عابـر سبيـل
09-04-2003, 07:31 AM
- .................................!!
- .................................!!
هل أنت مثلي .. عاجز عن النوم يا ابن عمي ؟! هل تشعر - مثلي أيضا - بأن كل ما حولك محض حلم ..حلم مجنون ؟!
أم تراك .. أكثر مني تعقلا .. لتستوعب بعد .. بأنني الآن ملكك .. و أخيرا ؟!أواه يا ابن العم !
هل تذكر .. كم عاما انتظرت .. من أجل ليلة كهذه ؟!
ستة أعوام كاملة ..!
كيف كنت تطيق عليّ صبرا .. ؟!
كيف .. كنت تلملم المتساقط من غرورك .. لتعود إليّ في كل مرة .. طارقا بابي ..
ترى هل يستحق الأمر كل هذا العناء ؟
- ................................... !
أنت تقول ذلك .. لأنها ليلة عرسك فقط ..
أتساءل .. كم ستصمد هذه الكلمات على لسانك .. حتى تنزلق و تستحيل لعناً !
- ................................. !
دعك من ذلك يا ابن العم .. أخبرني فقط .. كيف جعلتني أرضخ ؟
كيف .. روضتني أخيراً ؟!
أو ربما .. لم تروضني .. بقدر ما هو ذلك النضج الغريب الذي يلي تجارب فشل مريرة ..
الذي يجعل أي أنثى راغبة بأي رجل يحبها ..
حتى لو كانت .. لا تحبه !
- .............................................. !
لا .. لا ..
أنا لا أكرهك !
كنا نلعب كثيرا .. كثيرا .. و نحن صغار ..
نزعج العصافير في الأعشاش .. و نقذف القطط الضالة .. بالحجارة ..
لم أعد أفعل ذلك يا ابن عمي ، و لو كنت مترفة كفاية لفتحت فندقا لكل القطط ..
هل توافقني يا ابن عمي .. أم أنك تكره القطط .. و تجهل أن زوجتك .. قطة بمخالب ؟!
- ............................................؟!
تريد أن تعرف .. ماذا أحب فيك يا ابن العم ؟!
أنا أحب اسمك :
" يوسف "
اسمك يذكرني به .. ابتسامتك تذكرني به أيضا ..
كما أنك .. يا ابن عمي .. طبيب .. " دكتور أد الدنيا "
و أنا .. مريضة به .. بحاجة إلى طبيب .. و أثق بك كثيرا يا ابن عمي ..
أثق بك .. !
هل تعرق مثلي يا ابن عمي .. لأننا في ليلتنا الأولى معا .. و أنا أبدو .. ثملة ؟!
لا تخف يا ابن العم .. أنا .. لم أسكر في حياتي .. إلا من حزن ..
و أنا الآن .. سكرانة .. من حزن ..
أمسك بيدي جيدا يا ابن عمي .. و عدني .. بربك عدني .. أنني معك لن أخاف ..
لن أخاف ..
أنا .. كنت أخاف معه .. طوال الوقت ..
و الخوف .. كالحب ..
هو حالة تتقمصك تماما حتى تغدو حياتك بها .. مستحيلة !
لم يمنحني يوما .. ذرة ثقة .. بأنه باقٍ معي ..
كان حضنه .. دافئا .. و كان مستعدا لاحتضاني .. في كل وقت ..
و لكن صدره لم يكن راسخا .. كشفتيه ..
لم يكن راسخا يا ابن عمي ..
كنت سأخسره في أي لحظة .. و كنت أعيش متوجسة بانتظار أن ترتفع يده بالتلويح لي .. مودعة !
- ...
ما لك لا ترد ؟!
أتراك .. تسمعني .. أم منهمك فيّ ؟
اسمعني بربك .. يا ابن عمي .. أم أنك مثلهم جميعا ..
ستظنني مجنونة ، لأنني أثرثر معك عن رجل أحبه .. في ليلتنا الأولى .. ؟!
أم ستضمر في قلبك بأنني .. خائنة .. و قذرة .. و غير جديرة بك .. ولا بحمل شرفك ..
رغم أنني أقسم لك .. يا ابن عمي .. بأنني كنت دائما .. أبعد من قدرته على الالتقاط ..
أتراك مثله ؟ هل تظن حقا .. بأن من يجب أن تكون زوجتك .. لا يجب أن تكون قد أحبت قبلك ..
و ربما .. ولا حتى بعدك ؟!
أنتم .. معاشر الرجال .. سذّج جدا .. لأننا كلنا .. نمرض بالحب ..
و نبقى مرضى به طوال عمرنا .. لكن بنسب مختلفة ..
بنسب تمنحنا مساحة للزواج و الإنجاب و العمل .. حتى تبدأ الحياة بجرفنا تجاهها ..بحدة .. بحدة ..
