المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رهـائـن الــرمـــل


Owen
07-25-2003, 06:16 PM
كانت العربة الجيب تسير في بطء ورجاتها تحدث ألما في الأبدان‏..‏ تمتد الأيدي فتقبض في قوة علي ما تطوله‏..‏ المدق الذي تعبره‏..‏ محاط بتلال رملية متكلسة‏,‏ طالها نشع البحر‏,‏ وملوحته‏,‏ خلا من الاستواء فلاح من بعيد كثعبان صحراوي يتلوي علي نفسه‏,‏ يتكور وينبسط فتحتار متي تستدير أو تتوقف‏.‏
ترتطم العربة‏,‏ وتنزلق‏,‏ تغوص‏.‏ وتندفع‏,‏ تتطاير الرمال الساخنة‏,‏ فتلسع الجلود والعيون‏,‏ يتفادي السائق حفرة معتمة فترتج العربة وتنخطف الأرواح‏..‏ تعلو الأصوات محتجة‏..‏ والولد الصغير يبكي في رجة مفاجئة‏..‏ وهو صامت لا يجيب‏,‏ ويرسل بصره إلي الطريق ممعنا‏..‏

لم يلتفت إلي الصغير‏,‏ وهو يعابثه‏..‏ ولم يرد أصابعه النحيلة وهي تتحسس مقود العربة‏,..‏ يطل بعينيه عليه ثم ينكمش في صدر أبيه دافسا رأسه في شعره الكثيف‏..‏
بدا الأب ممتلئا‏,‏ والأم ممتلئة‏..‏ لم تخف امتعاضها وهي تمسك بالصغير في كل رجة‏,..‏ البدن يرتج‏,‏ والشعر يتطاير‏..‏ لم تكن قد لبست العباءة بعد‏,‏ ولم تكن قد سترت شعرها‏,‏ فنالها من العيون ما كدرها‏.‏

ابتعد السائق بالعربة‏,‏ ودخل إلي السهل الرملي الممتد‏,‏ علا حتي لامس جانب التل ثم استدار ونزل فلاح البحر ساكنا‏,‏ والطيور الشحيحة تحوم‏..‏ ثم تهوي
يجابهك الفضاء الأصفر‏,‏ وتنسال الحرارة انسيال موجة مراوغة‏,‏ والقيظ يحتويك‏,‏ تأخذك الخيالات المرتعشة فتراها أشكالا تتجسد‏,‏ تقطع عليك الرؤية‏,‏ وتتبدي لك وجوها‏,‏ وأحصنة‏,‏ أظلافا وذيولا‏,‏ أجساما‏,‏ وأدمغة‏..‏ وتروح تمعن النظر‏,‏ من يدري فقد تمسك به‏,‏ يشاغلك حتي إذا اقتربت فر كالسراب‏..‏ فيأخذك شعور باللاجدوي‏,‏ وأنك عاجز أمام انفساح كوني يحتويك بصفرته وأشباحه‏,‏ وشمسه التي تذيب الحديد‏..‏ كنت آمنا وساكنا كالوداعة‏,‏ أغواك قلبك فانصببت كالعاطفة‏,‏ تسربلت به واحتفي قلبك‏..‏ ترنو إليك في ابتهال أن تأخذها معك‏..‏ وكنت تزهو‏,‏ والوجه منبسط‏,‏ والعين تبتهج‏..‏ تناجيك آمرة‏,‏ وهي تري‏..‏ قلبك علي وجهك‏..‏ دثرني بدمك‏..‏ وأنت تري الممتلئة ولدها في جلدها‏..‏ تجالسك البنت التي شقت الجلد وتسربت دما‏..‏

