Miss.ELissa
07-22-2003, 12:50 AM
وحده شيَّع جثمانها، ووحده أوسدها بين جدران القبر.. نظر إلى كفنها النظرة الأخيرة.. لحظتها فقط؛ أحس وكأنه يكاد يسقط في القبر..
تخيَّل ضغطة القبر التي طالما قرأ وسمع عنها.. اقشعرت كل فرائصه وهو يتصور هذا الجسد المسجى أمامه في القبر كيف سيتحمل غضب الأرض على الإنسان.
كأنه يسمع أصوات عظامٍ تتهشم.. "عظامها" -يُحدث نفسه- "كلا".. إنه يشعر بالألم الآن وكأن ما يسمعه هو صوت تهشم عظامه وأضلاعه التي يحتويها جسده.
صرخ بأعلى صوته: "يا إلهي"..
شعور بالغثيان يتملكه.. حاول التماسك، لكنه يكاد أن ينهار بجانبها في القبر.. أخذ يتمتم: "يا الله، رأسي".
صور من حياته رمادية اللون تمر في ذهنه بسرعة مذهلة؛ غرقه في بركة البستان المجاور لمنزلهم، والده يلطمه على خده، صبية يحيطون به ويهددونه بالاغتصاب، ساقه مكسورة بعد نزال عنيف في إحدى مباريات كرة القدم، ممرضة تحقنه بإبرة كبيرة تحتوي على بنج لقلع أحد أسنانه، إصابته بمرض الجدري، ...الخ.
وحده ذلك المشهد خطا ببطء؛ إنها هي بشحمها ولحمها تخبره برفضها فكرة الزواج منه.. تبتسم قليلاً ثم تقول له بغنج: "أنت إنسان غير متحضر، لا يمكنني الارتباط بك كزوج، لقد حلمت بالفارس على الجواد الأبيض، وأنت لست فارسي ولن تكون أبداً، ماذا تملك من مال؟! سيارتك مغبرة وموديلها قديم جداً! ثيابك لم تتحضر هي الأخرى، ألم تسمع بزيٍ اسمه (الجينز)؟! إننا في زمن لا يعترف بالأخلاق والقيم ولن أكون رجعية في اختيار زوجي".
ردة فعله الصمت كعادته.. تسمّر لهول ما يسمعه منها، يود أن يصرخ فيها: "أنتِ مجنونة أم ماذا؟! أيّ تحضر هذا الذي تتحدثين عنه؛ التحضر لا يكون في اللباس والمظاهر يا امرأة، وإنما يكون في الفكر والسمو الأخلاقي، فحذارِ أن تسقطي ضحية تأثركِ بالمسلسلات والأفلام البلهاء".
يود أن يعلو صوته فيها، لكن شيئاً ما يمنعه من الصراخ في وجهها بهذا الكلام.. انتصب واقفاً، ثم ابتسم ابتسامة الكذب، وقال: "لكِ حريتكِ، وتأكدي أني سأكون فرحاً بما تختارينه من أجل سعادتكِ".
ليلة خطوبتها من فارس أحلامها الذي رغبت؛ كان وحده بين دفاتر خواطره ومذكراته، يحكي عن مشاعره المتناقضة، تارة يشعر بالفرح لسعادة الحبيبة، وتارة يشعر بالحزن والألم. ومن أجل إرضاء كلا الشعورين قرر شراء ساعة يد ثمينة لها كهدية بمناسبة خطوبتها، ولكنه لن يسلمها إليها بل سيحتفظ بها في أحد أدراج دولابه.
تزوجت، نسيته وظلت صورتها في مخيلته أينما سمع بلفظة (امرأة).. ومرت السنون تلو السنون، يحاول تلصص أخبارها من هنا وهناك.. سمع إن فارس أحلامها سكيّر، يضربها بعنف، يقضي يومه متنقلاً من غانية إلى أخرى، ينقلون له إن حياتها قد تذمرت وإنها لا تكف عن البكاء.
المستقبل ابتسم له بعد طول انتظار، ترقى في أعلى المناصب بصورة سريعة لم يصدقها حتى هو، ولم يتم له كل ذلك إلا بتوفيق الله عز وجل بالإضافة إلى حسن همته وقوة عزيمته واهتمامه بإنماء ثقافته وعلمه.