تقضي على الذاكرة تماما ..
و لكن تبقى هناك .. زاوية صغيرة في اللا شعور .. تحتضن الحب الأول ..
و الصوت الأول ..و القبلة الأولى .. و النظرة الأولى ..
و الدموع الأول ..
....
لماذا تبدو و كأنك لا تسمعني ..؟
أتراها مفاجأة .. أن تكتشف فيّ صدر امرأة .. و خاصرة امرأة .. و شفة امرأة ؟!
أ لأنني كنت دائما .. تلك الطفلة التي تشاركها اللعب في الرمال ؟!
بربك لا تلمسني يا ابن عمي ..
ألق برأسي – الذي سيفزعك ثقل خوائه – في حضنك .. و سأخبرك عنه ..
أتوسل إليك .. يا ابن عمي .. أن لا تغضب ..
فقط .. دعني أخبرك عنه ..
ولا شيء عندي اليوم .. سوى الأخبار ..
الآن خصوصا .. أحتاج إلى أذنيك أكثر من شفتيك .. فاسمعني بربك ..
- .............. !!!
سأخبرك ..
سأخبرك بكل شيء .. كل ما تريد .. فقط أنصت !
كان يحمل اسمك يا ابن عمي و كان مجنونا ..
كان شرها .. و كان غبيا جدا ..
و عنيدا جدا ..
و كانوا يقولون .. بأنه لولا العناد الذي يسكن كلينا .. لكنا الآن أسعد أهل الأرض ..
أنا لا أدري يا ابن عمي .. إن كان قد صار بعد .. أسعد أهل الأرض ..
مع حبيبة لا تعانده ..؟
- !!
أنا .. ما زلت خائفة يا ابن عمي ..
جذور الخوف تمتد في .. تتورم بالذكرى
الذكرى هي السجن الذي عبثا نحاول أن نتملص منه ..
نقدم قرابينا للنسيان .. و لكنه لا يأتي ..
و متى ما أتى .. قذفناه بالطوب ..
و بصقنا في وجه الـ " يوم " .. لنمجد الـ " أمس " !
نحن .. عرب يا ابن عمي ..
و أنا عربية ..
و أنا غبية ..
أعرف أن ما أقوم به .. يجانب الصواب .. و لكنني .. أفعله يا ابن عمي ..
تماما كما أحببته ..
تماما كما تزوجتك ..
و تماما .. كما أنا أدنسك باعترافات في أول ليلة لنا معاً ..
- .......................................
حسنا .. سأحدثك عنه !
كان فنانا .. يغني طوال الوقت ..
كان شفافا .. حد الاختفاء .. و مرهفا .. حد القسوة .. و قاسيا .. حد الرفق ..
كان يصرخ بي كثيرا .. و يضربني أحيانا ..
و ما إن يرى الانكسار .. في عيني .. حتى يبادر باحتضاني ..
كنت معه يا ابن عمي .. طفلة ..
طفلة و الله ..
كان يناديني : صغيرتي !
و كانت تلك الكلمة تعيدني أعواما إلى الخلف ، إلى زمن قصور الرمل .. و اللعب في الوحل و اصطياد الديدان .
إلى زمن كنت أطير فيه مع العصافير و الفراشات و الشعراء ..
إلى زمن .. كنت أقيم فيه حفلة .. لسقوط سن .. و ظهور آخر ..
و أحمل دمية وردية .. و شرائط شعر زرقاء .. و جوارب بيضاء مثقوبة ..
كانت تلك الكلمة .. تنتزعني مني .. من جميع ندباتي و تشوهاتي .. و تعيد تشكيلي بنقاء ..
هو صنعني يا ابن عمي .. روضني كما يشتهي ..
كنت أعرفه جيدا .. و لكنني لم أكن أفهمه ..
لم أفقهه قط !
كان التعامل معه أصعب من التعامل مع طفل مزاجي ..
كان يصرخ فجأة ..
يقذفني بـ " أحبك ! " فجأة .. و بـ " أكرهك " فجأة أيضا ..
لا شيء يرضيه أبدا .. !
- .................................................. .......................
أي شيءٍ يهمك في كل هذه التفاصيل ؟
أين تقابلنا .. و كيف جرى التعارف !
هل يمكن لكل ذلك أن يشكل فرقاً .. لقصة انتهت أصلا ؟!
المهم فقط .. أنني مع تصريحاته بالحب ..شعرت بأنني محاصرة ..
محاصرة ..
محاصرة تماما ..
كنت في بداية الأمر .. ألطم أنفه و أصرخ : غبي !
و لكنني يا ابن عمي – ولا تفزع أرجوك لدموعي – لم أملك نفسي ذلك اليوم .. أمام نظراته ..