باغتته انحدارة مفاجئة‏..‏ فقبض في قوة علي مقعده‏..‏ لم تمنع التلال وجه الشمس‏,‏ ولا حجبت لظاها‏..‏ لم تستدر الشمس بعد‏...‏ فاختار السائق براحا رمليا‏,‏ تناثرت فيه أشجار من الأسل‏,‏ ونباتات صحراوية في حضن التل‏..‏ الفروع شحيحة الورق تلقي بظل رفيع كالرمح لا يمنع القيظ‏,‏ لكنه ظل علي كل حال‏..‏ وهو غاية المني في صحراء لا ينقطع لهيبها‏.‏
توقفت السيارة علي جرف كثيب رملي‏..‏

امتدت الأيادي بملاءة قطنية داكنة‏,‏ وربطت أطرافها بين فروع الشجر‏,‏ فسمحت بمساحة من الظل أشاعت بعضا من البهجة وأتاحت راحة مختلسة لأبدان متعبة‏.‏
كان المسافرون خليطا من المتعاقدين وأبناء البلاد‏..‏ قل الحديث بينهم أثناء السفر‏,‏ لكنهم تقاربوا في جلستهم‏.‏

لم يكن بوسعه فعل شيء‏,‏ فأسند ظهره إلي جذع شجرة خشنة القشرة‏,‏ وراحت عيناه ترنوان في كسل كالخدر‏.‏ تنحي الرجل الممتليء قليلا‏..‏ وفرش سجادة صغيرة جلست عليها امرأته‏,‏ كساها ثوبها الواسع فاحتجبت‏,‏ أدخل يده في الحقيبة وأخرج منديلا زهري اللون‏,‏ فردته وأدارت ظهرها وفرشته علي رأسها وانسدل حتي الصدر فاستتر الصغير وهو يرضع أخرج السائق جيرك المياه‏,‏ وفتح غطاء العربة وصب قليلا منه‏.‏
واستدار ثم أخرج كرتونة صغيرة‏,‏ فتحها ورص الشاي‏,‏ والسكر والأكواب‏..‏ وأدار رأسه كأنه يتلفت‏..‏

لم تفته حركته وهو يقتعد حجرا رمليا‏,‏ الوحيد من الركاب الثمانية الذي يرتدي العقال‏,‏ فكه وعلقه بفرع شجرة وعاود النظر ثم نهض‏,‏ وضع طرف ثوبه في تكة سرواله الطويل ونتش فرعين جافين‏,‏ هشمهما‏,‏ وحفر حفرة صغيرة ورص علي فوهتها حجرين‏..‏ وراح يشعل النار‏..‏ ويضع كوز الشاي‏..‏
تخفف رجل التعليم من ثوبه‏,‏ وكشف سرواله الأبيض المطرز عن ساق ناشفة‏,‏ معتمة اللون‏,‏ ظل يدخن وحوله اثنان لا يكفان عن الحديث‏,‏ وهو يرمقهما ويبتسم‏.‏

توجس منه‏..‏
أخذته الرمال المتحركة كالموج وسار قليلا اعتلي كثيبا‏,‏ وشاهد الرمل المبسوط بدرجاته‏,‏ وتعجب كيف تصنع الرياح الخفية من حصيرة الرمل شكلا جميلا ومدهشا‏.‏ ثمة خيمات متناثرة‏..‏ قرب بطن التل‏,‏ وخيمة ممتدة أرخت حوائطها‏,‏ ولم يعد منها غير سقف يسترها‏..‏ وغنمات هاجعات تحت أشجار الأسل‏,‏ وفي جنبات التل‏..‏
‏..‏ تخفف السائق من ملابسه‏,‏ وبدا سرواله هادلا‏,‏ ولحيته تحتجز‏..‏ قطرات مياه شحيحة‏,‏ وجدائل شعره تتلوي مغبرة‏,‏ وسمانة ساقه ككدمة محتقنة‏.‏ يلوك السواك في حنية الفم‏,‏ ويبتسم‏.‏ تقدم إليه وناوله كوب الشاي‏..‏ رآه ينشغل بالخيمة المفتوحة فقال في عجلة‏..‏

ـ المرة القادمة لن تراهم
لاحظ عليه دهشة ممزوجة بالحزن‏..‏
ـ لا تندهش‏..‏ حياتهم ترحال
تناول كوب الشاي وامتن له كثيرا

