Owen
07-25-2003, 06:16 PM
كانت العربة الجيب تسير في بطء ورجاتها تحدث ألما في الأبدان.. تمتد الأيدي فتقبض في قوة علي ما تطوله.. المدق الذي تعبره.. محاط بتلال رملية متكلسة, طالها نشع البحر, وملوحته, خلا من الاستواء فلاح من بعيد كثعبان صحراوي يتلوي علي نفسه, يتكور وينبسط فتحتار متي تستدير أو تتوقف.
ترتطم العربة, وتنزلق, تغوص. وتندفع, تتطاير الرمال الساخنة, فتلسع الجلود والعيون, يتفادي السائق حفرة معتمة فترتج العربة وتنخطف الأرواح.. تعلو الأصوات محتجة.. والولد الصغير يبكي في رجة مفاجئة.. وهو صامت لا يجيب, ويرسل بصره إلي الطريق ممعنا..
لم يلتفت إلي الصغير, وهو يعابثه.. ولم يرد أصابعه النحيلة وهي تتحسس مقود العربة,.. يطل بعينيه عليه ثم ينكمش في صدر أبيه دافسا رأسه في شعره الكثيف..
بدا الأب ممتلئا, والأم ممتلئة.. لم تخف امتعاضها وهي تمسك بالصغير في كل رجة,.. البدن يرتج, والشعر يتطاير.. لم تكن قد لبست العباءة بعد, ولم تكن قد سترت شعرها, فنالها من العيون ما كدرها.
ابتعد السائق بالعربة, ودخل إلي السهل الرملي الممتد, علا حتي لامس جانب التل ثم استدار ونزل فلاح البحر ساكنا, والطيور الشحيحة تحوم.. ثم تهوي
يجابهك الفضاء الأصفر, وتنسال الحرارة انسيال موجة مراوغة, والقيظ يحتويك, تأخذك الخيالات المرتعشة فتراها أشكالا تتجسد, تقطع عليك الرؤية, وتتبدي لك وجوها, وأحصنة, أظلافا وذيولا, أجساما, وأدمغة.. وتروح تمعن النظر, من يدري فقد تمسك به, يشاغلك حتي إذا اقتربت فر كالسراب.. فيأخذك شعور باللاجدوي, وأنك عاجز أمام انفساح كوني يحتويك بصفرته وأشباحه, وشمسه التي تذيب الحديد.. كنت آمنا وساكنا كالوداعة, أغواك قلبك فانصببت كالعاطفة, تسربلت به واحتفي قلبك.. ترنو إليك في ابتهال أن تأخذها معك.. وكنت تزهو, والوجه منبسط, والعين تبتهج.. تناجيك آمرة, وهي تري.. قلبك علي وجهك.. دثرني بدمك.. وأنت تري الممتلئة ولدها في جلدها.. تجالسك البنت التي شقت الجلد وتسربت دما..
باغتته انحدارة مفاجئة.. فقبض في قوة علي مقعده.. لم تمنع التلال وجه الشمس, ولا حجبت لظاها.. لم تستدر الشمس بعد... فاختار السائق براحا رمليا, تناثرت فيه أشجار من الأسل, ونباتات صحراوية في حضن التل.. الفروع شحيحة الورق تلقي بظل رفيع كالرمح لا يمنع القيظ, لكنه ظل علي كل حال.. وهو غاية المني في صحراء لا ينقطع لهيبها.
توقفت السيارة علي جرف كثيب رملي..
امتدت الأيادي بملاءة قطنية داكنة, وربطت أطرافها بين فروع الشجر, فسمحت بمساحة من الظل أشاعت بعضا من البهجة وأتاحت راحة مختلسة لأبدان متعبة.
كان المسافرون خليطا من المتعاقدين وأبناء البلاد.. قل الحديث بينهم أثناء السفر, لكنهم تقاربوا في جلستهم.
لم يكن بوسعه فعل شيء, فأسند ظهره إلي جذع شجرة خشنة القشرة, وراحت عيناه ترنوان في كسل كالخدر. تنحي الرجل الممتليء قليلا.. وفرش سجادة صغيرة جلست عليها امرأته, كساها ثوبها الواسع فاحتجبت, أدخل يده في الحقيبة وأخرج منديلا زهري اللون, فردته وأدارت ظهرها وفرشته علي رأسها وانسدل حتي الصدر فاستتر الصغير وهو يرضع أخرج السائق جيرك المياه, وفتح غطاء العربة وصب قليلا منه.
واستدار ثم أخرج كرتونة صغيرة, فتحها ورص الشاي, والسكر والأكواب.. وأدار رأسه كأنه يتلفت..
لم تفته حركته وهو يقتعد حجرا رمليا, الوحيد من الركاب الثمانية الذي يرتدي العقال, فكه وعلقه بفرع شجرة وعاود النظر ثم نهض, وضع طرف ثوبه في تكة سرواله الطويل ونتش فرعين جافين, هشمهما, وحفر حفرة صغيرة ورص علي فوهتها حجرين.. وراح يشعل النار.. ويضع كوز الشاي..
تخفف رجل التعليم من ثوبه, وكشف سرواله الأبيض المطرز عن ساق ناشفة, معتمة اللون, ظل يدخن وحوله اثنان لا يكفان عن الحديث, وهو يرمقهما ويبتسم.
توجس منه..
أخذته الرمال المتحركة كالموج وسار قليلا اعتلي كثيبا, وشاهد الرمل المبسوط بدرجاته, وتعجب كيف تصنع الرياح الخفية من حصيرة الرمل شكلا جميلا ومدهشا. ثمة خيمات متناثرة.. قرب بطن التل, وخيمة ممتدة أرخت حوائطها, ولم يعد منها غير سقف يسترها.. وغنمات هاجعات تحت أشجار الأسل, وفي جنبات التل..
.. تخفف السائق من ملابسه, وبدا سرواله هادلا, ولحيته تحتجز.. قطرات مياه شحيحة, وجدائل شعره تتلوي مغبرة, وسمانة ساقه ككدمة محتقنة. يلوك السواك في حنية الفم, ويبتسم. تقدم إليه وناوله كوب الشاي.. رآه ينشغل بالخيمة المفتوحة فقال في عجلة..
ـ المرة القادمة لن تراهم
لاحظ عليه دهشة ممزوجة بالحزن..