كنت أتخيله تماما كالطاغية ، و كانت رؤية الانكسار .. و الخيبة .. و الألم .. في تلكم العينين المتشبعتين بالغرور .. يغرقني في مرارة تسيــــــــــل ..
تسيـــــــل ..
تسيـــل ..
تغرق العالم .. !
أتدري .. ماذا حصل بعدها .. يا ابن العم ؟!
باغتني ذات حلم .. و جثا بجانب السرير .. و راح يغني ..
يغني ..
يغني ..
كان يغني .. يا ابن عمي .. عندي كل ليلة ..
و كان غناؤه .. يستفز فيّ رغبة في البكاء .. البكاء بحرقة ..
حتى ارتخى قلبي .. تماما .. قلبي القاسي .. ارتخى تماما !!!
و تسلل إليّ بطواعية .. و سكنني ..
ما زلت أشك في أنه .. مختبئ فيّ يا ابن عمي .. و لكنني غير متأكدة .. إن كنت أسكنه أنا الأخرى ..
خاصة الآن .. و رأسي في حجرك أنت !
- .............................................
تريد أن تعرف كيف أحببته ؟
آه يا ابن العم .. لو تعرف كم تطلب ذلك مني جهدا ..
كنت أبعثر حروفا غبية ، تشبه الهلوسة .. أغمضت عيني و دربت نفسي على قولها .. طويلا ..
" أحبك يا غبي ! "
كانت " يا غبي " جزءا صلبا من مشاعر السخط التي لقحها حبه ، و مع ذلك بدا لي و كأنه يملك العالم كله بين كفيه ..
كان بودي يا ابن عمي .. أن أحتفل معه بي ..
كان بودي .. أن أفرح و أضحك كما فعل ..
لكنني انزويت إلى داخل صدري .. و رفضت أن أتكلم ..
لعله شيء يشبه ذلك الخوف الغريزي بخطر محدق .. أو بمجهول قادم ..
زحفت إليه بذعر و دفنت وجهي في كتفه .. و لعل الشكوك ساورته بأنني بائسة بهذا الحب .. !
كنت أشعر بأنني .. أكثر أهل الأرض جنونا معه ..
كمن يسير إلى حتفه ..
كان الأمر .. أشبه بنار ترقص حول فراشة .. لا العكس .. أو ربما .. نار تراقص فراشة .. و فراشة تراقص نارا ..
و ربما كان الأمر أشبه بشلال جارف .. في نهايته هاوية ، و رغم علمي بوجود الهاوية إلا أنني كنت مصرة على الاستمتاع بانجرافي في الماء .. هكذا كان الأمر يا ابن عمي ..
هكذا كان .. أقسم لك .. بأنه كان رائعا ..
و مختلفا ..
و كان شيئا .. لم أجربه قط أبدا ..
- ..................................................
لماذا لم نتزوج ؟!
لأننا انفصلنا ببساطة .. لأننا لا نشبه بعضنا .. ولا نشبه أنفسنا ..
لأنه عجز عن التوائم مع أفكار فاسدة تسكن رأسي ..
لأنه رجلٌ شرقي فقط .. مهووس بالامتلاك !
- ...............................
تريد تفاصيل أكثر ؟! حسناً .. ليكن ..
لكن .. حذارِ أن تكون مثله !
عندما اتضحت أمامه معالم صداقة راسخة مع فراس ..
لم يكن فراس السبب .. لم يكن يوسف السبب ..
ربما أنا السبب ..
ربما .. لم يكن ثمة سبب .. انفصلنا و حسب !
- ..............................
............................ ؟؟؟
تريد أن أحدثك عن فراس أيضا ؟!
كان صديقا رائعا يا ابن عمي ..
كان طاهرا .. نقيا ..
و كان شفافا .. حد التلاشي ..
فراس كان الشخص الوحيد في هذا العالم .. الذي يراني .. نقية .. نقية تماما ..
ربما كان مخدوعا بي .. و ربما كان محقا ..
أنا يا ابن عمي .. لا أعرف بعد .. كل ما أنا أكيدة منه .. أنني مذنبة .. و لكنني .. لست سيئة ..
لست سيئة أبدا يا ابن عمي ..
و هنا .. نحن لا نفرق بين شخص سيء .. و شخص ساذج و لكن .. مليء بالأخطاء ..
فراس كان الشخص الوحيد الذي لا يؤذي مشاعري ..
كان الشخص الوحيد الذي يفهمني .. و أفهمه ..
كان يقول لي : أنتِ مشروع ملاك صغير .. أكمليه .. و ستغدو لك أجنحة !
و كان يبتسم ..
هل تعي يا ابن العم .. معنى أن تملك تلكم الأجنحة الحلم .. و تسافر بها إلى السماء ..
لتصنع لك من المطر .. معطفا ..
و من الغيوم .. سجادات ؟!