ـ لست وحدك‏!‏
نظر إليه‏,‏ وتعجب أن يظل صامتا‏..‏ كأنه في غفوة‏..‏
ـ تتأثر سريعا‏!‏
وقدم له قطعة من خبز التميس‏...‏

ـ كل من سافروا معي دمعت عيونهم‏.‏
وهو يستدير نحو غطاء العربة‏,‏ ابتسم‏,‏ وغمز بعينه‏.‏

ـ لست وحدك

وحين رفع السائق يده في إشارة إلي البعيد‏,‏ رأي بدويا يخب في مشيته‏,‏ الصديري مفتوح‏,‏ والغترة ملفوفة علي الرأس كالعمامة‏..‏ اقتربا‏,‏ وتصافحا‏.‏ أخذه إلي العربة وأعطاه كرتونة ممتلئة بأغراض كثيرة‏..‏
ـ كل ما طلبت الخالة‏..‏
ربت بكفه علي صدره‏.‏
ـ تدعوك‏..‏ لشرب القهوة بالهيل العتيق
أشار إلي رجل التعليم ثم إلي الآخرين‏..‏

ـ متعجلون‏..‏
ثم ضحك وهو ينظر إليه واقفا‏,‏ وصامتا
ـ البذورة ـ ينتظرونهم

ـ‏..‏ ننتظرك في عودتك‏..‏
تموج التلال في عينيه‏,‏ ويتغضن وجه الصحراء في فضاء رملي ساخن يقبض علي الروح‏,‏ هجع كل شيء‏,‏ وراحت الهوام تندس في الجحور‏,‏ وتحت الصخور‏,‏ وفي شقوق الرمل‏..‏ وتحت قشرته الرطبة‏..‏ ويظل للبحر في احتجابه خلف الكثبان حضوره في هبات شحيحة‏,‏ ورائحة تحمل عطنا ويودا وروطبة فجأة صرخت المرأة الممتلئة‏..‏ نترت جسدها في قوة‏..‏ جذبت الصغير وقفزت‏..‏ ظلت تدور‏,‏ وتلف‏,‏ ثم توقفت وعيناها تدمعان‏..‏ وصدرها يرتج‏.‏
راح زوجها يطمئنها ويستجديها الصمت والهدوء ـ تجمع الرجال في هبة واحدة‏..‏ لمحه السائق صغيرا داكنا‏..‏ ينسحب في الرمال‏.‏ كما لو كان يسبح في لجة من الماء‏.‏ لم يبد منه إلا حركة التلوي‏,‏ والغبار الخفيف الذي يعلوه وانسيابات الرمل المصاحبة‏,‏ أسرع في غدوة محسوبة وانتظره‏,‏ سكب عليه ماء وحدق فيه‏,‏ غرس فرع شوك مدببا وأفسح ساقيه‏.‏ حتي إذا لامس العصا‏,‏ وشعر بالبلولة توقف ورفع رأسه‏,‏ صغيرة ـ مسودة وعيناه ضيقتان لامعتان‏,‏ وجلد أصفر مرتـش‏,‏ ولسانه ناعم كالابرة‏,‏ يلوح ويختفي‏..‏ ثم تسحب حتي اعتلي الفرع وسكن‏..‏

لم يكف رجل التعليم عن همهمته وتحديقه‏,‏ ولم يغير وقفته أو يبدل ساقيه‏.‏ رفع يده فراحت عين الثعبان تتابعها‏..‏ وانقضت الاصابع علي رأسه وضغطت‏,‏ تمدد الثعبان علي نفسه‏..‏ وفتح فمه‏.‏

يرز اللسان والفك‏..‏ وأمعن النظر‏..‏ ثم استقام جذعه وتنفس في عمق‏.‏ وتمتم
ــ لا يؤذي‏..‏
خرجوا عن الصمت الراجف وصوبوا العيون
ـ ليس من النوع السام