سنوات مرت.. هاتفه الذي لا يطيق سماع صوته بدأ بالرنين، يرفع السماعة.. إنها هي، صوتها لم ينساه بعد، تحاول أن تذكره بنفسها لكنه يعاجل بالترحيب بها، عشرات الأسئلة تتوالى على لسانه دون أن يفسح لها مجالاً للإجابة عليها.
أجشهت بالبكاء..
- فلانة، ما بكِ؟ أرجوكِ أخبريني، ماذا حصل؟ عساه خيراً إنشاء الله.
- زوجي طلقني. [دوّت لحظة من الصمت المخيف]
- استغفر الله، متى حدث ذلك؟
- منذ شهور مضت، وأنا الآن حامل منه. [دوّت لحظة من الصمت المخيف مجدداً].
- حسناً، سأحاول معالجة الأمور، سأتحدث مع أخيه الكبير لعل المياه ترجع إلى مجاريها.
- طلقني طلاقاً بائناً.. انتهى كل شيء، الوحش هاجمني بكل ما ملكت يده من أدوات، أدماني بلا رحمة، فقط لأني كنت ألومه على سهره المستمر وشربه الخمر.
بكت، وأغلقت السماعة.. ثم عاودت الاتصال..
- بلا مقدمات، هل تريدني زوجة؟
- [بسرعة أجابها] لا، أنا سأعقد قراني مع بنت خالتي قريباً.
شتمته، ثم طرحت السماعة في وجهه..
ولم تكد تمضي إلا أسابيع قليلة حتى سمع خبر وفاتها.. وجودها ميتة مع جنينها، ويقال إن أهلها كانوا قد طالبوها بإنزال الجنين شرط رجوعها إلى المنزل، ولكنها رفضت، فانزوت وحدها وأصيبت بمرض شديد كانت فيه نهاية حياتها.. وخوفاً على سمعتهم فقد ادعى أهلها بأنها ليست بنتهم، ولذا لم يشيعها أحد.
* * *
يحرك رأسه يمنة ويسرة لعل هذا المشهد يفر من خاطره.. يتأمل في البقعة التي أحدثتها دمعته على كفنها الأبيض.. يكاد أن يتقيء.. يهيل التراب عليها، ويسكب ماء على قبرها ثم يقرأ سورة الفاتحة عليها..
ينتصب بصعوبة، ثم يتوجه إلى بوابة المقبرة راغباً في الخروج إلى عالم الأحياء، وهو يتمتم: "رحمكِ الله".
:(
***********
Miss.ELissa
تخيَّل ضغطة القبر التي طالما قرأ وسمع عنها.. اقشعرت كل فرائصه وهو يتصور هذا الجسد المسجى أمامه في القبر كيف سيتحمل غضب الأرض على الإنسان.
كأنه يسمع أصوات عظامٍ تتهشم.. "عظامها" -يُحدث نفسه- "كلا".. إنه يشعر بالألم الآن وكأن ما يسمعه هو صوت تهشم عظامه وأضلاعه التي يحتويها جسده.
صرخ بأعلى صوته: "يا إلهي"..
شعور بالغثيان يتملكه.. حاول التماسك، لكنه يكاد أن ينهار بجانبها في القبر.. أخذ يتمتم: "يا الله، رأسي".
صور من حياته رمادية اللون تمر في ذهنه بسرعة مذهلة؛ غرقه في بركة البستان المجاور لمنزلهم، والده يلطمه على خده، صبية يحيطون به ويهددونه بالاغتصاب، ساقه مكسورة بعد نزال عنيف في إحدى مباريات كرة القدم، ممرضة تحقنه بإبرة كبيرة تحتوي على بنج لقلع أحد أسنانه، إصابته بمرض الجدري، ...الخ.
وحده ذلك المشهد خطا ببطء؛ إنها هي بشحمها ولحمها تخبره برفضها فكرة الزواج منه.. تبتسم قليلاً ثم تقول له بغنج: "أنت إنسان غير متحضر، لا يمكنني الارتباط بك كزوج، لقد حلمت بالفارس على الجواد الأبيض، وأنت لست فارسي ولن تكون أبداً، ماذا تملك من مال؟! سيارتك مغبرة وموديلها قديم جداً! ثيابك لم تتحضر هي الأخرى، ألم تسمع بزيٍ اسمه (الجينز)؟! إننا في زمن لا يعترف بالأخلاق والقيم ولن أكون رجعية في اختيار زوجي".
