مشاهدة النسخة كاملة : كوابيس بيروت
حلى الوصل
12-30-2003, 10:15 PM
كوابيس بيروت
فكرة : غادة السمان .
تأليف وحوار : حلى الوصل .
قبل ثلاث سنوات قرأت كتاب كوابيس بيروت للكاتبة اللبنانيه غادة السمان . وهي عباره عن مجموعه من المقالات كتبتها الكاتبه في زمن الحرب الأهليه اللبنانيه . بعضها كان على شكل مذكرات يوميه ... مسجلة فيها أهم الاحداث اللتي شهدتها بيروت في تلك الحقبة العصيبه السوداء .
ولأنني كنت ومازلت أهوى كتابة القصص ولا أحترفها . فقد اتخذت لنفسي طريقة أدربها بها على الكتابه . وهي قراءة القصص الشهيره أو الكتب التاريخيه أو المذكرات الشخصيه ثم بعد الانتهاء من قرائتها أحاول أن أعيد صياغتها بأسلوبي ... مضيفة إليها المشاهد والاحداث والاشخاص والحوار وكثيرا ما نتج عن ذلك قصة جديده قد تختلف كثيرا عن القصة الاصليه .
وهنا وبعد قرائتي لكتاب كوابيس بيروت .. جمعت مقالات السيده غادة السمان .. ووضعتها في قالب قصه .. كتبت حوارها .. وبنيت مشاهدها .. وجعلت من الكاتبه الحقيقيه بطلة لها .
وفي النهاية ليس مادار في أحداث هذه القصه أو الروايه تجسيدا لحياة الكاتبه و هي محاوله أدبيه متواضعه لا تعبر عن وجهة نظري ولا تمثل رأيي أو مبادئي بأحداثها وشخوصها وأفكارها .. هي محض خيال استمديته من واقع ليس بالضرورة أن أكون راضية عنه .
حلى الوصل .
.
حلى الوصل
12-30-2003, 10:32 PM
الجزء الأول
بعد ثلاثة أيام متواصلة من القصف الرهيب والمعارك الضاريه اللتي شهدها شارع الحوراني ببيروت, بدأت العربات العسكريه المحملة بالعتاد والجنود تنسحب تباعا في تكتيك سريع مخطط له ترافقها مجموعة من جنود مشاة ذوي صلف وقسوة ظاهره للعيان وقد عصبوا رؤوسهم بشرائط حمراء وشمروا عن سواعد مفتولة تقبض على بنادق ورشاشات بأنواع مختلفه .. مرسلين نظرات شزراء خبيثة صوب جنبات الشارع ومبانيه ومنعطفاته متحفزين للقاء عدو أو مباغتة باغت , ومع ذلك الإنسحاب المهيب لإحدى الطوائف المتقاتلة توقفت الإنفجارات وبدأ صوت الرصاص يتضائل تدريجيا ويبتعد إلى ما خلف المباني حتى تلاشى تماما . وأطبق بعده صمت ثقيل حذر على أرجاء المكان . اقتربت سهى بحذر من النافذه واستطاعت من فرجة صغيرة في خشبها أن ترى الشارع المنكوب اللذي كان مسرحا للقتال الهمجي الغير مبرر . وكانت ألسنة اللهب المنبعثة من الطابق العلوي لفندق الهوليدي آن المقابل لمنزلها قد خلقت سحبا سوداء كثيفة حجبت شمس الظهيرة وأغرقت الشارع المنكوب في ظلمة دامسة تتراءى خلفها المباني السكنية كأشباح ميتة لا حياة فيها أو كبقايا أطلال مهجورة انقضى عليها دهر من الزمان . وخيل إليها أنها الوحيدة اللتي تسكن هذا المكان وهي تتأمل النوافذ المغلقة والأبواب الموصدة والشارع الصامت اللذي خلى حتى من المتقاتلين أنفسهم . لكنها ما لبثت بعد لحظات أن أحست بعيون بشرية تسترق النظر خلف نوافذ البيت المقابل وأصوات مكتومة تتهامس بحذر . استراحت لهذا الاحساس وراحت عيناها تواصل جولتها في أطراف الشارع المنكوب . وفجأة اضطربت في وقفتها وراحت تركز بصرها أكثر في الفجوة الصغيرة لتتحقق من أمر ما ... شهقت بأسى واستدارت وهي تقول بعصبية :
>> لقد أحرقوا سيارتي !! حولوها إلى كومة من الرماد !! كيف سأستطيع بدونها أن أنجو من هذا الجحيم ؟!1 أولئك الأوغاد تبا لهم ! يقتلون الناس بحجة الهوية فما ذنب سيارتي كي تحرق ؟!! هل كانت مسلمة أم مسيحية أم تراها أيدت أو عارضت وجود الفلسطينيين ؟!!!.