ـ لا تندهش.. حياتهم ترحال
تناول كوب الشاي وامتن له كثيرا
ـ لست وحدك!
نظر إليه, وتعجب أن يظل صامتا.. كأنه في غفوة..
ـ تتأثر سريعا!
وقدم له قطعة من خبز التميس...
ـ كل من سافروا معي دمعت عيونهم.
وهو يستدير نحو غطاء العربة, ابتسم, وغمز بعينه.
ـ لست وحدك
وحين رفع السائق يده في إشارة إلي البعيد, رأي بدويا يخب في مشيته, الصديري مفتوح, والغترة ملفوفة علي الرأس كالعمامة.. اقتربا, وتصافحا. أخذه إلي العربة وأعطاه كرتونة ممتلئة بأغراض كثيرة..
ـ كل ما طلبت الخالة..
ربت بكفه علي صدره.
ـ تدعوك.. لشرب القهوة بالهيل العتيق
أشار إلي رجل التعليم ثم إلي الآخرين..
ـ متعجلون..
ثم ضحك وهو ينظر إليه واقفا, وصامتا
ـ البذورة ـ ينتظرونهم
ـ.. ننتظرك في عودتك..
تموج التلال في عينيه, ويتغضن وجه الصحراء في فضاء رملي ساخن يقبض علي الروح, هجع كل شيء, وراحت الهوام تندس في الجحور, وتحت الصخور, وفي شقوق الرمل.. وتحت قشرته الرطبة.. ويظل للبحر في احتجابه خلف الكثبان حضوره في هبات شحيحة, ورائحة تحمل عطنا ويودا وروطبة فجأة صرخت المرأة الممتلئة.. نترت جسدها في قوة.. جذبت الصغير وقفزت.. ظلت تدور, وتلف, ثم توقفت وعيناها تدمعان.. وصدرها يرتج.
راح زوجها يطمئنها ويستجديها الصمت والهدوء ـ تجمع الرجال في هبة واحدة.. لمحه السائق صغيرا داكنا.. ينسحب في الرمال. كما لو كان يسبح في لجة من الماء. لم يبد منه إلا حركة التلوي, والغبار الخفيف الذي يعلوه وانسيابات الرمل المصاحبة, أسرع في غدوة محسوبة وانتظره, سكب عليه ماء وحدق فيه, غرس فرع شوك مدببا وأفسح ساقيه. حتي إذا لامس العصا, وشعر بالبلولة توقف ورفع رأسه, صغيرة ـ مسودة وعيناه ضيقتان لامعتان, وجلد أصفر مرتـش, ولسانه ناعم كالابرة, يلوح ويختفي.. ثم تسحب حتي اعتلي الفرع وسكن..
لم يكف رجل التعليم عن همهمته وتحديقه, ولم يغير وقفته أو يبدل ساقيه. رفع يده فراحت عين الثعبان تتابعها.. وانقضت الاصابع علي رأسه وضغطت, تمدد الثعبان علي نفسه.. وفتح فمه.
يرز اللسان والفك.. وأمعن النظر.. ثم استقام جذعه وتنفس في عمق. وتمتم
ــ لا يؤذي..
خرجوا عن الصمت الراجف وصوبوا العيون
ـ ليس من النوع السام
وحين حاولوا قتله منعهم, لم يعلق علي احتجاج المرأة وهي تدمدم أن إطلاقه اساءة لها وخطر علي غيرها.. رنا الي الممتليء, وربت علي صغيره..
ـ دعوه لمصيره
لم تفته حركة السائق المعترضة, ولا صاحب العقال في بصفته, وقال في نبرة عالية
ـ لاتحسبوه آمنا, هذا الذي أخافنا
ردد البعض في تفكه موقع.. هذا الذي أخافنا
وغاصت عينه في عين هذا الذي خاف وانتحي ركنا بعيدا ساهما, وشاردا..
ـ في الصحراء ان فقدت سلاحك خاصمك الامان
لاحت الشعاعات كأنها أسلاك صفراء منفلتة, وعيناك تدوران في الفضاء المرصود بقنن الجبال النائية كأنها خط معتم علي حدود الافق, وتتعجب ـ كيف تستمر الحرارة لاهبة وكاوية واكتوبر ينسحب آفلا. وكيف لم تأبه لفزعة الرجال, وظللت مكانك علي كثيبك الرملي بخبزك اللدن وشايك الكهرمان...
غابت عنك الاذن فلم تسمع الا وشيشا يذكرك بحفيف الشجر حين يكتنز بالورق.
وانت مبهور بالفضاء ومستمع الي وشيشك المخضر تجلي لك فأدمنت الرنو غافلا.. فردت كفيك, واستقبلتها في راحتيك أحبك.
تكاد المياه تصطفق, وتعلو حتي تلامسك, وانت قابض عليها. والمقهي الممتد علي ضفاف النيل بعبق برائحة وردات متناثرة.
وقلبك يخطفك, فتدفعه ضاغطا كي لا يفضحك.. ولسانك لابد لايطاوعك..
وأنت تشرح قصائد الغزل ظللت تسرد مفردات الحب, والعشق ـ والجوي ـ والوجد, والنوي, وتسرف في المعني, وترنو الي المغزي.. فلم يفتك الوجه المرتعش, ولا الوهج الذي خطف بصرك فأعماك, وظللن ينتظرن..
لو اكتشفن انك لم تعرف قلق الحب وانك بلا تجربة لاتعرفن عنك, ونتأن عينك المحدقة.. مع أن قلبك طري كقلوب المحبين.
لم تحرقك التجربة, فبدوت في هواك كالمحايد..
تداري شعورك في صدرك, مع انك خير من يتذوق عذاب الشعراء وحبهم.. أيمنعك الحياء.. أم تري البوح ضعفا!!
فك نفسك, واخلع عنك طلسمها.. وبح.. هل تطوي السماء نجومها اذا قلت.. أحبك..
اتظن ان الله خلق القلب عبثا..
تتلفت كأنك تخشي ان تكون قد طارت وحومت ـ والقلوب مبثوثة علي الأرائك, وفوق المناضد ـ خرجت من صدورها ـ وزخات الدماء الصاهدة تحيط بك.
وانت تحب, وتخجل. أفي الحب ملام!!
