الشمس العمياء
10-01-2003, 06:38 PM
هذا ماحدث لوالدتي
هذه قصة حياتي
هذا مااعانيه
قصة حياتي الحقيقيه
- يد تتلمس ظهره بحنان ، وصوت يتسلل إلى عقله ..
"كن قوياً يا "راشد" ، إنها الحياة تأخذ منا أحبائنا "
-يهمس رفيقه "عمر" في أذنيه ، وهما عائدان معا ، بعد أن دفن "راشد" والدته ..
-كان "راشد" وأخوته ، يتلقون العزاء من الضيوف ، ولم يكن هذا الأخير في حالة تسمح له بالمناقشة أو الحديث ، فقد انزوى في ركن ما ، واعماقه تبكي في عنف شديد ، وعندما انتهى العزاء ، وبدأوا الضيوف بالمغادرة ، اتجه أخوته إليه يواسونه ، ولكنه صرخ فيهم بصوت يشوبه الحزن والمرارة :" هو السبب في كل ماحدث لها ، لقد قتلها ، مثلما قتلني منذ زمن "
- صاح فيه أحد أخوته ، وهو يقف أمامه :" كفى لا يحق لك أن تلقى الإتهامات على والدنا هكذا ، لقد كانت والدتنا في الآونة الأخيرة في حالة سيئة "
- وتحدث آخر في غضب :" لماذا تلقي اللوم على والدنا فقط ، أنت أيضا تتحمل الجزء الكبير من معاناتها طيلة السنوات الماضية ، لقد كانت تريد رؤيتك قبل موتها ، ولكنك لم تأتي لتزورها مرة واحدة ، وتطمئن عليها "
-كانت كلماته تتداول عليه كالسياط ، تلتف من كل صوب وحدب دون أن تبالي بأحد ، وبالفعل كاد أن يتحول العزاء إلى مشاجرة عنيفة بين "راشد" وأخوته ، ولكن "عمر" ورفاقه تدخلوا في حل المشكلة ، ولم يحتمل "راشد" فكرة البقاء ، فخرج غاضبا ، ومن خلفه صديقه "عمر"..
* * *
* * *
-الشمس تغرب في نعومة ، الأفق بدأ يزداد أحمراراً، سرب طير يطير في السماء ، يحلق إلى البعيد ، ونسمة باردة تداعب وجه "راشد" ..
إنه الغروب ، يتراءى له كفراشة وحيدة تتطاير في أرجاء الشتاء الداكن ..
كان يراقب الغروب ببهجة طفولية ، مشهد لم تسجله ذاكرته منذ زمن ، نظرات "عمر" تتابعه في إشفاق ، كان يحترم صمته ، ويعلم أية أوجاع ترسلها نفسه هذه الليلة ، كانت أوجاع مؤلمة ، قاسية ، تقتحم نفسه ، وتسد عليه كل المنافذ ...
* * *
* * *
-وجه "راشد" يزداد حزنا ً ، يبدو كسماء غائمة ، و"عمر" لا يعرف ماذا يفعل ؟ كان يمشي إلى جوار رفيقه ، وهما يسيران معا ً، في أماكن كان يعرفها ، فكثيرا ًما كان الأثنان يأتيان إلى هذه الأماكن في الإجازات ، أو في أيام معينة كالجمعة مثلا ، وأخيرا ًوبعد التعب ، إختارا كافتيريا مطلة على البحر ، وجلسا متجاورين ، ورفع "عمر" رأسه إلى "راشد" قائلا :
"راشد" إن هذه الحياة لا تنتهي بموت أحد أو حياته ، ثم أن والدتك سوف تحزن كثيرا إذا رأتك على هذه الحالة "
-" إنها لن تسامحني أبدا على تقصيري في حقها ، لقد كنت قاسيا ، حقيرا ، وجبانا ، لم أستطع حمايتها أو الذود عنها ، لقد لاقت ظلما عنيفا من كل الأطراف "
-لم يجبه "عمر" فقد كان يشعر بالحيرة ،فأي جواب ذلك الذي يحرر "راشد" من عذاب ضميره ، وانتبه إلى رفيقه وهو يخرج من جيبه صورة قديمة ، قد اختفت بضعة معالمها ، صورة لرجل وإمرأة ، ويتوسطهما طفل في الرابعة من عمره ، هذه الصورة أعادت ل"راشد" ذكريات ، سجنها منذ زمن في قفص عقله ، وقد عاهد نفسه بأن لا يحاول أن يقحمها حياته مرة أخرى ، حتى لا تنسال أحزانه ، فتغطي كل أوراق قلبه ، ورقة ورقة ؛ ولكن رحيلها المفاجئ ، أضرم النار في رماد أحزانه ، فأشتعلت بغتة ....