وحين حاولوا قتله منعهم‏,‏ لم يعلق علي احتجاج المرأة وهي تدمدم أن إطلاقه اساءة لها وخطر علي غيرها‏..‏ رنا الي الممتليء‏,‏ وربت علي صغيره‏..‏
ـ دعوه لمصيره

لم تفته حركة السائق المعترضة‏,‏ ولا صاحب العقال في بصفته‏,‏ وقال في نبرة عالية
ـ لاتحسبوه آمنا‏,‏ هذا الذي أخافنا
ردد البعض في تفكه موقع‏..‏ هذا الذي أخافنا

وغاصت عينه في عين هذا الذي خاف وانتحي ركنا بعيدا ساهما‏,‏ وشاردا‏..‏
ـ في الصحراء ان فقدت سلاحك خاصمك الامان
لاحت الشعاعات كأنها أسلاك صفراء منفلتة‏,‏ وعيناك تدوران في الفضاء المرصود بقنن الجبال النائية كأنها خط معتم علي حدود الافق‏,‏ وتتعجب ـ كيف تستمر الحرارة لاهبة وكاوية واكتوبر ينسحب آفلا‏.‏ وكيف لم تأبه لفزعة الرجال‏,‏ وظللت مكانك علي كثيبك الرملي بخبزك اللدن وشايك الكهرمان‏...‏

غابت عنك الاذن فلم تسمع الا وشيشا يذكرك بحفيف الشجر حين يكتنز بالورق‏.‏
وانت مبهور بالفضاء ومستمع الي وشيشك المخضر تجلي لك فأدمنت الرنو غافلا‏..‏ فردت كفيك‏,‏ واستقبلتها في راحتيك أحبك‏.‏

تكاد المياه تصطفق‏,‏ وتعلو حتي تلامسك‏,‏ وانت قابض عليها‏.‏ والمقهي الممتد علي ضفاف النيل بعبق برائحة وردات متناثرة‏.‏
وقلبك يخطفك‏,‏ فتدفعه ضاغطا كي لا يفضحك‏..‏ ولسانك لابد لايطاوعك‏..‏

وأنت تشرح قصائد الغزل ظللت تسرد مفردات الحب‏,‏ والعشق ـ والجوي ـ والوجد‏,‏ والنوي‏,‏ وتسرف في المعني‏,‏ وترنو الي المغزي‏..‏ فلم يفتك الوجه المرتعش‏,‏ ولا الوهج الذي خطف بصرك فأعماك‏,‏ وظللن ينتظرن‏..‏
لو اكتشفن انك لم تعرف قلق الحب وانك بلا تجربة لاتعرفن عنك‏,‏ ونتأن عينك المحدقة‏..‏ مع أن قلبك طري كقلوب المحبين‏.‏
لم تحرقك التجربة‏,‏ فبدوت في هواك كالمحايد‏..‏

تداري شعورك في صدرك‏,‏ مع انك خير من يتذوق عذاب الشعراء وحبهم‏..‏ أيمنعك الحياء‏..‏ أم تري البوح ضعفا‏!!‏
فك نفسك‏,‏ واخلع عنك طلسمها‏..‏ وبح‏..‏ هل تطوي السماء نجومها اذا قلت‏..‏ أحبك‏..‏
اتظن ان الله خلق القلب عبثا‏..‏

تتلفت كأنك تخشي ان تكون قد طارت وحومت ـ والقلوب مبثوثة علي الأرائك‏,‏ وفوق المناضد ـ خرجت من صدورها ـ وزخات الدماء الصاهدة تحيط بك‏.‏
وانت تحب‏,‏ وتخجل‏.‏ أفي الحب ملام‏!!‏
وكأنما تعاني من ندبة مدممة‏..‏ فتحت قلبك وصحت
ـ وأنا أحبك