وكأنما تعاني من ندبة مدممة.. فتحت قلبك وصحت
ـ وأنا أحبك
وانتفضت ـ أمامك ـ قائمة.. فردت ذراعيها كأنما تريد للصوت المنفلت منك أن يعود اليك.. تحوطه بدفئك.
وبكت وهي تهمس في تمتمة كالصلاة
ـ هي.. تعويذتي التي تحرسك
هل وصلك الحب فداريت دمعة تقف علي حافة العين!!
وهل آنسك فأنساك ما حدث!!
لبدت المرأة الممتلئة بجوار زوجها وعكس وجهها غضبا مكتوما, نحت الصغير عن صدرها وأعطته لأبيه وفردت منديلها وشدت به شعرها وعقدته. لم تخل عيناها من نظرة تأنيب. لم تنس أبدا احتجاجها علي السفر معه, كيف تترك عملها وأهلها وتلحق به في بلدة جنوبية منزوية وبعيدة عن الحياة. من يضاهي الاسكندرية بأية مدينة في العالم..
لكنه رهن السفر بمصاحبتها.. فعليها أن تكابد مثلما يفعل, وان تؤانسه.
ولم تترك أمها ذريعة للسفر لم تستخدمها, فهي كبرت ولم تعد قادرة علي خدمة الابناء وأولادهم, وانت في الحقيقة أولي بزوجتك, وانه لن ينسي لك صحبتك له, واحمدي الله أنه راغب, غيره ممكن أن يترك الجمل بما حمل.. ويرمي كل شهر عددا من الريالات.. ويراكم مرة في العام كأنه غريب, اسمعي نصيحتي.. الرجل في الغربة لا يحتاج لشيء قدر احتياجه لامرأته تؤنسه وتؤانسه..
ـ ابعدي الشيطان.. وبخري نفسك..
تراه يحوط الولد بذراعه المشعرة, عيناه مساهمتان في البعيد, لو نفذ اقتراحها لاستراحوا جميعا,, شهر واحد وتلحق به
امسكت فرعا جافا ونكتت به الرمال. مدت كفها وشدت قميص الولد.. هشت الذباب, رفعه اليها
ـ قلت لك اسبقني!
هومت, وتقلص وجهها وخرج الكلام مدغوما كأنها تحادث نفسها.. وحطت عيناه علي الشفتين وادرك الألم مكتوما.. لقد سعت معه بكل الطرق للبحث عن عقد. تعلم أن مدرس التربية الرياضية تبور سوقه في الخليج, وهي التي تسعي الي نقلة جديدة تنعم فيها بالملابس الأنيقة والسكن الواسع والسيارة ان امتد العقد.. تدفعني دفعا. ثم تتخلي!! كانت تملأني زهوا!!
ـ تعرفين أني لا استغني عنه..
ومشت عيناها, وجاءها الدمع طائعا, احنت وجهها علي كفها وارتجفت
ـ كان من الافضل لو تأخرت قليلا
ـ ستمرين علي هذا الطريق نفسه.. وتجلسين هذه الجلسة وهي تبعد ذبابة صحراوية ملحة
ـ كنت دبرت نفسك
وتلفتت ـ صادت وجهه الباهت, وجلسته المقعية, ورأت الرجال يرتجون حول رجل التعليم, والسائق في طريقه ناحيتهم, وتعجبت من هذا الذي ينأي بعيدا.. ولم يكلف نفسه أن يطمئن عليهم.. وتمتمت كالمغيبة
ـ قل لي ـ أين نبيت ليلتنا؟
يعلم أن الطريق ممتد, وأن الفجر زمن الوصول, وصديقه ينتظر كيف لم تحمد الله وهي تعلم أن لي صديقا بالبلدة, ماذا يفعل من ليس له صديق يعينه أو يدبر أمره
ـ لي صديق دبر كل شيء
حدقت فيه, ثم ضيقت عينها, ولوت بوزها, ونظرت ـ مؤنبة ـ الي التلال, والرمال, والفخات الرامحة.. و..تمتمت
ـ كل شيء!
.. شيء ما كدره, وأرجف بدنه, وهو يرنو في إطالة تجاههما, هم ثقيل, وقع في المسافة الضيقة بينهما فاتسعت وتباعد الكتفان, صاد غبرة صحراوية طالت تدويرة الوجه الابيض فأعتمته. وأحزنه ان يري الرجل ـ علي امتلائه ـ منكفئا برأسه إلي الأرض وعيناه شاردتان تحدقان في الرمال الصفراء وهي تنسلت من فرجات اصابعه كالخيوط الواهية..
ونهض..
ولم يطردهم وظهر بكل هذه القسوة, حتي ليبدو كمن يريد التخلص منهم!
استقام جذعه, وطوح بذراعيه, وهبط..
شغله حزن المرأة ولهفتها علي صغيرها.
وهو يخب في مشيته وعيناه لا تفلتان وجه الرجل المنكفيء.. تذكرها ما الذي يمكن أن تفعله لو صادفت الموقف نفسه, أتضيق بالمكان الذي يأكل الفرحة, ويمتص الرداء! أيمكن أن ان تفعلها ـ في كبر الأنثي. وتخيره بينها وبين سفرته! أم.. تدثره بشعرها الليلي المنسدل.. وابتسم.. وراحت بسمته الرائقة تفيض علي وجهه, وتطول الافرع الكليلة وتمشي علي. وجه الرمل فتشكله أهله مقمرة..
واصطاده السائق متلبسا فاهتاج. هز يديه وصفق في ايقاع بدوي, وكتم الرمل ردقات قدمه الموقعة. دار يجسده ودارت ملتفة حتي شال الهواء حوكته بدت سعادته حقيقية, وعكس وجهه ودا خالصا ـ هو وحده يخفف عليه ارتباكه وحيرته ـ أتنس به وهو يلزمه محتضنا في موقف الجنوب ومنصور يأتمنه عليه ويوصيه خيرا.
ـ النبي تبسم
واستدارت الرءوس, وضجت الصحبة بالصخب, وفز الانيق بعقاله حاجلا.
ـ النبي تبسم... والنبي تبسم
شمله حياء حقيقي, وغزاه ضعف يجلب البكاء..
لوح بيديه, فاردا منديله في بهجة نادرة.
مال تجاه الرجل وامرأته..