قالت وهي تذرع الغرفة جيئة وذهابا :
>>لقد أهدرت جهدا وسنينا من عمري كي أجمع ثمنها ! كانت حلما ما تمتعت بتحقيقه سوى بضعة أشهر وهاهو الحلم يتحول إلى رماد !! اللعنة عليهم .. اللعنة ..
توقفت فجأة وهي تنظر بحنق إلى أخيها زياد , اللذي اتخذ من ركن الغرفة مكانا له وبصمت وبدون مبالاة كان ممسكا المذياع يقلب الإذاعات بين يديه . صرخت به :
· >>زياد ! ألا تسمعني ؟!!
رد بضيق :
>>أسمعك
>>لم لا ترد علي إذن ؟!!
ظل صامتا وبعصبية جرت نحوه .. انتزعت المذياع من بين يديه وهي تقول :
>>هلا أفرجت عن لسانك !! أم تراك نسيت لغة الكلام !! ثلاثة أيام وأنت قابع في ركنك .. متشبث بهذا اللعين اللذي لا يبث سوى الأكاذيب
>>يبدو أن الحرب أفقدتك صوابك ! أو أنكي اعتدت صوت الرصاص ودوي القنابل , فما عدتي تطيقين السكون !. أي إنسانة أنتي ؟!! هل تملكين من العقل مقدار ذرة ؟!! الناس تقتل بالعشرات وربما تحول نصف سكان هذا الحي إلى جثث متفحمه داخل بيوتهم . وأنتي تثورين من أجل سيارة عتيقة خربة !! أليس وجودك على قيد الحياة بعد كل هذا الجحيم اللذي عشناه نعمة وفضلا ؟!!. ألا تشكرين لأولئك المتحاربين أن منوا عليكي بساعات من الحياة , ولم يستعجلوا في تحويلك إلى جثة عفنة !!.
كانت سهى تنصت بذهول إلى زياد وترمقه بعين التساؤل والإنكار . فلقد ألفته دوما هادئا وديعا وما رأته قط ثائرا يزمجر غضبا كما تراه الآن وقد دفعتها كلماته القاسية إلى أن تحيط كتفيها بذراعيها في عناق حميم مع نفسها الخائفة . تبدلت ملامح وجهها وتعاقبت ألوانه في لحظة وارتجف بريق عينيها الساخنتين وانفرجت شفتاها الدقيقتان هولا وذعرا مما تسمع !!. أحست بأنها تلقت صفعة قوية أعادتها إلى واقعها المرير .. إنها في ساحة قتال وما تسمعه وتشاهده ليس فيلما أمريكيا هزيلا ولكنها حرب حقيقية .. بيروت تحولت إلى بركان يفور ويغلي ولسوء حظها كان الشارع اللذي تقطنه هو فوهة البركان اللتي تقذف الحمم والحجارة الملتهبة .
منذ ثلاثة أيام والمعارك الشرسة لم تتوقف والصواريخ والقذائف والمتفجرات تصول وتجول في أنحاء الشارع والهارب من ذاك الجحيم كان مصيره الموت برصاصة قناص محترف .
الأفكار تتضارب في رأس سهى , المعارك ستطول والطعام سينفذ بعد يوم أو يومين وإن نجت هي وزياد من صاروخ أعمى أو رصاصة طائشة فلن ينجوان من هلاك الجوع والعطش وربما سيظطران لأكل الفئران اللتي تملأ البيت , وحين تفنى الفئران سيظطران إلى سحب الجثث من الشارع وانتهاش لحمها .