وانتفضت ـ أمامك ـ قائمة‏..‏ فردت ذراعيها كأنما تريد للصوت المنفلت منك أن يعود اليك‏..‏ تحوطه بدفئك‏.‏
وبكت وهي تهمس في تمتمة كالصلاة
ـ هي‏..‏ تعويذتي التي تحرسك
هل وصلك الحب فداريت دمعة تقف علي حافة العين‏!!‏

وهل آنسك فأنساك ما حدث‏!!‏
لبدت المرأة الممتلئة بجوار زوجها وعكس وجهها غضبا مكتوما‏,‏ نحت الصغير عن صدرها وأعطته لأبيه وفردت منديلها وشدت به شعرها وعقدته‏.‏ لم تخل عيناها من نظرة تأنيب‏.‏ لم تنس أبدا احتجاجها علي السفر معه‏,‏ كيف تترك عملها وأهلها وتلحق به في بلدة جنوبية منزوية وبعيدة عن الحياة‏.‏ من يضاهي الاسكندرية بأية مدينة في العالم‏..‏
لكنه رهن السفر بمصاحبتها‏..‏ فعليها أن تكابد مثلما يفعل‏,‏ وان تؤانسه‏.‏

ولم تترك أمها ذريعة للسفر لم تستخدمها‏,‏ فهي كبرت ولم تعد قادرة علي خدمة الابناء وأولادهم‏,‏ وانت في الحقيقة أولي بزوجتك‏,‏ وانه لن ينسي لك صحبتك له‏,‏ واحمدي الله أنه راغب‏,‏ غيره ممكن أن يترك الجمل بما حمل‏..‏ ويرمي كل شهر عددا من الريالات‏..‏ ويراكم مرة في العام كأنه غريب‏,‏ اسمعي نصيحتي‏..‏ الرجل في الغربة لا يحتاج لشيء قدر احتياجه لامرأته تؤنسه وتؤانسه‏..‏
ـ ابعدي الشيطان‏..‏ وبخري نفسك‏..‏

تراه يحوط الولد بذراعه المشعرة‏,‏ عيناه مساهمتان في البعيد‏,‏ لو نفذ اقتراحها لاستراحوا جميعا‏,,‏ شهر واحد وتلحق به
امسكت فرعا جافا ونكتت به الرمال‏.‏ مدت كفها وشدت قميص الولد‏..‏ هشت الذباب‏,‏ رفعه اليها
ـ قلت لك اسبقني‏!‏

هومت‏,‏ وتقلص وجهها وخرج الكلام مدغوما كأنها تحادث نفسها‏..‏ وحطت عيناه علي الشفتين وادرك الألم مكتوما‏..‏ لقد سعت معه بكل الطرق للبحث عن عقد‏.‏ تعلم أن مدرس التربية الرياضية تبور سوقه في الخليج‏,‏ وهي التي تسعي الي نقلة جديدة تنعم فيها بالملابس الأنيقة والسكن الواسع والسيارة ان امتد العقد‏..‏ تدفعني دفعا‏.‏ ثم تتخلي‏!!‏ كانت تملأني زهوا‏!!‏
ـ تعرفين أني لا استغني عنه‏..‏
ومشت عيناها‏,‏ وجاءها الدمع طائعا‏,‏ احنت وجهها علي كفها وارتجفت
ـ كان من الافضل لو تأخرت قليلا

ـ ستمرين علي هذا الطريق نفسه‏..‏ وتجلسين هذه الجلسة وهي تبعد ذبابة صحراوية ملحة
ـ كنت دبرت نفسك
وتلفتت ـ صادت وجهه الباهت‏,‏ وجلسته المقعية‏,‏ ورأت الرجال يرتجون حول رجل التعليم‏,‏ والسائق في طريقه ناحيتهم‏,‏ وتعجبت من هذا الذي ينأي بعيدا‏..‏ ولم يكلف نفسه أن يطمئن عليهم‏..‏ وتمتمت كالمغيبة
ـ قل لي ـ أين نبيت ليلتنا؟