ردة فعله الصمت كعادته.. تسمّر لهول ما يسمعه منها، يود أن يصرخ فيها: "أنتِ مجنونة أم ماذا؟! أيّ تحضر هذا الذي تتحدثين عنه؛ التحضر لا يكون في اللباس والمظاهر يا امرأة، وإنما يكون في الفكر والسمو الأخلاقي، فحذارِ أن تسقطي ضحية تأثركِ بالمسلسلات والأفلام البلهاء".
يود أن يعلو صوته فيها، لكن شيئاً ما يمنعه من الصراخ في وجهها بهذا الكلام.. انتصب واقفاً، ثم ابتسم ابتسامة الكذب، وقال: "لكِ حريتكِ، وتأكدي أني سأكون فرحاً بما تختارينه من أجل سعادتكِ".
ليلة خطوبتها من فارس أحلامها الذي رغبت؛ كان وحده بين دفاتر خواطره ومذكراته، يحكي عن مشاعره المتناقضة، تارة يشعر بالفرح لسعادة الحبيبة، وتارة يشعر بالحزن والألم. ومن أجل إرضاء كلا الشعورين قرر شراء ساعة يد ثمينة لها كهدية بمناسبة خطوبتها، ولكنه لن يسلمها إليها بل سيحتفظ بها في أحد أدراج دولابه.
تزوجت، نسيته وظلت صورتها في مخيلته أينما سمع بلفظة (امرأة).. ومرت السنون تلو السنون، يحاول تلصص أخبارها من هنا وهناك.. سمع إن فارس أحلامها سكيّر، يضربها بعنف، يقضي يومه متنقلاً من غانية إلى أخرى، ينقلون له إن حياتها قد تذمرت وإنها لا تكف عن البكاء.
المستقبل ابتسم له بعد طول انتظار، ترقى في أعلى المناصب بصورة سريعة لم يصدقها حتى هو، ولم يتم له كل ذلك إلا بتوفيق الله عز وجل بالإضافة إلى حسن همته وقوة عزيمته واهتمامه بإنماء ثقافته وعلمه.
سنوات مرت.. هاتفه الذي لا يطيق سماع صوته بدأ بالرنين، يرفع السماعة.. إنها هي، صوتها لم ينساه بعد، تحاول أن تذكره بنفسها لكنه يعاجل بالترحيب بها، عشرات الأسئلة تتوالى على لسانه دون أن يفسح لها مجالاً للإجابة عليها.
أجشهت بالبكاء..
- فلانة، ما بكِ؟ أرجوكِ أخبريني، ماذا حصل؟ عساه خيراً إنشاء الله.
- زوجي طلقني. [دوّت لحظة من الصمت المخيف]
- استغفر الله، متى حدث ذلك؟
- منذ شهور مضت، وأنا الآن حامل منه. [دوّت لحظة من الصمت المخيف مجدداً].
- حسناً، سأحاول معالجة الأمور، سأتحدث مع أخيه الكبير لعل المياه ترجع إلى مجاريها.
- طلقني طلاقاً بائناً.. انتهى كل شيء، الوحش هاجمني بكل ما ملكت يده من أدوات، أدماني بلا رحمة، فقط لأني كنت ألومه على سهره المستمر وشربه الخمر.
بكت، وأغلقت السماعة.. ثم عاودت الاتصال..
- بلا مقدمات، هل تريدني زوجة؟
- [بسرعة أجابها] لا، أنا سأعقد قراني مع بنت خالتي قريباً.
شتمته، ثم طرحت السماعة في وجهه..
ولم تكد تمضي إلا أسابيع قليلة حتى سمع خبر وفاتها.. وجودها ميتة مع جنينها، ويقال إن أهلها كانوا قد طالبوها بإنزال الجنين شرط رجوعها إلى المنزل، ولكنها رفضت، فانزوت وحدها وأصيبت بمرض شديد كانت فيه نهاية حياتها.. وخوفاً على سمعتهم فقد ادعى أهلها بأنها ليست بنتهم، ولذا لم يشيعها أحد.
* * *
يحرك رأسه يمنة ويسرة لعل هذا المشهد يفر من خاطره.. يتأمل في البقعة التي أحدثتها دمعته على كفنها الأبيض.. يكاد أن يتقيء.. يهيل التراب عليها، ويسكب ماء على قبرها ثم يقرأ سورة الفاتحة عليها..
ينتصب بصعوبة، ثم يتوجه إلى بوابة المقبرة راغباً في الخروج إلى عالم الأحياء، وهو يتمتم: "رحمكِ الله".
:(
***********
Miss.ELissa