ارتعدت فرائصها واهتز بدنها لهذا التفكير ولم تقوى قدماها على حملها فتهاوت على أقرب مقعد منها , لملمت أطرافها فيه وانزوت كقطة أليفة . مرت دقائق وهما صامتين كصمت الشارع اللذي يقطنان فيه . هاربين من إلتقاء نظراتهما الكسيرة لكيلا تفضح خوفا وضعفا وهوانا امتزج بدمائهما ., ومن إذاعة بيروت كانت الأخبار الملفقة تذاع ككل يوم وفي خبر موجز مبتورة أطرافه أعلن المذيع عن حالة الهدوء والاستقرار اللتي تنعم بها أنحاء بيروت منذ أربعة أيام , ثم انتقل إلى أخبار الحرب الأهلية في البرتغال وأسهب في سرد تفاصيلها !.
قفزت سهى من مكانها كمن لدغتها حية وجرت نحو باب شقتها فلحق بها زياد ووقف في وجهها
>>إلى أين تذهبين ؟!!
سأغادر هذا الجحيم , لن أبقى لحظة واحدة , أما زلت تأمل أن تصل نجدة لإنقاذنا ؟!!
>>ليس أمامنا سوى الانتظار .
صرخت بجنون :
>>لن انتظر .. سأرحل .
ثم هدأت حدة لهجتها وهي تقول بتوسل :
>>صدقني لا أحد يهتم بأمرنا ألم تسمع ذاك المذيع اللعين وهو يقول أن بيروت تنعم بالأمن منذ أربعة أيام !!؟.
قال وهو يعترض طريقها مادا ذراعيه :
>>لن أسمح لك بالخروج .
>>لا تضيع وقتي وابتعد عن طريقي قبل أن ينشب القتال مجددا . وعلى كل حال سيريحك رحيلي من أذا قد تسببه لك رائحة جثتي المتعفنة .
ارتسمت على ملامح زياد آي من الحزن .. أخفض ذراعيه وانزوى جانبا . كان يعرف أنه لا يستطيع أن يمنعها من الخروج فهي ما أحجمت قط في حياتها عن قرار اتخذته وما استطاع أحد أيا كان أن يثنيها عنه .
حين فتحت سهى باب الشقة وهمت بالخروج وهي تنظر خلفها نظرة المودع دوى في الأفق صوت رصاصة .
تسابقا نحو النافذة وبحذر شديد حركا إحدى دفتيها قليلا , وعلى الرصيف المقابل شاهدا ضحية رصاصة القناص , كانت قطة مضرجة بدمائها تهز إحدى رجليها بقوة أخذت تخفت تدريجيا حتى سكنت للأبد , لم يكن مقتل تلك القطة سوى رسالة تهديد من قناص محترف لكل من تسول له نفسه محاولة الهرب أو حتى مجرد المشي في الشارع .
قال زياد :
>>ألا زلتي تصرين على الخروج ؟!!
سكتت ولم تجبه , فتابع حديثه :
>>لا أظنكي ستكونين أسعد حظا من تلك القطة المسكينة طالما كان هذا القناص الشهم موجودا .
جرت قدميها بصعوبة نحو غرفتها وهناك ارتمت على سريرها وأسلمت له هواجسها وهمومها ومخاوفها حتى غلبها النوم منتهزة ساعات الهدوء المعدودة قبل أن يتجدد القتال ثانية .
حلى الوصل
12-31-2003, 02:25 PM
الجزء الثاني
حين دوى في الأفق صوت انفجار رهيب اندكت له
الأرض دكا واهتزت منه الجدران اضطرابا فعلى قرع القلوب على ما سواه خوفا
وهلعا , قامت سهى من سريرها هلعة مفزوعة .. تتحسس بشغف أطرافها
وتطمئن على أن أحدا منها لم يطر إلى ركن ما .. ولما تأكدت من سلامتها
أسلمت جسدها في سكون وغاصت من جديد في سريرها في استرخاء من هده
التعب , عيناها المفتوحتان معلقتان بالسقف وصوت خفقات قلبها القوية يؤكد
لها أنها ما زالت حية , ومضت لحظات وهي على حالها هذه تخاطب نفسها.. لقد
بدأ القتال من جديد أعنف وأشرس . أتراه ينتهي أو ينتقل إلى حي آخر ؟!! لعل
المتحاربون يأبون مغادرة المكان قبل أن يحولوه إلى أكوام من الأنقاض وبيوت
متهاوية على ساكنيها . نظرت إلى ساعة يدها , الظلام الدامس يحجب عنها رؤية
عقاربها وهي لا تدري كم من الوقت مضى عليها وهي نائمة , ساعتان أو ربما
يوم أو يومان . نظرت إلى باب غرفتها المفتوح , كان ينعكس عليه ضوء شمعة
خافت نهضت بصعوبة من سريرها ومشت نحو مصدر الضوء وكان المطبخ القريب
من غرفتها وهناك رأت زيادا واقفا أمام النار يقلب أصابع البطاطا المقلية
بالزيت .