هل أخبرتك مرة يا ابن عمي .. بأن الغيوم ليست سوى حشود بلل من أرواح الحب ؟!
و أن هذا يعني .. أنني سألتقي هناك .. بجديّ .. و عمي الذي مات قبل أن أعرفه .. و أخي الذي مات قبل ولادته ؟
هل تعي .. كم يبدو العالم فاتنا .. و أبيضا .. كالحليب تماما .. مع فراس ..
كان فراس يرمز لكل الأشياء التي أحبها ..
قبعة ساحر .. ضفادع ترقص.. نعامة أنيقة .. فراشات زرقاء .. دمى أطفال .. ماء وضوء .. سجادات صلاة .. قلوب أمهات .. دعوات عجائز .. تويج أقحوان ..زجاجة عطر .. طائرة ورقية .. زورق صغير .. مظلات .. مطر .. مطر .. مطر ..
كان خلاصة لكل ما أحب ..
أناديه : ماما !
و يناديني : ماما !
و كان ينام في حجري أحيانا .. لنبكي .. و نقص الحكايا .. و نضحك ..
- .................................................. ..........
.................................................. ..............
.................................................. ..............
لا .. لا ..
لا يا ابن عمي .. هذا لم يكن حبا ..
أو بالأحرى .. لم يكن حبا .. بالمعنى الدارج عن الحب ..
ما الحب يا ابن عمي ؟!
أليس ذلك الشيء الذي يعد تفسيره .. حماقة .. و تسطحا فكريا .. لأنه فضفاض أكثر من قدرتك على الاحتواء ؟!
ربما .. كان محض حب أفلاطوني .. !
هاه ! هاه !
مضحك .. أفلاطون هذا ..
يتحدث عن مدينة فاضلة .. و عن حب غير مشروط ..
- ................................ ؟
ها أنت تعيدنا إلى يوسف !
يوسف حاول كثيرا أن يتأقلم مع مفاهيمي التي لا تناسبه ..
و عندما فشل في ذلك .. سحق حبي أمام ناظري .. و رحل ..
و رحل ..
رحل .. يدخن فقدي .. و أشياء أخرى ..
كلهم يرحلون يا ابن العم ..
وحدها التقاليد البالية .. تبقى ..
و لهذا هي بالية ..
لأنها تبقى ..
و لهذا .. أنا الآن زوجتك ..
" مالك إلا ولد عمك "
هذا ما ثقبوا به آذاننا .. مذ كنا صغارا ، هكذا برمجوا عقولنا .. ليكتبوا لنا الفشل إلا معا ..
لماذا يجب أن أكون زوجتك يا ابن عمي ؟
لماذا يجب أن يزوجوك فتاة .. بقلب مستعمل ؟
أنت يا ابن عمي .. اشتريت قلبا .. مستهلكا ..
أثاثه مهترئ لكثرة الاستخدام ..
قلبي يا ابن العم .. لا مساحة فيه للحب ..
ممتلئ بالحروق .. و الندبات .. و الدمامل ..
و أنفاس القبور ..
قلبي يا ابن العم ..
لا يصلح لمساء شاعري كهذا .. لثوب أبيض ..
لحضنك .. لأشواقك .. لتلك الشموع التي ما فتئت ترقص لموتها .. على أهازيج أنفاسنا ..
- ..... !!!!!!!
هل ذعرت من اعترافاتي .. يا ابن العم ؟
هل أفزعتك ..هل أفزعتك ؟ مالك أجفلت ؟
ما لك ؟!
أمغادر أنت ؟
إلى أين .. تراك ترحل ؟!
عد بربك يا ابن عمي ..
لا ترحل أرجوك ..
عد يا يوسف ..
يوسف !
يوسف !
أقسم بأنني .. ما زلت أحبك ..!!
يوسف !!
يوسف ..
يو .. سف .. !
*
( وقفة حداد .. على روح .. لم تسقط بعد )
أما بعد ..
اختلف الرواة في تفسير حقيقة ما سطر أعلاه ..
ثمة أقوال متفاوتة :
أولا : يقال بأنها عادت في صباح اليوم التالي إلى منزلها .. تلوح بورقة طلاق ..
و تضحك ..
يقال أيضا بأنها فقدت عقلها .
ثانيا : يقال بأنه مجرد حلم رحل و بقيت أضغاثه .. و أن جبينها كان يتفصد عرقا و ذكريات .
الرأي الأرجح ، أنها كانت ساهمة ..
يقولون .. بأنها صرخت فجأة بذعر : يوسف !
فأجابها زوجها : يا عيونه !
و عندما نظرت حولها .. و كأنها تكتشف المكان لأول مرة ..
اهتز المكان بالضحك ..
وحدها كانت تبكي ..