ألقي التحية فأدارت المرأة وجهها وحين رأته, أعادته ممتعضة.
علا زوجها برأسه ورد التحية.
جلس القرفصاء علي نتوء رملي مكلس
كيف حال ولدك؟
ورنا إليه في حذر, فضل الصمت فالأمر انتهي لكن عينيه وشيتا بلوم خفي
ـ كنت غائبا.. فاعذرني
بصت إليه في عجب وقلبت شفتيها في زمة طويلة يمين الفم..وهو مت وضحك الزوج قائلا في ريبة.
ـ حمدالله ع السلامة.
وبركن الفم المعووج قالت.
ـ وكيف حالهم!
أدرك كم هي متألمة من موقفه.
ـ من؟
ـ من كنت عندهم!
أسرع الزوج بالحديت ليبعد عنه قصد الاساءة
ـ أول سفر لك!
ـ وآخر سفر.
ضغط علي يده متوددا.
ـ هل زرت الواحات؟
زوي مابين الحاجبين, ورمق الزوجة, خشي أن يجيب فنفي الأمر برأسه.
ـ ولاسيناء!
أحني رأسه وشعر بخجل, واعترف بخطئه, فهو لم يزر معالم الجنوب, ولامشي في دروب الصحراء القريبة منه, كان تنقله بين قريته والقاهرة.
ـ وتصور أن هذا يكفيه.
ـ الأمر لايختلف كثيرا عن صحراء بلدك.
وحدثه عن رحلاته الكثيرة, وفرق الكشافة التي صاحبها, ومعسكرات الشباب التي أقامها, والصيد في صحراء الفيوم, ومرسي مطروح, وتوقف فجأة ولم يسترسل بعد أن رأي نظرة التأنيب من زوجته.
ـ سعيد ـ مدرس تربية رياضية
ـ صابر ـ لغة عربية
وحل صمت ساكن بينهما هزه فجأة صوت السائق وهو يدعوهم إلي تلبية دعوة البدوي.. فأحس براحة أفقدته من حرج مخز.
ولجت المرأة بصغيرها فتحة الخباء.. واعتبرت الأمر كأنه نجدة سماوية, فالصغير يحتاج إلي تجهيز رضعة, وهي ضاقت بما تحوي, وتتمني لو فردت جسمها المفكك.
استقبلتها البدوية بجسدها النحيل وثوبها الزاهي.. وهمهمت ياهلا..ياهلا بالزين التزمتها في بشر وتابعت حبايب إي والله وراحت تداعب الصغير.
أومأت إلي فتاتين فنهضتا, وحييا الزائرة.
طالبتهما بجرش الهيل, وغلي الماء, وإحضار اللبن الصناعي, وإشعال الفرن.. نبهتها إلي أن معها طعام الولد, وهو أكل خاص به.
أشارت إلي حافة باب محجوب بستارة ذات شراريب ملونة وعريضة.
ـ هاتي الوليد وتريحي.
وتفتح الصندوق, تخرج منه مناشف صغيرة, تجلس الولد علي أريكة, وتضع في حجرة بسكويتا بالتمر..ثم شالت يدها زجاجة هبت رائحتها فملأت الخباء, وطبقا مسطحا من الخوص, وكبشت حفانين من التمر, واختارت قنينة صغيرة تحتفظ فيها بخلطة نافذة من زيت العنبر والصندل, وركنت بجوار مرآة صغيرة مكحلة مرودها صغير ولامع.
اثار انتباهها وهي ترضع الصغير, الأكلمة الوبرية الجميلة, وأكياس كالحقائب موشاة بخرزات وقواقع ملونة, وعقود بأشكال وأصباغ متداخلة.. وأساور بيضاء رفيعة.
وهي تقدم لها القهوة بالتمر قالت في مودة.
ـ نغزل الوبر ونبيعه ملابس وأغطية للرأس والصدر.
ولوحت البدوية بعقد فخطف عين المرأة
ـ كهرمان صافي جميل.
ابتسمت وقالت في نبرة خفيفة وغمزة عين مكحولة.
ـ يبعد الشر, ويحمي من الحسد.
ظل الزوج بامتلائه ـ قائما قريبا من باب الخباء, حتي نبهه البدوي إلي أنها مع أهله في أمان, فافتقد حشية تقطعت خيوطها من الأجناب, وفرد ساقيه وتنهد في نفس طويل, ورات عيناه تنطبقان في خدر مزاحم.
كان قد هل علي المكان عدد من الشباب قدموا من خيامهم المتناثرة, جاءت جلسة أحدهم بجوار صابر وحين علم أنه موجه للعمل بمعهد المعلمين بالبلدة الساحلية الصغيرة.. حتي استدار كلية إليه وبانت عليه علامات الفرحة وقال في اندفاعة.
قبلوا أوراقي به..إيش تدرس
ـ لغة عربية.
ونهض سريعا, قدم الشاهي, وحبات التمر.
ـ الطريق طويل!
دفس تمرة ولاكها.
ـ لنا عوايل هناك.
وأخذه الخلاء, وكثبان الرمل, والنخلات الواطئة, والغنمات الشاردة والفتي يحادثه عن الخيمةوالمدرسة, والمدرس المقيم الذي يأتي مع بدء العام ويمضي في نهايته, يرحل مع الراحلين, أو تمتد إقامته.
ـ نبحث عن الماء والكلأ..فإن وجدناه حططنا الرحال والمعلم معنا.
وتلفت إلي السائق وهو في طريقه إلي السيارة وابتسم.
ـ الحكومة..جزاها الله كل خير.. ماقصرت.
وارتشف صابر رشفة طويلة وعينه..ترمقه.
ـ كأنكم رهائن!
جلس الفتي القرفصاء وفرد ذراعيه علي ركبتيه وقال في زهو.
ـ الصحراء..بيتنا.. والبدوي حر حرية الصحراء, كريم إلي أقصي حد.. وقاس إلي أقصي حد, ونتر جسده وصوب بصره إلي العربة.
كان السائق قد طوي ملاءته, وجمع أكوابه, وأغلق الكرتونة وأحكم غطاء العربة أدارها ومضي حذرا تجاه الخيمة.. وقبل أن يصل انفلق الرمل فلقتين وطوي العجلات وأطبق عليها, نزل, وتساءل في غضبة عصبية, كيف تجاهل مراوغة الرمل وخداعه!