* * *
* * *
* *
-بوجوم برئ ينطلق صوته ، كأصوات البلابل الصغيرة التي تحاول الطيران ..
"إلى أين يا أمي ؟"
-يرتسم على ملامح الأم ، شيء من التوتر ، وهي تجهز الحقائب ، وتعيد ترتيب الملابس داخلهما ..
يعود سؤال الصبي يحاصرها هذه المرة بحزن أكثر ..
"أخبريني ، أرجوك يا أماه ، هل سنرحل من هنا"؟
- تنهض الأم من مكانها ، فتسارع إلى صغيرها ، يبدو وجهها مضطربا ، شاحبا ، تحيطه بيديها بحنان ، فيضع رأسه على ركبتيها ، فتمسح بأناملها على شعره ..
"من الصعب علي يا حبيبي ، أن أهتم بك وحدي ، فأنت تحتاج إلى رجل يعتني بك ، لإنك لا زلت صغيرا على العمل "
-رفع رأسه إليها ، فرأت في عينيه ، علامة استفهام جائعة ..
"لا افهمك يا أماه ، ولكنني أستطيع أن أعمل وآتي لك بالنقود ، ألم يكن والدي يردد دوما بأنني رجل يعتمد عليه "
أخفضت عيناها ، وكأن مجرد ذكر والده ، قد جلب لها ذكرى مؤرقة ، تريد طيها ..
"غدا سوف تفهم يا "راشد"
ورمقها باستغراب واضح ، ثم هز كتفيه بلا مبالاة ، وانصرف إلى ألعابه ، يضحك سعيدا بها ..
* * *
* * *
فوق سطح منزله ، جلس "راشد" يراقب النجوم بهيام ، ويرسم بأصابعه الصغيرة في الهواء ، صورا أحبها ، كان يحاول ألا يبكي ، منذ تلقى الخبر ، والدته سوف تتزوج ، كان وقع الخبر عليه عنيفا ، فبدأت دموعه تتساقط بغزارة ، كان يمسحها بكم ثوبه ، ولكنها تعود فتتساقط أكثر ، لقد رفض حضور العرس ، وعندما أرغموه فر منه ، لم يكن يكره والدته ،ولكنه يرفض أن يحل رجلا غريبا مكان والده ..
أعادت ذكرى والده أشياء جميلة إلى نفسه ، فرفع رأسه إلى السماء ، كان هناك ضوء مبهر يغشى الكون ، وملامح وجه تتشكل ، فيظلُ لحظة خشوع يتأملها ..
فتتقافز السعادة في ملامحه الطفوليه ، إنه والده ، جاء إليه ، ليأخذه بعيدا ، حاول أن يلمس الضوء ، ولكنه شعر ببرودة قاسية ، وبصوت يتردد ، وكانه آت من أغوار سحيقة ..
"لا تبكي يا "راشد" ، فالرجال لا يبكون ، أعتني بأمك ، وأنا معك "
-يصرخ "راشد" وهو يلوح بيديه ..
"أرجوك يا والدي لا ترحل ، خذني معك ، أرجوك"
-صمت للحظة ، وراحت عيناه تجوبان المكان من حوله ، لم يكن هناك شيء ، فقط الصمت ، هل كان يحلم ؟ كلا ، لقد رأى والده ، وتحسس جسده بيديه ، ثم نظر غلى يده في رهبة ..
* * *
* * *
يتذكر يوم وفاة والده ، لقد احضروه إلى المنزل ، وهو جثة هامدة ، لم يصدق موته ، كان يحرث مزرعته ، فسقط ميتا على ارض المزرعة وبجانبه المنجل ...
لقد ملأت الدموع عينيه ، وهو يحتضنه ، هو يقسم إنه لم يرى والدته تبكي على فقده ، لقد ظلت صامتة ، واقفة باب المنزل ، تنظر بوجوم إلى المشهد ، والرجال يحملونه على أكتافهم ، حتى يدفنونه ، وهو يصرخ ، يتشبث بهم ، يريد والده ..
- لم يكن أحد يحب والده ، هذا ما شعر به من عيونهم ، كان يضرب والدته كثيرا ، ويغلق عليها باب المنزل ، يرفض أن تخرج لتزور الجيران ، وحين تتأخر عن إعداد الطعام ، كان صوته أشبه بهدير الشلالات ، لقد ضربها مرة في قسوة وأهانها ، ثم طردها من المنزل ، ولم تعود إليه إلا من أجل "راشد " ، حتى الجيران لم يسلمون من ألفاظه الجارحة ، لهذا حينما توفي لم يأتي أحد ليحضر جنازته ، سوى أخوته الذين أخذوا كل أمواله ، ولم يتركوا ل"راشد" سوى هذا المنزل ؛
كان يعشق والده ، تراه يسارع شوقاً إلى أحضانه كلما عاد من عمله متعبا ، فيحمله ويدور به ، وينطلق صوت الصغير بالضحك ..