---------------------------------------------------------------------------------------
ودمتـــــم
منقـــــول
- .................................!!
هل أنت مثلي .. عاجز عن النوم يا ابن عمي ؟! هل تشعر - مثلي أيضا - بأن كل ما حولك محض حلم ..حلم مجنون ؟!
أم تراك .. أكثر مني تعقلا .. لتستوعب بعد .. بأنني الآن ملكك .. و أخيرا ؟!أواه يا ابن العم !
هل تذكر .. كم عاما انتظرت .. من أجل ليلة كهذه ؟!
ستة أعوام كاملة ..!
كيف كنت تطيق عليّ صبرا .. ؟!
كيف .. كنت تلملم المتساقط من غرورك .. لتعود إليّ في كل مرة .. طارقا بابي ..
ترى هل يستحق الأمر كل هذا العناء ؟
- ................................... !
أنت تقول ذلك .. لأنها ليلة عرسك فقط ..
أتساءل .. كم ستصمد هذه الكلمات على لسانك .. حتى تنزلق و تستحيل لعناً !
- ................................. !
دعك من ذلك يا ابن العم .. أخبرني فقط .. كيف جعلتني أرضخ ؟
كيف .. روضتني أخيراً ؟!
أو ربما .. لم تروضني .. بقدر ما هو ذلك النضج الغريب الذي يلي تجارب فشل مريرة ..
الذي يجعل أي أنثى راغبة بأي رجل يحبها ..
حتى لو كانت .. لا تحبه !
- .............................................. !
لا .. لا ..
أنا لا أكرهك !
كنا نلعب كثيرا .. كثيرا .. و نحن صغار ..
نزعج العصافير في الأعشاش .. و نقذف القطط الضالة .. بالحجارة ..
لم أعد أفعل ذلك يا ابن عمي ، و لو كنت مترفة كفاية لفتحت فندقا لكل القطط ..
هل توافقني يا ابن عمي .. أم أنك تكره القطط .. و تجهل أن زوجتك .. قطة بمخالب ؟!
- ............................................؟!
تريد أن تعرف .. ماذا أحب فيك يا ابن العم ؟!
أنا أحب اسمك :
" يوسف "
اسمك يذكرني به .. ابتسامتك تذكرني به أيضا ..
كما أنك .. يا ابن عمي .. طبيب .. " دكتور أد الدنيا "
و أنا .. مريضة به .. بحاجة إلى طبيب .. و أثق بك كثيرا يا ابن عمي ..
أثق بك .. !
هل تعرق مثلي يا ابن عمي .. لأننا في ليلتنا الأولى معا .. و أنا أبدو .. ثملة ؟!
لا تخف يا ابن العم .. أنا .. لم أسكر في حياتي .. إلا من حزن ..
و أنا الآن .. سكرانة .. من حزن ..
أمسك بيدي جيدا يا ابن عمي .. و عدني .. بربك عدني .. أنني معك لن أخاف ..
لن أخاف ..
أنا .. كنت أخاف معه .. طوال الوقت ..
و الخوف .. كالحب ..
هو حالة تتقمصك تماما حتى تغدو حياتك بها .. مستحيلة !
لم يمنحني يوما .. ذرة ثقة .. بأنه باقٍ معي ..
كان حضنه .. دافئا .. و كان مستعدا لاحتضاني .. في كل وقت ..
و لكن صدره لم يكن راسخا .. كشفتيه ..
لم يكن راسخا يا ابن عمي ..
كنت سأخسره في أي لحظة .. و كنت أعيش متوجسة بانتظار أن ترتفع يده بالتلويح لي .. مودعة !
- ...
ما لك لا ترد ؟!
أتراك .. تسمعني .. أم منهمك فيّ ؟
اسمعني بربك .. يا ابن عمي .. أم أنك مثلهم جميعا ..
ستظنني مجنونة ، لأنني أثرثر معك عن رجل أحبه .. في ليلتنا الأولى .. ؟!
أم ستضمر في قلبك بأنني .. خائنة .. و قذرة .. و غير جديرة بك .. ولا بحمل شرفك ..
رغم أنني أقسم لك .. يا ابن عمي .. بأنني كنت دائما .. أبعد من قدرته على الالتقاط ..
أتراك مثله ؟ هل تظن حقا .. بأن من يجب أن تكون زوجتك .. لا يجب أن تكون قد أحبت قبلك ..
و ربما .. ولا حتى بعدك ؟!
أنتم .. معاشر الرجال .. سذّج جدا .. لأننا كلنا .. نمرض بالحب ..
و نبقى مرضى به طوال عمرنا .. لكن بنسب مختلفة ..
بنسب تمنحنا مساحة للزواج و الإنجاب و العمل .. حتى تبدأ الحياة بجرفنا تجاهها ..بحدة .. بحدة ..