استدار الفتي.. أخبرهم أن العربة غرزت, وأن الرمل احتجزهم فاستسلموا في تهويمة, ثم سرعان ماضجوا..طالبين الشاهي..وحجر الجيراك.
ترتطم العربة, وتنزلق, تغوص. وتندفع, تتطاير الرمال الساخنة, فتلسع الجلود والعيون, يتفادي السائق حفرة معتمة فترتج العربة وتنخطف الأرواح.. تعلو الأصوات محتجة.. والولد الصغير يبكي في رجة مفاجئة.. وهو صامت لا يجيب, ويرسل بصره إلي الطريق ممعنا..
لم يلتفت إلي الصغير, وهو يعابثه.. ولم يرد أصابعه النحيلة وهي تتحسس مقود العربة,.. يطل بعينيه عليه ثم ينكمش في صدر أبيه دافسا رأسه في شعره الكثيف..
بدا الأب ممتلئا, والأم ممتلئة.. لم تخف امتعاضها وهي تمسك بالصغير في كل رجة,.. البدن يرتج, والشعر يتطاير.. لم تكن قد لبست العباءة بعد, ولم تكن قد سترت شعرها, فنالها من العيون ما كدرها.
ابتعد السائق بالعربة, ودخل إلي السهل الرملي الممتد, علا حتي لامس جانب التل ثم استدار ونزل فلاح البحر ساكنا, والطيور الشحيحة تحوم.. ثم تهوي
يجابهك الفضاء الأصفر, وتنسال الحرارة انسيال موجة مراوغة, والقيظ يحتويك, تأخذك الخيالات المرتعشة فتراها أشكالا تتجسد, تقطع عليك الرؤية, وتتبدي لك وجوها, وأحصنة, أظلافا وذيولا, أجساما, وأدمغة.. وتروح تمعن النظر, من يدري فقد تمسك به, يشاغلك حتي إذا اقتربت فر كالسراب.. فيأخذك شعور باللاجدوي, وأنك عاجز أمام انفساح كوني يحتويك بصفرته وأشباحه, وشمسه التي تذيب الحديد.. كنت آمنا وساكنا كالوداعة, أغواك قلبك فانصببت كالعاطفة, تسربلت به واحتفي قلبك.. ترنو إليك في ابتهال أن تأخذها معك.. وكنت تزهو, والوجه منبسط, والعين تبتهج.. تناجيك آمرة, وهي تري.. قلبك علي وجهك.. دثرني بدمك.. وأنت تري الممتلئة ولدها في جلدها.. تجالسك البنت التي شقت الجلد وتسربت دما..
باغتته انحدارة مفاجئة.. فقبض في قوة علي مقعده.. لم تمنع التلال وجه الشمس, ولا حجبت لظاها.. لم تستدر الشمس بعد... فاختار السائق براحا رمليا, تناثرت فيه أشجار من الأسل, ونباتات صحراوية في حضن التل.. الفروع شحيحة الورق تلقي بظل رفيع كالرمح لا يمنع القيظ, لكنه ظل علي كل حال.. وهو غاية المني في صحراء لا ينقطع لهيبها.
توقفت السيارة علي جرف كثيب رملي..
امتدت الأيادي بملاءة قطنية داكنة, وربطت أطرافها بين فروع الشجر, فسمحت بمساحة من الظل أشاعت بعضا من البهجة وأتاحت راحة مختلسة لأبدان متعبة.
كان المسافرون خليطا من المتعاقدين وأبناء البلاد.. قل الحديث بينهم أثناء السفر, لكنهم تقاربوا في جلستهم.
لم يكن بوسعه فعل شيء, فأسند ظهره إلي جذع شجرة خشنة القشرة, وراحت عيناه ترنوان في كسل كالخدر. تنحي الرجل الممتليء قليلا.. وفرش سجادة صغيرة جلست عليها امرأته, كساها ثوبها الواسع فاحتجبت, أدخل يده في الحقيبة وأخرج منديلا زهري اللون, فردته وأدارت ظهرها وفرشته علي رأسها وانسدل حتي الصدر فاستتر الصغير وهو يرضع أخرج السائق جيرك المياه, وفتح غطاء العربة وصب قليلا منه.
واستدار ثم أخرج كرتونة صغيرة, فتحها ورص الشاي, والسكر والأكواب.. وأدار رأسه كأنه يتلفت..
لم تفته حركته وهو يقتعد حجرا رمليا, الوحيد من الركاب الثمانية الذي يرتدي العقال, فكه وعلقه بفرع شجرة وعاود النظر ثم نهض, وضع طرف ثوبه في تكة سرواله الطويل ونتش فرعين جافين, هشمهما, وحفر حفرة صغيرة ورص علي فوهتها حجرين.. وراح يشعل النار.. ويضع كوز الشاي..
تخفف رجل التعليم من ثوبه, وكشف سرواله الأبيض المطرز عن ساق ناشفة, معتمة اللون, ظل يدخن وحوله اثنان لا يكفان عن الحديث, وهو يرمقهما ويبتسم.
توجس منه..
أخذته الرمال المتحركة كالموج وسار قليلا اعتلي كثيبا, وشاهد الرمل المبسوط بدرجاته, وتعجب كيف تصنع الرياح الخفية من حصيرة الرمل شكلا جميلا ومدهشا. ثمة خيمات متناثرة.. قرب بطن التل, وخيمة ممتدة أرخت حوائطها, ولم يعد منها غير سقف يسترها.. وغنمات هاجعات تحت أشجار الأسل, وفي جنبات التل..
.. تخفف السائق من ملابسه, وبدا سرواله هادلا, ولحيته تحتجز.. قطرات مياه شحيحة, وجدائل شعره تتلوي مغبرة, وسمانة ساقه ككدمة محتقنة. يلوك السواك في حنية الفم, ويبتسم. تقدم إليه وناوله كوب الشاي.. رآه ينشغل بالخيمة المفتوحة فقال في عجلة..
ـ المرة القادمة لن تراهم
لاحظ عليه دهشة ممزوجة بالحزن..
ـ لا تندهش.. حياتهم ترحال
تناول كوب الشاي وامتن له كثيرا
ـ لست وحدك!
نظر إليه, وتعجب أن يظل صامتا.. كأنه في غفوة..