ويوم وفاته لم يحتمل ، لقد بكى على صدره طويلا ، وهم يسحبونه من ثيابه ، ولكنه كان يوسعهم ضربا وركلا ، يريدون أن يحرموه من والده ، كلهم كاذبين ، منافقين ، لم يكن يحبونه أبدا ...
* * *
* *
-ارتجف جسده الصغير ، وعيناه تجوبان المنزل الجديد ، لقد عاد إلى هنا بعد أن طرده أعمامه ، ولم يجد سوى الذهاب إلى أمه ...
صوت أشبه بهمس ناعم ، يوقظه ؛
وألتفت ينظر إلى الوراء ..
ورآها ..
إنها والدته ..
نفس الوجه والملامح ، كلا ، هناك نظرة أخرى في عينيها ، لم تكن نفس تلك الحنونة التي تتلقاه بها ..
وأحتضنته ، وهي تبكي بصوت عال ..
" الحمدلله يا حبيبي ، إنك عدت إلي "
"سوف أعوضك أنا وعمك عن كل الألم الذي أصابك بعد وفاة والدك".
- نظر إليها في حزن ، لم يشعر أبدا بحنانها وهي تحتويه بين أحضانها .....
أية قسوة تلك التي في قلبها ، لقد تزوجت رجل آخر ، لم تكن تحب والده ..
* * *
* * *
- حياة جديدة ، زوج أمه يترصده بعيناه القاسيتين ، كان يذهب إلى المدرسة منذ الصباح الباكر ويعود عند الظهر متعبا ، يجده عائدا من عمله ، يرمقه بعصبية شديدة ، ويتلفظ بألفاظ قاسية ، يشتم والدته ، يصرخ بها ، واحيانا يراه تمتد يده فيضربها في قسوة ، فتبكي في صمت ، وتغلق عليها غرفتها ، ويجلس هو بجانب غرفتها ، ينتظر خروجها ...
لم يكن رجل أبدا ، لم يدافع عنها من ظلم والده ولا زوجها ، ولكنها هي المخطئة حين تزوجت من رجل آخر ...
وبدأ زوج أمه يبصق غضبه على "راشد" ، احيانا يطرده من المنزل ، فيظل الصغير يدور في الخارج ، مع رفاقه يلعب الكرة حتى المساء ، فيعود متعبا ، وقد اتسخت ملابسه ، فلا يجد سوى عصا زوج أمه في انتظاره ..
- لقد تغيرت حياته ، شعر بأن عام واحد ، كان يكفي لأن تتغير أمور كثيرة ، حتى وجد نفسه مهددا بالطرد ، إن لم يعمل حتى يسد رمقه ، ورغم توسلات والدته ، بأنه لا يزال في العاشرة من عمره ، ويحتاج أن يكمل دراسته ، ولكنه رفض فهددها بالطلاق ..
آه ، لو كان والده على قيد الحياة ، لما كانت حياته هكذا ..
لقد جرب كل الأعمال ، قام بتنظيف السيارات ، باع الجرائد ، مسح واجهات المحلات، وكان يطرد من عمله ..
* * *
* * *
لقد مر عام منذ زواج أمه ..
لقد أنجبت طفلا صغيرا أخذ منها وقتها ، فلم تعد تهتم به كالسابق ..
كانت فقط تنظر إليه بنظرة حزينة ، باهتة ، ثم تشيح بنظراتها عنه ...
لقد رفض عمه _زوج والدته - أن ينام في إحد الغرف في المنزل او حتى الصالة ، فما كان منه إلا أن أجبره أن ينام في المطبخ ، فعاش الصغير أحلامه لوحده ، يرسم مستقبله بيده ، بعيدا ًعن هذا الشقاء ولغة البؤس التي أصبحت عنوانه منذ دخل لهذا المنزل ..
وكانت الكارثة الكبرى ، حينما تشاجر هذا الزوج القاسي من أمه ، وضربها ، مؤكداً بأنها هي السبب في إفلاس تجارته ، وإنه لولا إنها والدة ابنه ، لكان قد طلقها منذ زمن ، وطرده ، لقد رماه خارجا مع حقيبته ، والأم المسكينة تصرخ وهي تجذبه من ثيابه ، تستعطفه بأنها سوف تعمل حتى تعيله ، ولكنه يركلها بقسوة ، ويغلق الباب بعنف ، بعد أن هدده بعدم العودة إلى هنا ، حتى لرؤيتها ..