يعلم أن الطريق ممتد‏,‏ وأن الفجر زمن الوصول‏,‏ وصديقه ينتظر كيف لم تحمد الله وهي تعلم أن لي صديقا بالبلدة‏,‏ ماذا يفعل من ليس له صديق يعينه أو يدبر أمره
ـ لي صديق دبر كل شيء
حدقت فيه‏,‏ ثم ضيقت عينها‏,‏ ولوت بوزها‏,‏ ونظرت ـ مؤنبة ـ الي التلال‏,‏ والرمال‏,‏ والفخات الرامحة‏..‏ و‏..‏تمتمت
ـ كل شيء‏!‏

‏..‏ شيء ما كدره‏,‏ وأرجف بدنه‏,‏ وهو يرنو في إطالة تجاههما‏,‏ هم ثقيل‏,‏ وقع في المسافة الضيقة بينهما فاتسعت وتباعد الكتفان‏,‏ صاد غبرة صحراوية طالت تدويرة الوجه الابيض فأعتمته‏.‏ وأحزنه ان يري الرجل ـ علي امتلائه ـ منكفئا برأسه إلي الأرض وعيناه شاردتان تحدقان في الرمال الصفراء وهي تنسلت من فرجات اصابعه كالخيوط الواهية‏..‏
ونهض‏..‏
ولم يطردهم وظهر بكل هذه القسوة‏,‏ حتي ليبدو كمن يريد التخلص منهم‏!‏
استقام جذعه‏,‏ وطوح بذراعيه‏,‏ وهبط‏..‏
شغله حزن المرأة ولهفتها علي صغيرها‏.‏

وهو يخب في مشيته وعيناه لا تفلتان وجه الرجل المنكفيء‏..‏ تذكرها ما الذي يمكن أن تفعله لو صادفت الموقف نفسه‏,‏ أتضيق بالمكان الذي يأكل الفرحة‏,‏ ويمتص الرداء‏!‏ أيمكن أن ان تفعلها ـ في كبر الأنثي‏.‏ وتخيره بينها وبين سفرته‏!‏ أم‏..‏ تدثره بشعرها الليلي المنسدل‏..‏ وابتسم‏..‏ وراحت بسمته الرائقة تفيض علي وجهه‏,‏ وتطول الافرع الكليلة وتمشي علي‏.‏ وجه الرمل فتشكله أهله مقمرة‏..‏
واصطاده السائق متلبسا فاهتاج‏.‏ هز يديه وصفق في ايقاع بدوي‏,‏ وكتم الرمل ردقات قدمه الموقعة‏.‏ دار يجسده ودارت ملتفة حتي شال الهواء حوكته بدت سعادته حقيقية‏,‏ وعكس وجهه ودا خالصا ـ هو وحده يخفف عليه ارتباكه وحيرته ـ أتنس به وهو يلزمه محتضنا في موقف الجنوب ومنصور يأتمنه عليه ويوصيه خيرا‏.‏
ـ النبي تبسم
واستدارت الرءوس‏,‏ وضجت الصحبة بالصخب‏,‏ وفز الانيق بعقاله حاجلا‏.‏

ـ النبي تبسم‏...‏ والنبي تبسم
شمله حياء حقيقي‏,‏ وغزاه ضعف يجلب البكاء‏..‏
لوح بيديه‏,‏ فاردا منديله في بهجة نادرة‏.‏
مال تجاه الرجل وامرأته‏..‏

ألقي التحية فأدارت المرأة وجهها وحين رأته‏,‏ أعادته ممتعضة‏.‏
علا زوجها برأسه ورد التحية‏.‏
جلس القرفصاء علي نتوء رملي مكلس

كيف حال ولدك؟
ورنا إليه في حذر‏,‏ فضل الصمت فالأمر انتهي لكن عينيه وشيتا بلوم خفي
ـ كنت غائبا‏..‏ فاعذرني
بصت إليه في عجب وقلبت شفتيها في زمة طويلة يمين الفم‏..‏وهو مت وضحك الزوج قائلا في ريبة‏.‏