ـ تتأثر سريعا!
وقدم له قطعة من خبز التميس...
ـ كل من سافروا معي دمعت عيونهم.
وهو يستدير نحو غطاء العربة, ابتسم, وغمز بعينه.
ـ لست وحدك
وحين رفع السائق يده في إشارة إلي البعيد, رأي بدويا يخب في مشيته, الصديري مفتوح, والغترة ملفوفة علي الرأس كالعمامة.. اقتربا, وتصافحا. أخذه إلي العربة وأعطاه كرتونة ممتلئة بأغراض كثيرة..
ـ كل ما طلبت الخالة..
ربت بكفه علي صدره.
ـ تدعوك.. لشرب القهوة بالهيل العتيق
أشار إلي رجل التعليم ثم إلي الآخرين..
ـ متعجلون..
ثم ضحك وهو ينظر إليه واقفا, وصامتا
ـ البذورة ـ ينتظرونهم
ـ.. ننتظرك في عودتك..
تموج التلال في عينيه, ويتغضن وجه الصحراء في فضاء رملي ساخن يقبض علي الروح, هجع كل شيء, وراحت الهوام تندس في الجحور, وتحت الصخور, وفي شقوق الرمل.. وتحت قشرته الرطبة.. ويظل للبحر في احتجابه خلف الكثبان حضوره في هبات شحيحة, ورائحة تحمل عطنا ويودا وروطبة فجأة صرخت المرأة الممتلئة.. نترت جسدها في قوة.. جذبت الصغير وقفزت.. ظلت تدور, وتلف, ثم توقفت وعيناها تدمعان.. وصدرها يرتج.
راح زوجها يطمئنها ويستجديها الصمت والهدوء ـ تجمع الرجال في هبة واحدة.. لمحه السائق صغيرا داكنا.. ينسحب في الرمال. كما لو كان يسبح في لجة من الماء. لم يبد منه إلا حركة التلوي, والغبار الخفيف الذي يعلوه وانسيابات الرمل المصاحبة, أسرع في غدوة محسوبة وانتظره, سكب عليه ماء وحدق فيه, غرس فرع شوك مدببا وأفسح ساقيه. حتي إذا لامس العصا, وشعر بالبلولة توقف ورفع رأسه, صغيرة ـ مسودة وعيناه ضيقتان لامعتان, وجلد أصفر مرتـش, ولسانه ناعم كالابرة, يلوح ويختفي.. ثم تسحب حتي اعتلي الفرع وسكن..
لم يكف رجل التعليم عن همهمته وتحديقه, ولم يغير وقفته أو يبدل ساقيه. رفع يده فراحت عين الثعبان تتابعها.. وانقضت الاصابع علي رأسه وضغطت, تمدد الثعبان علي نفسه.. وفتح فمه.
يرز اللسان والفك.. وأمعن النظر.. ثم استقام جذعه وتنفس في عمق. وتمتم
ــ لا يؤذي..
خرجوا عن الصمت الراجف وصوبوا العيون
ـ ليس من النوع السام
وحين حاولوا قتله منعهم, لم يعلق علي احتجاج المرأة وهي تدمدم أن إطلاقه اساءة لها وخطر علي غيرها.. رنا الي الممتليء, وربت علي صغيره..
ـ دعوه لمصيره
لم تفته حركة السائق المعترضة, ولا صاحب العقال في بصفته, وقال في نبرة عالية
ـ لاتحسبوه آمنا, هذا الذي أخافنا
ردد البعض في تفكه موقع.. هذا الذي أخافنا
وغاصت عينه في عين هذا الذي خاف وانتحي ركنا بعيدا ساهما, وشاردا..
ـ في الصحراء ان فقدت سلاحك خاصمك الامان
لاحت الشعاعات كأنها أسلاك صفراء منفلتة, وعيناك تدوران في الفضاء المرصود بقنن الجبال النائية كأنها خط معتم علي حدود الافق, وتتعجب ـ كيف تستمر الحرارة لاهبة وكاوية واكتوبر ينسحب آفلا. وكيف لم تأبه لفزعة الرجال, وظللت مكانك علي كثيبك الرملي بخبزك اللدن وشايك الكهرمان...
غابت عنك الاذن فلم تسمع الا وشيشا يذكرك بحفيف الشجر حين يكتنز بالورق.
وانت مبهور بالفضاء ومستمع الي وشيشك المخضر تجلي لك فأدمنت الرنو غافلا.. فردت كفيك, واستقبلتها في راحتيك أحبك.
تكاد المياه تصطفق, وتعلو حتي تلامسك, وانت قابض عليها. والمقهي الممتد علي ضفاف النيل بعبق برائحة وردات متناثرة.
وقلبك يخطفك, فتدفعه ضاغطا كي لا يفضحك.. ولسانك لابد لايطاوعك..
وأنت تشرح قصائد الغزل ظللت تسرد مفردات الحب, والعشق ـ والجوي ـ والوجد, والنوي, وتسرف في المعني, وترنو الي المغزي.. فلم يفتك الوجه المرتعش, ولا الوهج الذي خطف بصرك فأعماك, وظللن ينتظرن..
لو اكتشفن انك لم تعرف قلق الحب وانك بلا تجربة لاتعرفن عنك, ونتأن عينك المحدقة.. مع أن قلبك طري كقلوب المحبين.
لم تحرقك التجربة, فبدوت في هواك كالمحايد..
تداري شعورك في صدرك, مع انك خير من يتذوق عذاب الشعراء وحبهم.. أيمنعك الحياء.. أم تري البوح ضعفا!!
فك نفسك, واخلع عنك طلسمها.. وبح.. هل تطوي السماء نجومها اذا قلت.. أحبك..
اتظن ان الله خلق القلب عبثا..
تتلفت كأنك تخشي ان تكون قد طارت وحومت ـ والقلوب مبثوثة علي الأرائك, وفوق المناضد ـ خرجت من صدورها ـ وزخات الدماء الصاهدة تحيط بك.
وانت تحب, وتخجل. أفي الحب ملام!!
وكأنما تعاني من ندبة مدممة.. فتحت قلبك وصحت
ـ وأنا أحبك
وانتفضت ـ أمامك ـ قائمة.. فردت ذراعيها كأنما تريد للصوت المنفلت منك أن يعود اليك.. تحوطه بدفئك.