* * *
* * *
*
إلى أين سيذهب ؟
فقط صراخ والدته المسكينة ، يدوي في رأسه ، ليلة باردة والريح تزمجر في عنف يضم يديه إلى جسده ، محولا بث بعض الدفء إلى أوصاله المرهقة ..
يسحب حقيبته ..
كم زارته الأحلام طويلا ؟ فتخيل منزلاً يضمه مع والديه ، وتلاشت هذه الصورة بغتة مع الواقع المرير الذي يعيشه ، ويتلمسه بأحاسيسه ..
بغتة صار الحلم مجرد ضوء باهر ، غشيه للحظة ، وانتهى بريقه ..
* * *
* * *
*
لم يجد عملا سوى جمع القمامة ، منذ الصباح الباكر وحتى المساء ، في البرد والجوع ..
لم يستطع جسده الصغير أن يحتمل كل هذا التعب ، فطرد بعد أسبوع واحد فقط ..
ثم بدأت متاعبه الحقيقية ..
لقد نام على الأرصفة طويلا ..
وأكل بقايا الأطعمة في سلة القمامة ، فكان يشارك الققط في البحث عن طعامها ، ونخر البرد عظامه كلها عظمة ، عظمة ..
وبكي كثيرا ، بكى من الألم والجوع والوحدة والحزن ..
بكى بعد أن فارق والده ووالدته وأحلامه ومنزله الصغير ، ومراقبة النجوم من فوق سطح المنزل ..
ولكنه القدر ...
* * *
* * *
جسده منهك ، والأمطار تتساقط بغزارة ، والشوارع شبه خالية ، وبضعة أضواء باهتة تأتي من المحلات وتنعكس على أجساد السيارات ، و"راشد" متعب وجائع ، ومد يديه ، كان يتسول ، لم يجد مهنة أخرى يقوم بها سوى التسول ، ثم شعر بأشعة قوية تغشي بصره ، وبيد قوية تمسكه من ثيابه ، فصرخ بقوة ..
لقد كان شرطياً ضخماً ، سحبه من ثيابه ، و"راشد" يصرخ ويبكي ، وجمهرة من الناس تتجمع حوله ..
* * *
* * *
بين أربعة جدران ..
لا حرية .. لا أحلام .. لن يزور قبر والده ..لن يرى والدته .. وداعاً للنجوم ..
وكل ذلك من أجل التسول ، كان يريد درهم يشتري به قطعة خبز تسد جوعه ، ولكنه فوجئ بذلك الشرطي الضخم ، يحمله بقسوة ، ليلقيه في هذا المكان ..
دار الأحداث ..
ولم تزره والدته سوى ثلاث مرات ..
المرة الأولى بكت وهي تحتضنه إليها ، لامته ووبخته على تصرفه ، ثم استعطفتهم أن يخرجونه ، ولكنه لم يقابلها سوى بالصمت ..
والمرة الثانية نظر إليها من بعيد ، وأشاح بوجهه عنها ..
وفي المرة الأخيرة ، رفض أن يستقبلها ، ولكنه كان يلمحها من بعيد ، وهي تبكي ..
* * *
* * *
-وفتح "راشد" عينيه ، حملق في رفيقه "عمر" ، كان الظلام قد ارتدى عباءته السوداء ، فلم تعد هناك سوى بعض الأضواء التي تلقي ضوءها الخافت على ملامحهما ، صوت "عمر" يقطع الصمت ..
-" أعلم بأنك قد عانيت كثيراً في دار الأحداث ، ولكنك حققت شيء لم يتوقعه أحد ، لقد هزمت كل الظروف القاسية التي أحاطت بك ..
-ينظر إليه "راشد" باستسلام ..
"وهل تظن إنها سوف تسامحني ؟ لقد كنتُ إنسانا قاسيا معها ، لم ارحمها أبدا "
"اطمئن ، إنه قلب الأم ، أنا متأكد بأنها قد سامحتك منذ زمن وقد ألقت اللوم على نفسها ، فهون عليك يا صديقي "
* * *
* * *
*
وفي تلك الليلة ، نام "راشد" في فراشه ، ويديه تحتضنان صورة قديمة إلى صدره، كان يعيش حلما ، وهو يرى نفس الصورة منذ زمن ..
صورة امرأة ، بملامح حزينة ، وإلى جوارها رجل في عنفوان شبابه ، ويتوسطهما صبيا تنطلق من عينيه ، ضحكات مملوءه بالشقاوة ..