تقضي على الذاكرة تماما ..
و لكن تبقى هناك .. زاوية صغيرة في اللا شعور .. تحتضن الحب الأول ..
و الصوت الأول ..و القبلة الأولى .. و النظرة الأولى ..
و الدموع الأول ..
....
لماذا تبدو و كأنك لا تسمعني ..؟
أتراها مفاجأة .. أن تكتشف فيّ صدر امرأة .. و خاصرة امرأة .. و شفة امرأة ؟!
أ لأنني كنت دائما .. تلك الطفلة التي تشاركها اللعب في الرمال ؟!
بربك لا تلمسني يا ابن عمي ..
ألق برأسي – الذي سيفزعك ثقل خوائه – في حضنك .. و سأخبرك عنه ..
أتوسل إليك .. يا ابن عمي .. أن لا تغضب ..
فقط .. دعني أخبرك عنه ..
ولا شيء عندي اليوم .. سوى الأخبار ..
الآن خصوصا .. أحتاج إلى أذنيك أكثر من شفتيك .. فاسمعني بربك ..
- .............. !!!
سأخبرك ..
سأخبرك بكل شيء .. كل ما تريد .. فقط أنصت !
كان يحمل اسمك يا ابن عمي و كان مجنونا ..
كان شرها .. و كان غبيا جدا ..
و عنيدا جدا ..
و كانوا يقولون .. بأنه لولا العناد الذي يسكن كلينا .. لكنا الآن أسعد أهل الأرض ..
أنا لا أدري يا ابن عمي .. إن كان قد صار بعد .. أسعد أهل الأرض ..
مع حبيبة لا تعانده ..؟
- !!
أنا .. ما زلت خائفة يا ابن عمي ..
جذور الخوف تمتد في .. تتورم بالذكرى
الذكرى هي السجن الذي عبثا نحاول أن نتملص منه ..
نقدم قرابينا للنسيان .. و لكنه لا يأتي ..
و متى ما أتى .. قذفناه بالطوب ..
و بصقنا في وجه الـ " يوم " .. لنمجد الـ " أمس " !
نحن .. عرب يا ابن عمي ..
و أنا عربية ..
و أنا غبية ..
أعرف أن ما أقوم به .. يجانب الصواب .. و لكنني .. أفعله يا ابن عمي ..
تماما كما أحببته ..
تماما كما تزوجتك ..
و تماما .. كما أنا أدنسك باعترافات في أول ليلة لنا معاً ..
- .......................................
حسنا .. سأحدثك عنه !
كان فنانا .. يغني طوال الوقت ..
كان شفافا .. حد الاختفاء .. و مرهفا .. حد القسوة .. و قاسيا .. حد الرفق ..
كان يصرخ بي كثيرا .. و يضربني أحيانا ..
و ما إن يرى الانكسار .. في عيني .. حتى يبادر باحتضاني ..
كنت معه يا ابن عمي .. طفلة ..
طفلة و الله ..
كان يناديني : صغيرتي !
و كانت تلك الكلمة تعيدني أعواما إلى الخلف ، إلى زمن قصور الرمل .. و اللعب في الوحل و اصطياد الديدان .
إلى زمن كنت أطير فيه مع العصافير و الفراشات و الشعراء ..
إلى زمن .. كنت أقيم فيه حفلة .. لسقوط سن .. و ظهور آخر ..
و أحمل دمية وردية .. و شرائط شعر زرقاء .. و جوارب بيضاء مثقوبة ..
كانت تلك الكلمة .. تنتزعني مني .. من جميع ندباتي و تشوهاتي .. و تعيد تشكيلي بنقاء ..
هو صنعني يا ابن عمي .. روضني كما يشتهي ..
كنت أعرفه جيدا .. و لكنني لم أكن أفهمه ..
لم أفقهه قط !
كان التعامل معه أصعب من التعامل مع طفل مزاجي ..
كان يصرخ فجأة ..
يقذفني بـ " أحبك ! " فجأة .. و بـ " أكرهك " فجأة أيضا ..
لا شيء يرضيه أبدا .. !
- .................................................. .......................
أي شيءٍ يهمك في كل هذه التفاصيل ؟
أين تقابلنا .. و كيف جرى التعارف !
هل يمكن لكل ذلك أن يشكل فرقاً .. لقصة انتهت أصلا ؟!
المهم فقط .. أنني مع تصريحاته بالحب ..شعرت بأنني محاصرة ..
محاصرة ..
محاصرة تماما ..
كنت في بداية الأمر .. ألطم أنفه و أصرخ : غبي !
و لكنني يا ابن عمي – ولا تفزع أرجوك لدموعي – لم أملك نفسي ذلك اليوم .. أمام نظراته ..