وبكت وهي تهمس في تمتمة كالصلاة
ـ هي.. تعويذتي التي تحرسك
هل وصلك الحب فداريت دمعة تقف علي حافة العين!!
وهل آنسك فأنساك ما حدث!!
لبدت المرأة الممتلئة بجوار زوجها وعكس وجهها غضبا مكتوما, نحت الصغير عن صدرها وأعطته لأبيه وفردت منديلها وشدت به شعرها وعقدته. لم تخل عيناها من نظرة تأنيب. لم تنس أبدا احتجاجها علي السفر معه, كيف تترك عملها وأهلها وتلحق به في بلدة جنوبية منزوية وبعيدة عن الحياة. من يضاهي الاسكندرية بأية مدينة في العالم..
لكنه رهن السفر بمصاحبتها.. فعليها أن تكابد مثلما يفعل, وان تؤانسه.
ولم تترك أمها ذريعة للسفر لم تستخدمها, فهي كبرت ولم تعد قادرة علي خدمة الابناء وأولادهم, وانت في الحقيقة أولي بزوجتك, وانه لن ينسي لك صحبتك له, واحمدي الله أنه راغب, غيره ممكن أن يترك الجمل بما حمل.. ويرمي كل شهر عددا من الريالات.. ويراكم مرة في العام كأنه غريب, اسمعي نصيحتي.. الرجل في الغربة لا يحتاج لشيء قدر احتياجه لامرأته تؤنسه وتؤانسه..
ـ ابعدي الشيطان.. وبخري نفسك..
تراه يحوط الولد بذراعه المشعرة, عيناه مساهمتان في البعيد, لو نفذ اقتراحها لاستراحوا جميعا,, شهر واحد وتلحق به
امسكت فرعا جافا ونكتت به الرمال. مدت كفها وشدت قميص الولد.. هشت الذباب, رفعه اليها
ـ قلت لك اسبقني!
هومت, وتقلص وجهها وخرج الكلام مدغوما كأنها تحادث نفسها.. وحطت عيناه علي الشفتين وادرك الألم مكتوما.. لقد سعت معه بكل الطرق للبحث عن عقد. تعلم أن مدرس التربية الرياضية تبور سوقه في الخليج, وهي التي تسعي الي نقلة جديدة تنعم فيها بالملابس الأنيقة والسكن الواسع والسيارة ان امتد العقد.. تدفعني دفعا. ثم تتخلي!! كانت تملأني زهوا!!
ـ تعرفين أني لا استغني عنه..
ومشت عيناها, وجاءها الدمع طائعا, احنت وجهها علي كفها وارتجفت
ـ كان من الافضل لو تأخرت قليلا
ـ ستمرين علي هذا الطريق نفسه.. وتجلسين هذه الجلسة وهي تبعد ذبابة صحراوية ملحة
ـ كنت دبرت نفسك
وتلفتت ـ صادت وجهه الباهت, وجلسته المقعية, ورأت الرجال يرتجون حول رجل التعليم, والسائق في طريقه ناحيتهم, وتعجبت من هذا الذي ينأي بعيدا.. ولم يكلف نفسه أن يطمئن عليهم.. وتمتمت كالمغيبة
ـ قل لي ـ أين نبيت ليلتنا؟
يعلم أن الطريق ممتد, وأن الفجر زمن الوصول, وصديقه ينتظر كيف لم تحمد الله وهي تعلم أن لي صديقا بالبلدة, ماذا يفعل من ليس له صديق يعينه أو يدبر أمره
ـ لي صديق دبر كل شيء
حدقت فيه, ثم ضيقت عينها, ولوت بوزها, ونظرت ـ مؤنبة ـ الي التلال, والرمال, والفخات الرامحة.. و..تمتمت
ـ كل شيء!
.. شيء ما كدره, وأرجف بدنه, وهو يرنو في إطالة تجاههما, هم ثقيل, وقع في المسافة الضيقة بينهما فاتسعت وتباعد الكتفان, صاد غبرة صحراوية طالت تدويرة الوجه الابيض فأعتمته. وأحزنه ان يري الرجل ـ علي امتلائه ـ منكفئا برأسه إلي الأرض وعيناه شاردتان تحدقان في الرمال الصفراء وهي تنسلت من فرجات اصابعه كالخيوط الواهية..
ونهض..
ولم يطردهم وظهر بكل هذه القسوة, حتي ليبدو كمن يريد التخلص منهم!
استقام جذعه, وطوح بذراعيه, وهبط..
شغله حزن المرأة ولهفتها علي صغيرها.
وهو يخب في مشيته وعيناه لا تفلتان وجه الرجل المنكفيء.. تذكرها ما الذي يمكن أن تفعله لو صادفت الموقف نفسه, أتضيق بالمكان الذي يأكل الفرحة, ويمتص الرداء! أيمكن أن ان تفعلها ـ في كبر الأنثي. وتخيره بينها وبين سفرته! أم.. تدثره بشعرها الليلي المنسدل.. وابتسم.. وراحت بسمته الرائقة تفيض علي وجهه, وتطول الافرع الكليلة وتمشي علي. وجه الرمل فتشكله أهله مقمرة..
واصطاده السائق متلبسا فاهتاج. هز يديه وصفق في ايقاع بدوي, وكتم الرمل ردقات قدمه الموقعة. دار يجسده ودارت ملتفة حتي شال الهواء حوكته بدت سعادته حقيقية, وعكس وجهه ودا خالصا ـ هو وحده يخفف عليه ارتباكه وحيرته ـ أتنس به وهو يلزمه محتضنا في موقف الجنوب ومنصور يأتمنه عليه ويوصيه خيرا.
ـ النبي تبسم
واستدارت الرءوس, وضجت الصحبة بالصخب, وفز الانيق بعقاله حاجلا.
ـ النبي تبسم... والنبي تبسم
شمله حياء حقيقي, وغزاه ضعف يجلب البكاء..
لوح بيديه, فاردا منديله في بهجة نادرة.
مال تجاه الرجل وامرأته..
ألقي التحية فأدارت المرأة وجهها وحين رأته, أعادته ممتعضة.
علا زوجها برأسه ورد التحية.
