف "سام" سر تلك السعادة التي أدركته بعد قتل ذاك الفلسطيني تحديداً؟ إنه كثيراً ما أمر بقتل عرب كثيرين ولم يشعر بهذه السعادة الغامرة، ألأنه واجهه بشجاعة فريدة من نوعها.. أم لأن ذلك العربي كان قد أصر على قتله رغم أنه مقيد بالسلاسل.. أو لأنه ابتسم حينما أصدر قرار إعدامه؟ ألأنه....؟!! نفض تلك الفكرة عن رأسه وتذكر أن زوجته في انتظاره على العشاء.

***
آوى"سام" في تلك الليلة إلى فراشه في وقت متأخر من الليل بعدما أكل وشرب وعربد في الحفلة التي أقامتها زوجته، واسترخى في سريره الناعم الوثير، وبينما هو كذلك قفزت إلى مخيلته فجأة صورة ذلك الشاب وسرت موجة من القشعريرة في جسده، ولكنها خبت بسرعة.. ابتسم بسخرية وهو يقول: سنرى كيف ستقتلني وأنت الآن في قبرك؟!

نام نوماً متقطعاً مليئاً بالكوابيس وكان أسوأ هذا الكوابيس على الإطلاق أنه رأى نفسه يسير بين شواهد القبور، وتوقف أمام قبر مفتوح وفجأة خرج منه جسد رجل كان يعطيه ظهره ولكن الجسد سرعان ما التفت واتسعت عيناه في رعب, لقد كان الجسد لنفس الشاب الذي أمر بقتله في الصباح!! اقترب الشاب منه وهو يمد يده إلى رقبته لتطبق عليها بشدة، وهو يصرخ ويطلب النجدة واليد تضغط على رقبته أكثر وأكثر وهو يختنق ويتألم ولكن لا فائدة، فما من مجيب ولا من أمل!

***
(سيدتي.. أنا آسف.. لا فائدة! لقد فقد حياته منذ ما يقارب الساعتين بأزمة قلبية حادة.. وقد ظننت في بادئ الأمر أنه خُنق، لكن ليس هناك دليل على ذلك! أنا آسف سيدتي.. تقبلي عزائي) قال الطبيب الشرعي هذه الكلمات بأسف, امتقع وجه السيدة الواقفة أمامه وترقرقت الدموع في عينيها وهي تقول: لكن كيف وهو لم يصب في حياته بمرض في القلب أو حتى أزمة قلبية.. كيف سأعيش بدونه؟!

لكنها لم تعلم ولن تعلم أن الذي قتله ليس أزمة قلبية، ولكنه اختناق صاحبه ضيق في التنفس، فقد كان يرى "آدم" جاثماً على صدره، ولم يتركه حتى فارق الحياة!! لقد قتله (آدم) في منامه!