كنت أتخيله تماما كالطاغية ، و كانت رؤية الانكسار .. و الخيبة .. و الألم .. في تلكم العينين المتشبعتين بالغرور .. يغرقني في مرارة تسيــــــــــل ..
تسيـــــــل ..
تسيـــل ..
تغرق العالم .. !
أتدري .. ماذا حصل بعدها .. يا ابن العم ؟!
باغتني ذات حلم .. و جثا بجانب السرير .. و راح يغني ..
يغني ..
يغني ..
كان يغني .. يا ابن عمي .. عندي كل ليلة ..
و كان غناؤه .. يستفز فيّ رغبة في البكاء .. البكاء بحرقة ..
حتى ارتخى قلبي .. تماما .. قلبي القاسي .. ارتخى تماما !!!
و تسلل إليّ بطواعية .. و سكنني ..
ما زلت أشك في أنه .. مختبئ فيّ يا ابن عمي .. و لكنني غير متأكدة .. إن كنت أسكنه أنا الأخرى ..
خاصة الآن .. و رأسي في حجرك أنت !
- .............................................
تريد أن تعرف كيف أحببته ؟
آه يا ابن العم .. لو تعرف كم تطلب ذلك مني جهدا ..
كنت أبعثر حروفا غبية ، تشبه الهلوسة .. أغمضت عيني و دربت نفسي على قولها .. طويلا ..
" أحبك يا غبي ! "
كانت " يا غبي " جزءا صلبا من مشاعر السخط التي لقحها حبه ، و مع ذلك بدا لي و كأنه يملك العالم كله بين كفيه ..
كان بودي يا ابن عمي .. أن أحتفل معه بي ..
كان بودي .. أن أفرح و أضحك كما فعل ..
لكنني انزويت إلى داخل صدري .. و رفضت أن أتكلم ..
لعله شيء يشبه ذلك الخوف الغريزي بخطر محدق .. أو بمجهول قادم ..
زحفت إليه بذعر و دفنت وجهي في كتفه .. و لعل الشكوك ساورته بأنني بائسة بهذا الحب .. !
كنت أشعر بأنني .. أكثر أهل الأرض جنونا معه ..
كمن يسير إلى حتفه ..
كان الأمر .. أشبه بنار ترقص حول فراشة .. لا العكس .. أو ربما .. نار تراقص فراشة .. و فراشة تراقص نارا ..
و ربما كان الأمر أشبه بشلال جارف .. في نهايته هاوية ، و رغم علمي بوجود الهاوية إلا أنني كنت مصرة على الاستمتاع بانجرافي في الماء .. هكذا كان الأمر يا ابن عمي ..
هكذا كان .. أقسم لك .. بأنه كان رائعا ..
و مختلفا ..
و كان شيئا .. لم أجربه قط أبدا ..
- ..................................................
لماذا لم نتزوج ؟!
لأننا انفصلنا ببساطة .. لأننا لا نشبه بعضنا .. ولا نشبه أنفسنا ..
لأنه عجز عن التوائم مع أفكار فاسدة تسكن رأسي ..
لأنه رجلٌ شرقي فقط .. مهووس بالامتلاك !
- ...............................
تريد تفاصيل أكثر ؟! حسناً .. ليكن ..
لكن .. حذارِ أن تكون مثله !
عندما اتضحت أمامه معالم صداقة راسخة مع فراس ..
لم يكن فراس السبب .. لم يكن يوسف السبب ..
ربما أنا السبب ..
ربما .. لم يكن ثمة سبب .. انفصلنا و حسب !
- ..............................
............................ ؟؟؟
تريد أن أحدثك عن فراس أيضا ؟!
كان صديقا رائعا يا ابن عمي ..
كان طاهرا .. نقيا ..
و كان شفافا .. حد التلاشي ..
فراس كان الشخص الوحيد في هذا العالم .. الذي يراني .. نقية .. نقية تماما ..
ربما كان مخدوعا بي .. و ربما كان محقا ..
أنا يا ابن عمي .. لا أعرف بعد .. كل ما أنا أكيدة منه .. أنني مذنبة .. و لكنني .. لست سيئة ..
لست سيئة أبدا يا ابن عمي ..
و هنا .. نحن لا نفرق بين شخص سيء .. و شخص ساذج و لكن .. مليء بالأخطاء ..
فراس كان الشخص الوحيد الذي لا يؤذي مشاعري ..
كان الشخص الوحيد الذي يفهمني .. و أفهمه ..
كان يقول لي : أنتِ مشروع ملاك صغير .. أكمليه .. و ستغدو لك أجنحة !
و كان يبتسم ..
هل تعي يا ابن العم .. معنى أن تملك تلكم الأجنحة الحلم .. و تسافر بها إلى السماء ..
لتصنع لك من المطر .. معطفا ..
و من الغيوم .. سجادات ؟!