ـ حمدالله ع السلامة‏.‏
وبركن الفم المعووج قالت‏.‏

ـ وكيف حالهم‏!‏
أدرك كم هي متألمة من موقفه‏.‏

ـ من؟
ـ من كنت عندهم‏!‏
أسرع الزوج بالحديت ليبعد عنه قصد الاساءة

ـ أول سفر لك‏!‏
ـ وآخر سفر‏.‏
ضغط علي يده متوددا‏.‏

ـ هل زرت الواحات؟
زوي مابين الحاجبين‏,‏ ورمق الزوجة‏,‏ خشي أن يجيب فنفي الأمر برأسه‏.‏
ـ ولاسيناء‏!‏

أحني رأسه وشعر بخجل‏,‏ واعترف بخطئه‏,‏ فهو لم يزر معالم الجنوب‏,‏ ولامشي في دروب الصحراء القريبة منه‏,‏ كان تنقله بين قريته والقاهرة‏.‏
ـ وتصور أن هذا يكفيه‏.‏
ـ الأمر لايختلف كثيرا عن صحراء بلدك‏.‏

وحدثه عن رحلاته الكثيرة‏,‏ وفرق الكشافة التي صاحبها‏,‏ ومعسكرات الشباب التي أقامها‏,‏ والصيد في صحراء الفيوم‏,‏ ومرسي مطروح‏,‏ وتوقف فجأة ولم يسترسل بعد أن رأي نظرة التأنيب من زوجته‏.‏
ـ سعيد ـ مدرس تربية رياضية
ـ صابر ـ لغة عربية

وحل صمت ساكن بينهما هزه فجأة صوت السائق وهو يدعوهم إلي تلبية دعوة البدوي‏..‏ فأحس براحة أفقدته من حرج مخز‏.‏
ولجت المرأة بصغيرها فتحة الخباء‏..‏ واعتبرت الأمر كأنه نجدة سماوية‏,‏ فالصغير يحتاج إلي تجهيز رضعة‏,‏ وهي ضاقت بما تحوي‏,‏ وتتمني لو فردت جسمها المفكك‏.‏

استقبلتها البدوية بجسدها النحيل وثوبها الزاهي‏..‏ وهمهمت ياهلا‏..‏ياهلا بالزين التزمتها في بشر وتابعت حبايب إي والله وراحت تداعب الصغير‏.‏
أومأت إلي فتاتين فنهضتا‏,‏ وحييا الزائرة‏.‏

طالبتهما بجرش الهيل‏,‏ وغلي الماء‏,‏ وإحضار اللبن الصناعي‏,‏ وإشعال الفرن‏..‏ نبهتها إلي أن معها طعام الولد‏,‏ وهو أكل خاص به‏.‏
أشارت إلي حافة باب محجوب بستارة ذات شراريب ملونة وعريضة‏.‏
ـ هاتي الوليد وتريحي‏.‏

وتفتح الصندوق‏,‏ تخرج منه مناشف صغيرة‏,‏ تجلس الولد علي أريكة‏,‏ وتضع في حجرة بسكويتا بالتمر‏..‏ثم شالت يدها زجاجة هبت رائحتها فملأت الخباء‏,‏ وطبقا مسطحا من الخوص‏,‏ وكبشت حفانين من التمر‏,‏ واختارت قنينة صغيرة تحتفظ فيها بخلطة نافذة من زيت العنبر والصندل‏,‏ وركنت بجوار مرآة صغيرة مكحلة مرودها صغير ولامع‏.‏
اثار انتباهها وهي ترضع الصغير‏,‏ الأكلمة الوبرية الجميلة‏,‏ وأكياس كالحقائب موشاة بخرزات وقواقع ملونة‏,‏ وعقود بأشكال وأصباغ متداخلة‏..‏ وأساور بيضاء رفيعة‏.‏
وهي تقدم لها القهوة بالتمر قالت في مودة‏.‏