هذه قصة حياتي
هذا مااعانيه
قصة حياتي الحقيقيه
- يد تتلمس ظهره بحنان ، وصوت يتسلل إلى عقله ..
"كن قوياً يا "راشد" ، إنها الحياة تأخذ منا أحبائنا "
-يهمس رفيقه "عمر" في أذنيه ، وهما عائدان معا ، بعد أن دفن "راشد" والدته ..
-كان "راشد" وأخوته ، يتلقون العزاء من الضيوف ، ولم يكن هذا الأخير في حالة تسمح له بالمناقشة أو الحديث ، فقد انزوى في ركن ما ، واعماقه تبكي في عنف شديد ، وعندما انتهى العزاء ، وبدأوا الضيوف بالمغادرة ، اتجه أخوته إليه يواسونه ، ولكنه صرخ فيهم بصوت يشوبه الحزن والمرارة :" هو السبب في كل ماحدث لها ، لقد قتلها ، مثلما قتلني منذ زمن "
- صاح فيه أحد أخوته ، وهو يقف أمامه :" كفى لا يحق لك أن تلقى الإتهامات على والدنا هكذا ، لقد كانت والدتنا في الآونة الأخيرة في حالة سيئة "
- وتحدث آخر في غضب :" لماذا تلقي اللوم على والدنا فقط ، أنت أيضا تتحمل الجزء الكبير من معاناتها طيلة السنوات الماضية ، لقد كانت تريد رؤيتك قبل موتها ، ولكنك لم تأتي لتزورها مرة واحدة ، وتطمئن عليها "
-كانت كلماته تتداول عليه كالسياط ، تلتف من كل صوب وحدب دون أن تبالي بأحد ، وبالفعل كاد أن يتحول العزاء إلى مشاجرة عنيفة بين "راشد" وأخوته ، ولكن "عمر" ورفاقه تدخلوا في حل المشكلة ، ولم يحتمل "راشد" فكرة البقاء ، فخرج غاضبا ، ومن خلفه صديقه "عمر"..
* * *
* * *
-الشمس تغرب في نعومة ، الأفق بدأ يزداد أحمراراً، سرب طير يطير في السماء ، يحلق إلى البعيد ، ونسمة باردة تداعب وجه "راشد" ..
إنه الغروب ، يتراءى له كفراشة وحيدة تتطاير في أرجاء الشتاء الداكن ..
كان يراقب الغروب ببهجة طفولية ، مشهد لم تسجله ذاكرته منذ زمن ، نظرات "عمر" تتابعه في إشفاق ، كان يحترم صمته ، ويعلم أية أوجاع ترسلها نفسه هذه الليلة ، كانت أوجاع مؤلمة ، قاسية ، تقتحم نفسه ، وتسد عليه كل المنافذ ...
* * *
* * *
-وجه "راشد" يزداد حزنا ً ، يبدو كسماء غائمة ، و"عمر" لا يعرف ماذا يفعل ؟ كان يمشي إلى جوار رفيقه ، وهما يسيران معا ً، في أماكن كان يعرفها ، فكثيرا ًما كان الأثنان يأتيان إلى هذه الأماكن في الإجازات ، أو في أيام معينة كالجمعة مثلا ، وأخيرا ًوبعد التعب ، إختارا كافتيريا مطلة على البحر ، وجلسا متجاورين ، ورفع "عمر" رأسه إلى "راشد" قائلا :
"راشد" إن هذه الحياة لا تنتهي بموت أحد أو حياته ، ثم أن والدتك سوف تحزن كثيرا إذا رأتك على هذه الحالة "
-" إنها لن تسامحني أبدا على تقصيري في حقها ، لقد كنت قاسيا ، حقيرا ، وجبانا ، لم أستطع حمايتها أو الذود عنها ، لقد لاقت ظلما عنيفا من كل الأطراف "
-لم يجبه "عمر" فقد كان يشعر بالحيرة ،فأي جواب ذلك الذي يحرر "راشد" من عذاب ضميره ، وانتبه إلى رفيقه وهو يخرج من جيبه صورة قديمة ، قد اختفت بضعة معالمها ، صورة لرجل وإمرأة ، ويتوسطهما طفل في الرابعة من عمره ، هذه الصورة أعادت ل"راشد" ذكريات ، سجنها منذ زمن في قفص عقله ، وقد عاهد نفسه بأن لا يحاول أن يقحمها حياته مرة أخرى ، حتى لا تنسال أحزانه ، فتغطي كل أوراق قلبه ، ورقة ورقة ؛ ولكن رحيلها المفاجئ ، أضرم النار في رماد أحزانه ، فأشتعلت بغتة ....