هل أخبرتك مرة يا ابن عمي .. بأن الغيوم ليست سوى حشود بلل من أرواح الحب ؟!
و أن هذا يعني .. أنني سألتقي هناك .. بجديّ .. و عمي الذي مات قبل أن أعرفه .. و أخي الذي مات قبل ولادته ؟
هل تعي .. كم يبدو العالم فاتنا .. و أبيضا .. كالحليب تماما .. مع فراس ..
كان فراس يرمز لكل الأشياء التي أحبها ..
قبعة ساحر .. ضفادع ترقص.. نعامة أنيقة .. فراشات زرقاء .. دمى أطفال .. ماء وضوء .. سجادات صلاة .. قلوب أمهات .. دعوات عجائز .. تويج أقحوان ..زجاجة عطر .. طائرة ورقية .. زورق صغير .. مظلات .. مطر .. مطر .. مطر ..
كان خلاصة لكل ما أحب ..
أناديه : ماما !
و يناديني : ماما !
و كان ينام في حجري أحيانا .. لنبكي .. و نقص الحكايا .. و نضحك ..
- .................................................. ..........
.................................................. ..............
.................................................. ..............
لا .. لا ..
لا يا ابن عمي .. هذا لم يكن حبا ..
أو بالأحرى .. لم يكن حبا .. بالمعنى الدارج عن الحب ..
ما الحب يا ابن عمي ؟!
أليس ذلك الشيء الذي يعد تفسيره .. حماقة .. و تسطحا فكريا .. لأنه فضفاض أكثر من قدرتك على الاحتواء ؟!
ربما .. كان محض حب أفلاطوني .. !
هاه ! هاه !
مضحك .. أفلاطون هذا ..
يتحدث عن مدينة فاضلة .. و عن حب غير مشروط ..
- ................................ ؟
ها أنت تعيدنا إلى يوسف !
يوسف حاول كثيرا أن يتأقلم مع مفاهيمي التي لا تناسبه ..
و عندما فشل في ذلك .. سحق حبي أمام ناظري .. و رحل ..
و رحل ..
رحل .. يدخن فقدي .. و أشياء أخرى ..
كلهم يرحلون يا ابن العم ..
وحدها التقاليد البالية .. تبقى ..
و لهذا هي بالية ..
لأنها تبقى ..
و لهذا .. أنا الآن زوجتك ..
" مالك إلا ولد عمك "
هذا ما ثقبوا به آذاننا .. مذ كنا صغارا ، هكذا برمجوا عقولنا .. ليكتبوا لنا الفشل إلا معا ..
لماذا يجب أن أكون زوجتك يا ابن عمي ؟
لماذا يجب أن يزوجوك فتاة .. بقلب مستعمل ؟
أنت يا ابن عمي .. اشتريت قلبا .. مستهلكا ..
أثاثه مهترئ لكثرة الاستخدام ..
قلبي يا ابن العم .. لا مساحة فيه للحب ..
ممتلئ بالحروق .. و الندبات .. و الدمامل ..
و أنفاس القبور ..
قلبي يا ابن العم ..
لا يصلح لمساء شاعري كهذا .. لثوب أبيض ..
لحضنك .. لأشواقك .. لتلك الشموع التي ما فتئت ترقص لموتها .. على أهازيج أنفاسنا ..
- ..... !!!!!!!
هل ذعرت من اعترافاتي .. يا ابن العم ؟
هل أفزعتك ..هل أفزعتك ؟ مالك أجفلت ؟
ما لك ؟!
أمغادر أنت ؟
إلى أين .. تراك ترحل ؟!
عد بربك يا ابن عمي ..
لا ترحل أرجوك ..
عد يا يوسف ..
يوسف !
يوسف !
أقسم بأنني .. ما زلت أحبك ..!!
يوسف !!
يوسف ..
يو .. سف .. !
*
( وقفة حداد .. على روح .. لم تسقط بعد )
أما بعد ..
اختلف الرواة في تفسير حقيقة ما سطر أعلاه ..
ثمة أقوال متفاوتة :
أولا : يقال بأنها عادت في صباح اليوم التالي إلى منزلها .. تلوح بورقة طلاق ..
و تضحك ..
يقال أيضا بأنها فقدت عقلها .
ثانيا : يقال بأنه مجرد حلم رحل و بقيت أضغاثه .. و أن جبينها كان يتفصد عرقا و ذكريات .
الرأي الأرجح ، أنها كانت ساهمة ..
يقولون .. بأنها صرخت فجأة بذعر : يوسف !
فأجابها زوجها : يا عيونه !
و عندما نظرت حولها .. و كأنها تكتشف المكان لأول مرة ..
اهتز المكان بالضحك ..
وحدها كانت تبكي ..
---------------------------------------------------------------------------------------
ودمتـــــم
منقـــــول