ـ نغزل الوبر ونبيعه ملابس وأغطية للرأس والصدر‏.‏
ولوحت البدوية بعقد فخطف عين المرأة
ـ كهرمان صافي جميل‏.‏

ابتسمت وقالت في نبرة خفيفة وغمزة عين مكحولة‏.‏
ـ يبعد الشر‏,‏ ويحمي من الحسد‏.‏

ظل الزوج بامتلائه ـ قائما قريبا من باب الخباء‏,‏ حتي نبهه البدوي إلي أنها مع أهله في أمان‏,‏ فافتقد حشية تقطعت خيوطها من الأجناب‏,‏ وفرد ساقيه وتنهد في نفس طويل‏,‏ ورات عيناه تنطبقان في خدر مزاحم‏.‏
كان قد هل علي المكان عدد من الشباب قدموا من خيامهم المتناثرة‏,‏ جاءت جلسة أحدهم بجوار صابر وحين علم أنه موجه للعمل بمعهد المعلمين بالبلدة الساحلية الصغيرة‏..‏ حتي استدار كلية إليه وبانت عليه علامات الفرحة وقال في اندفاعة‏.‏
قبلوا أوراقي به‏..‏إيش تدرس
ـ لغة عربية‏.‏

ونهض سريعا‏,‏ قدم الشاهي‏,‏ وحبات التمر‏.‏
ـ الطريق طويل‏!‏
دفس تمرة ولاكها‏.‏

ـ لنا عوايل هناك‏.‏
وأخذه الخلاء‏,‏ وكثبان الرمل‏,‏ والنخلات الواطئة‏,‏ والغنمات الشاردة والفتي يحادثه عن الخيمةوالمدرسة‏,‏ والمدرس المقيم الذي يأتي مع بدء العام ويمضي في نهايته‏,‏ يرحل مع الراحلين‏,‏ أو تمتد إقامته‏.‏
ـ نبحث عن الماء والكلأ‏..‏فإن وجدناه حططنا الرحال والمعلم معنا‏.‏

وتلفت إلي السائق وهو في طريقه إلي السيارة وابتسم‏.‏
ـ الحكومة‏..‏جزاها الله كل خير‏..‏ ماقصرت‏.‏
وارتشف صابر رشفة طويلة وعينه‏..‏ترمقه‏.‏

ـ كأنكم رهائن‏!‏
جلس الفتي القرفصاء وفرد ذراعيه علي ركبتيه وقال في زهو‏.‏
ـ الصحراء‏..‏بيتنا‏..‏ والبدوي حر حرية الصحراء‏,‏ كريم إلي أقصي حد‏..‏ وقاس إلي أقصي حد‏,‏ ونتر جسده وصوب بصره إلي العربة‏.‏

كان السائق قد طوي ملاءته‏,‏ وجمع أكوابه‏,‏ وأغلق الكرتونة وأحكم غطاء العربة أدارها ومضي حذرا تجاه الخيمة‏..‏ وقبل أن يصل انفلق الرمل فلقتين وطوي العجلات وأطبق عليها‏,‏ نزل‏,‏ وتساءل في غضبة عصبية‏,‏ كيف تجاهل مراوغة الرمل وخداعه‏!‏
استدار الفتي‏..‏ أخبرهم أن العربة غرزت‏,‏ وأن الرمل احتجزهم فاستسلموا في تهويمة‏,‏ ثم سرعان ماضجوا‏..‏طالبين الشاهي‏..‏وحجر الجيراك‏.‏

رنين الأحزان
07-25-2003, 09:17 PM
قصة واااااااايد حلووووة

و اختيار اكثر من موفق

يعطيك العافية

و استمر ابتواصلك





رنين

$$المميز$$
07-25-2003, 10:04 PM
يسلمووووو على القصة الحلوة

al9uda3
07-26-2003, 01:04 AM
قصه حلوه واختيار احلى

والى الامام دايما

http://members.lycos.co.uk/ozq8bc/up/up/my.jpg

ماجدة
07-26-2003, 01:07 AM
شكرا