* * *
* * *
* *
-بوجوم برئ ينطلق صوته ، كأصوات البلابل الصغيرة التي تحاول الطيران ..
"إلى أين يا أمي ؟"
-يرتسم على ملامح الأم ، شيء من التوتر ، وهي تجهز الحقائب ، وتعيد ترتيب الملابس داخلهما ..
يعود سؤال الصبي يحاصرها هذه المرة بحزن أكثر ..
"أخبريني ، أرجوك يا أماه ، هل سنرحل من هنا"؟
- تنهض الأم من مكانها ، فتسارع إلى صغيرها ، يبدو وجهها مضطربا ، شاحبا ، تحيطه بيديها بحنان ، فيضع رأسه على ركبتيها ، فتمسح بأناملها على شعره ..
"من الصعب علي يا حبيبي ، أن أهتم بك وحدي ، فأنت تحتاج إلى رجل يعتني بك ، لإنك لا زلت صغيرا على العمل "
-رفع رأسه إليها ، فرأت في عينيه ، علامة استفهام جائعة ..
"لا افهمك يا أماه ، ولكنني أستطيع أن أعمل وآتي لك بالنقود ، ألم يكن والدي يردد دوما بأنني رجل يعتمد عليه "
أخفضت عيناها ، وكأن مجرد ذكر والده ، قد جلب لها ذكرى مؤرقة ، تريد طيها ..
"غدا سوف تفهم يا "راشد"
ورمقها باستغراب واضح ، ثم هز كتفيه بلا مبالاة ، وانصرف إلى ألعابه ، يضحك سعيدا بها ..
* * *
* * *
فوق سطح منزله ، جلس "راشد" يراقب النجوم بهيام ، ويرسم بأصابعه الصغيرة في الهواء ، صورا أحبها ، كان يحاول ألا يبكي ، منذ تلقى الخبر ، والدته سوف تتزوج ، كان وقع الخبر عليه عنيفا ، فبدأت دموعه تتساقط بغزارة ، كان يمسحها بكم ثوبه ، ولكنها تعود فتتساقط أكثر ، لقد رفض حضور العرس ، وعندما أرغموه فر منه ، لم يكن يكره والدته ،ولكنه يرفض أن يحل رجلا غريبا مكان والده ..
أعادت ذكرى والده أشياء جميلة إلى نفسه ، فرفع رأسه إلى السماء ، كان هناك ضوء مبهر يغشى الكون ، وملامح وجه تتشكل ، فيظلُ لحظة خشوع يتأملها ..
فتتقافز السعادة في ملامحه الطفوليه ، إنه والده ، جاء إليه ، ليأخذه بعيدا ، حاول أن يلمس الضوء ، ولكنه شعر ببرودة قاسية ، وبصوت يتردد ، وكانه آت من أغوار سحيقة ..
"لا تبكي يا "راشد" ، فالرجال لا يبكون ، أعتني بأمك ، وأنا معك "
-يصرخ "راشد" وهو يلوح بيديه ..
"أرجوك يا والدي لا ترحل ، خذني معك ، أرجوك"
-صمت للحظة ، وراحت عيناه تجوبان المكان من حوله ، لم يكن هناك شيء ، فقط الصمت ، هل كان يحلم ؟ كلا ، لقد رأى والده ، وتحسس جسده بيديه ، ثم نظر غلى يده في رهبة ..
* * *
* * *
يتذكر يوم وفاة والده ، لقد احضروه إلى المنزل ، وهو جثة هامدة ، لم يصدق موته ، كان يحرث مزرعته ، فسقط ميتا على ارض المزرعة وبجانبه المنجل ...
لقد ملأت الدموع عينيه ، وهو يحتضنه ، هو يقسم إنه لم يرى والدته تبكي على فقده ، لقد ظلت صامتة ، واقفة باب المنزل ، تنظر بوجوم إلى المشهد ، والرجال يحملونه على أكتافهم ، حتى يدفنونه ، وهو يصرخ ، يتشبث بهم ، يريد والده ..
- لم يكن أحد يحب والده ، هذا ما شعر به من عيونهم ، كان يضرب والدته كثيرا ، ويغلق عليها باب المنزل ، يرفض أن تخرج لتزور الجيران ، وحين تتأخر عن إعداد الطعام ، كان صوته أشبه بهدير الشلالات ، لقد ضربها مرة في قسوة وأهانها ، ثم طردها من المنزل ، ولم تعود إليه إلا من أجل "راشد " ، حتى الجيران لم يسلمون من ألفاظه الجارحة ، لهذا حينما توفي لم يأتي أحد ليحضر جنازته ، سوى أخوته الذين أخذوا كل أمواله ، ولم يتركوا ل"راشد" سوى هذا المنزل ؛
كان يعشق والده ، تراه يسارع شوقاً إلى أحضانه كلما عاد من عمله متعبا ، فيحمله ويدور به ، وينطلق صوت الصغير بالضحك ..