جلس القرفصاء علي نتوء رملي مكلس
كيف حال ولدك؟
ورنا إليه في حذر, فضل الصمت فالأمر انتهي لكن عينيه وشيتا بلوم خفي
ـ كنت غائبا.. فاعذرني
بصت إليه في عجب وقلبت شفتيها في زمة طويلة يمين الفم..وهو مت وضحك الزوج قائلا في ريبة.
ـ حمدالله ع السلامة.
وبركن الفم المعووج قالت.
ـ وكيف حالهم!
أدرك كم هي متألمة من موقفه.
ـ من؟
ـ من كنت عندهم!
أسرع الزوج بالحديت ليبعد عنه قصد الاساءة
ـ أول سفر لك!
ـ وآخر سفر.
ضغط علي يده متوددا.
ـ هل زرت الواحات؟
زوي مابين الحاجبين, ورمق الزوجة, خشي أن يجيب فنفي الأمر برأسه.
ـ ولاسيناء!
أحني رأسه وشعر بخجل, واعترف بخطئه, فهو لم يزر معالم الجنوب, ولامشي في دروب الصحراء القريبة منه, كان تنقله بين قريته والقاهرة.
ـ وتصور أن هذا يكفيه.
ـ الأمر لايختلف كثيرا عن صحراء بلدك.
وحدثه عن رحلاته الكثيرة, وفرق الكشافة التي صاحبها, ومعسكرات الشباب التي أقامها, والصيد في صحراء الفيوم, ومرسي مطروح, وتوقف فجأة ولم يسترسل بعد أن رأي نظرة التأنيب من زوجته.
ـ سعيد ـ مدرس تربية رياضية
ـ صابر ـ لغة عربية
وحل صمت ساكن بينهما هزه فجأة صوت السائق وهو يدعوهم إلي تلبية دعوة البدوي.. فأحس براحة أفقدته من حرج مخز.
ولجت المرأة بصغيرها فتحة الخباء.. واعتبرت الأمر كأنه نجدة سماوية, فالصغير يحتاج إلي تجهيز رضعة, وهي ضاقت بما تحوي, وتتمني لو فردت جسمها المفكك.
استقبلتها البدوية بجسدها النحيل وثوبها الزاهي.. وهمهمت ياهلا..ياهلا بالزين التزمتها في بشر وتابعت حبايب إي والله وراحت تداعب الصغير.
أومأت إلي فتاتين فنهضتا, وحييا الزائرة.
طالبتهما بجرش الهيل, وغلي الماء, وإحضار اللبن الصناعي, وإشعال الفرن.. نبهتها إلي أن معها طعام الولد, وهو أكل خاص به.
أشارت إلي حافة باب محجوب بستارة ذات شراريب ملونة وعريضة.
ـ هاتي الوليد وتريحي.
وتفتح الصندوق, تخرج منه مناشف صغيرة, تجلس الولد علي أريكة, وتضع في حجرة بسكويتا بالتمر..ثم شالت يدها زجاجة هبت رائحتها فملأت الخباء, وطبقا مسطحا من الخوص, وكبشت حفانين من التمر, واختارت قنينة صغيرة تحتفظ فيها بخلطة نافذة من زيت العنبر والصندل, وركنت بجوار مرآة صغيرة مكحلة مرودها صغير ولامع.
اثار انتباهها وهي ترضع الصغير, الأكلمة الوبرية الجميلة, وأكياس كالحقائب موشاة بخرزات وقواقع ملونة, وعقود بأشكال وأصباغ متداخلة.. وأساور بيضاء رفيعة.
وهي تقدم لها القهوة بالتمر قالت في مودة.
ـ نغزل الوبر ونبيعه ملابس وأغطية للرأس والصدر.
ولوحت البدوية بعقد فخطف عين المرأة
ـ كهرمان صافي جميل.
ابتسمت وقالت في نبرة خفيفة وغمزة عين مكحولة.
ـ يبعد الشر, ويحمي من الحسد.
ظل الزوج بامتلائه ـ قائما قريبا من باب الخباء, حتي نبهه البدوي إلي أنها مع أهله في أمان, فافتقد حشية تقطعت خيوطها من الأجناب, وفرد ساقيه وتنهد في نفس طويل, ورات عيناه تنطبقان في خدر مزاحم.
كان قد هل علي المكان عدد من الشباب قدموا من خيامهم المتناثرة, جاءت جلسة أحدهم بجوار صابر وحين علم أنه موجه للعمل بمعهد المعلمين بالبلدة الساحلية الصغيرة.. حتي استدار كلية إليه وبانت عليه علامات الفرحة وقال في اندفاعة.
قبلوا أوراقي به..إيش تدرس
ـ لغة عربية.
ونهض سريعا, قدم الشاهي, وحبات التمر.
ـ الطريق طويل!
دفس تمرة ولاكها.
ـ لنا عوايل هناك.
وأخذه الخلاء, وكثبان الرمل, والنخلات الواطئة, والغنمات الشاردة والفتي يحادثه عن الخيمةوالمدرسة, والمدرس المقيم الذي يأتي مع بدء العام ويمضي في نهايته, يرحل مع الراحلين, أو تمتد إقامته.
ـ نبحث عن الماء والكلأ..فإن وجدناه حططنا الرحال والمعلم معنا.
وتلفت إلي السائق وهو في طريقه إلي السيارة وابتسم.
ـ الحكومة..جزاها الله كل خير.. ماقصرت.
وارتشف صابر رشفة طويلة وعينه..ترمقه.
ـ كأنكم رهائن!
جلس الفتي القرفصاء وفرد ذراعيه علي ركبتيه وقال في زهو.
ـ الصحراء..بيتنا.. والبدوي حر حرية الصحراء, كريم إلي أقصي حد.. وقاس إلي أقصي حد, ونتر جسده وصوب بصره إلي العربة.
كان السائق قد طوي ملاءته, وجمع أكوابه, وأغلق الكرتونة وأحكم غطاء العربة أدارها ومضي حذرا تجاه الخيمة.. وقبل أن يصل انفلق الرمل فلقتين وطوي العجلات وأطبق عليها, نزل, وتساءل في غضبة عصبية, كيف تجاهل مراوغة الرمل وخداعه!
استدار الفتي.. أخبرهم أن العربة غرزت, وأن الرمل احتجزهم فاستسلموا في تهويمة, ثم سرعان ماضجوا..طالبين الشاهي..وحجر الجيراك.