ويوم وفاته لم يحتمل ، لقد بكى على صدره طويلا ، وهم يسحبونه من ثيابه ، ولكنه كان يوسعهم ضربا وركلا ، يريدون أن يحرموه من والده ، كلهم كاذبين ، منافقين ، لم يكن يحبونه أبدا ...
* * *
* *
-ارتجف جسده الصغير ، وعيناه تجوبان المنزل الجديد ، لقد عاد إلى هنا بعد أن طرده أعمامه ، ولم يجد سوى الذهاب إلى أمه ...
صوت أشبه بهمس ناعم ، يوقظه ؛
وألتفت ينظر إلى الوراء ..
ورآها ..
إنها والدته ..
نفس الوجه والملامح ، كلا ، هناك نظرة أخرى في عينيها ، لم تكن نفس تلك الحنونة التي تتلقاه بها ..
وأحتضنته ، وهي تبكي بصوت عال ..
" الحمدلله يا حبيبي ، إنك عدت إلي "
"سوف أعوضك أنا وعمك عن كل الألم الذي أصابك بعد وفاة والدك".
- نظر إليها في حزن ، لم يشعر أبدا بحنانها وهي تحتويه بين أحضانها .....
أية قسوة تلك التي في قلبها ، لقد تزوجت رجل آخر ، لم تكن تحب والده ..
* * *
* * *
- حياة جديدة ، زوج أمه يترصده بعيناه القاسيتين ، كان يذهب إلى المدرسة منذ الصباح الباكر ويعود عند الظهر متعبا ، يجده عائدا من عمله ، يرمقه بعصبية شديدة ، ويتلفظ بألفاظ قاسية ، يشتم والدته ، يصرخ بها ، واحيانا يراه تمتد يده فيضربها في قسوة ، فتبكي في صمت ، وتغلق عليها غرفتها ، ويجلس هو بجانب غرفتها ، ينتظر خروجها ...
لم يكن رجل أبدا ، لم يدافع عنها من ظلم والده ولا زوجها ، ولكنها هي المخطئة حين تزوجت من رجل آخر ...
وبدأ زوج أمه يبصق غضبه على "راشد" ، احيانا يطرده من المنزل ، فيظل الصغير يدور في الخارج ، مع رفاقه يلعب الكرة حتى المساء ، فيعود متعبا ، وقد اتسخت ملابسه ، فلا يجد سوى عصا زوج أمه في انتظاره ..
- لقد تغيرت حياته ، شعر بأن عام واحد ، كان يكفي لأن تتغير أمور كثيرة ، حتى وجد نفسه مهددا بالطرد ، إن لم يعمل حتى يسد رمقه ، ورغم توسلات والدته ، بأنه لا يزال في العاشرة من عمره ، ويحتاج أن يكمل دراسته ، ولكنه رفض فهددها بالطلاق ..
آه ، لو كان والده على قيد الحياة ، لما كانت حياته هكذا ..
لقد جرب كل الأعمال ، قام بتنظيف السيارات ، باع الجرائد ، مسح واجهات المحلات، وكان يطرد من عمله ..
* * *
* * *
لقد مر عام منذ زواج أمه ..
لقد أنجبت طفلا صغيرا أخذ منها وقتها ، فلم تعد تهتم به كالسابق ..
كانت فقط تنظر إليه بنظرة حزينة ، باهتة ، ثم تشيح بنظراتها عنه ...
لقد رفض عمه _زوج والدته - أن ينام في إحد الغرف في المنزل او حتى الصالة ، فما كان منه إلا أن أجبره أن ينام في المطبخ ، فعاش الصغير أحلامه لوحده ، يرسم مستقبله بيده ، بعيدا ًعن هذا الشقاء ولغة البؤس التي أصبحت عنوانه منذ دخل لهذا المنزل ..
وكانت الكارثة الكبرى ، حينما تشاجر هذا الزوج القاسي من أمه ، وضربها ، مؤكداً بأنها هي السبب في إفلاس تجارته ، وإنه لولا إنها والدة ابنه ، لكان قد طلقها منذ زمن ، وطرده ، لقد رماه خارجا مع حقيبته ، والأم المسكينة تصرخ وهي تجذبه من ثيابه ، تستعطفه بأنها سوف تعمل حتى تعيله ، ولكنه يركلها بقسوة ، ويغلق الباب بعنف ، بعد أن هدده بعدم العودة إلى هنا ، حتى لرؤيتها ..
* * *
* * *
*
إلى أين سيذهب ؟
فقط صراخ والدته المسكينة ، يدوي في رأسه ، ليلة باردة والريح تزمجر في عنف يضم يديه إلى جسده ، محولا بث بعض الدفء إلى أوصاله المرهقة ..
يسحب حقيبته ..
كم زارته الأحلام طويلا ؟ فتخيل منزلاً يضمه مع والديه ، وتلاشت هذه الصورة بغتة مع الواقع المرير الذي يعيشه ، ويتلمسه بأحاسيسه ..
بغتة صار الحلم مجرد ضوء باهر ، غشيه للحظة ، وانتهى بريقه ..
* * *
* * *
*
لم يجد عملا سوى جمع القمامة ، منذ الصباح الباكر وحتى المساء ، في البرد والجوع ..
لم يستطع جسده الصغير أن يحتمل كل هذا التعب ، فطرد بعد أسبوع واحد فقط ..
ثم بدأت متاعبه الحقيقية ..
لقد نام على الأرصفة طويلا ..
وأكل بقايا الأطعمة في سلة القمامة ، فكان يشارك الققط في البحث عن طعامها ، ونخر البرد عظامه كلها عظمة ، عظمة ..
وبكي كثيرا ، بكى من الألم والجوع والوحدة والحزن ..
بكى بعد أن فارق والده ووالدته وأحلامه ومنزله الصغير ، ومراقبة النجوم من فوق سطح المنزل ..
ولكنه القدر ...
* * *
* * *
جسده منهك ، والأمطار تتساقط بغزارة ، والشوارع شبه خالية ، وبضعة أضواء باهتة تأتي من المحلات وتنعكس على أجساد السيارات ، و"راشد" متعب وجائع ، ومد يديه ، كان يتسول ، لم يجد مهنة أخرى يقوم بها سوى التسول ، ثم شعر بأشعة قوية تغشي بصره ، وبيد قوية تمسكه من ثيابه ، فصرخ بقوة ..
لقد كان شرطياً ضخماً ، سحبه من ثيابه ، و"راشد" يصرخ ويبكي ، وجمهرة من الناس تتجمع حوله ..
* * *
* * *
بين أربعة جدران ..
لا حرية .. لا أحلام .. لن يزور قبر والده ..لن يرى والدته .. وداعاً للنجوم ..
وكل ذلك من أجل التسول ، كان يريد درهم يشتري به قطعة خبز تسد جوعه ، ولكنه فوجئ بذلك الشرطي الضخم ، يحمله بقسوة ، ليلقيه في هذا المكان ..
دار الأحداث ..
ولم تزره والدته سوى ثلاث مرات ..
المرة الأولى بكت وهي تحتضنه إليها ، لامته ووبخته على تصرفه ، ثم استعطفتهم أن يخرجونه ، ولكنه لم يقابلها سوى بالصمت ..
والمرة الثانية نظر إليها من بعيد ، وأشاح بوجهه عنها ..
وفي المرة الأخيرة ، رفض أن يستقبلها ، ولكنه كان يلمحها من بعيد ، وهي تبكي ..
* * *
* * *
-وفتح "راشد" عينيه ، حملق في رفيقه "عمر" ، كان الظلام قد ارتدى عباءته السوداء ، فلم تعد هناك سوى بعض الأضواء التي تلقي ضوءها الخافت على ملامحهما ، صوت "عمر" يقطع الصمت ..
-" أعلم بأنك قد عانيت كثيراً في دار الأحداث ، ولكنك حققت شيء لم يتوقعه أحد ، لقد هزمت كل الظروف القاسية التي أحاطت بك ..
-ينظر إليه "راشد" باستسلام ..
"وهل تظن إنها سوف تسامحني ؟ لقد كنتُ إنسانا قاسيا معها ، لم ارحمها أبدا "
"اطمئن ، إنه قلب الأم ، أنا متأكد بأنها قد سامحتك منذ زمن وقد ألقت اللوم على نفسها ، فهون عليك يا صديقي "
* * *
* * *
*
وفي تلك الليلة ، نام "راشد" في فراشه ، ويديه تحتضنان صورة قديمة إلى صدره، كان يعيش حلما ، وهو يرى نفس الصورة منذ زمن ..
صورة امرأة ، بملامح حزينة ، وإلى جوارها رجل في عنفوان شبابه ، ويتوسطهما صبيا تنطلق من عينيه ، ضحكات مملوءه بالشقاوة ..