جلست حول مائدة الطعام الصغيرة تنتظر أن تشاركه طعامه , ومرت دقائق ولم
ينطق أحدهما ببنت شفة لولا أن نظرت سهى بإمعان إلى ملامح زياد وهيئته ..
عيناه المحمومتان ونظراته الزائغة وشعره الأكث وأزارير قميصه المنفكة عن
صدره الأجرد .. كل ذلك يدل على أنه لم ينم فسألته وهي تتناول لقمتها :
>> ألم تنم
>> بلى .. نوما قصيرا متقطعا لا يغني من تعب .
ثم أردف قائلا :
>>على فكره. لم يبقى لنا في الثلاجة سوى مؤنة يوم أو يومين بالكثير فلا تسرفي الأكل بغير حاجة !
>> وهل سننتظر حتى ينفذ الطعام ؟!!
>> ما باليد حيلة ! أم أنكي تقترحين علي الخروج والتسوق ؟!!
>> لا تخف .. إن دعت الحاجة على ذلك فأنا من سيخرج .
نظرت إلى ساعة يدها وهي تقول :
>> إنها الثانية عشرة , حان موعد نشرة الأخبار .
قالت ذلك ونهضت إلى الغرفة المجاورة حيث المذياع اللذي يتلقى سخطهما
وصفعاتهما تارة ورضاهما وشفقتهما تارة أخرى .
قاطعت سهى المذيع وهي تقول بنبرة غضب لزياد الجالس الساكت بجوارها :
>> اللعنة .. إنهم يرشدون المواطنين إلى
الطرقات اللتي يشتد فيها وطئ القتال وقنص صيادي البشر .. وينصحونهم
بسلوكها ويدعون بأنها آمنة وأنا وأنت وسكان هذا الحي نعلم بأنهم لكاذبون !
هذا المذيع الكاذب الأفاق يستحق قطع لسانه .. أتراه كل يوم يمر بحينا في
طريقه إلى مقر الإذاعة ؟!! لو فعل ذلك حقا لاخترق الرصاص حنجرته وما عدنا
سمعنا صوته الكريه يبث علينا كالإمعة أكاذيب رؤساءه .. خونه
!!.. خونه ... !!
>>وهل تنجب لبنان غير الخونة اللذين تتلقى اليوم
عقابها على أيديهم ؟!
>> زيــــــــــاد !!!
>> إنها الحقيقة , ما لبنـان إلا كراقصة فاتنة في ملهى ليلي قذر , ومــــا
أولئك الخونة إلا ثمرتها المحرمه .
>> حسبك يــــا زيـاد !! حسـبك !! . لبنان لا تحتمل المزيد من التجريح والإهانة ,
ولا تنسى بأنك لبناني .
>> هذه البلد لا تعترف بي .., وأنا لا أعترف بها , وحين تنتهي حربها الملعونة
سأهجرها للأبد ..., سأرحل إلى أي بلد أوربي ولو على متن باخرة تجارية ,
اختبئ بين قمامتها .
>> حقــا ؟؟!! وهل ستجد في تلك البلاد العيشة
الهانئة التي تحلم بها ؟!
>> سأجد حياة أفضل من هنا عل كل حال .
>> أنت واهم .
قاطعها زيـــاد بحدة قــائلا :
>> لما لا تحتفظين بآرائك الوطنية وحسك القومي
لقرائك فأنا لست واحدا منهم .
>> معك حق لقد ذكرتني بمقالتي الاسبوعية .
أخذت ورقة من الأوراق المبعثرة أمامها وانزوت
بنفسها تحاول كتابة مقالتها الأسبوعية وعلى الرغم من ظروف الحصار والقصف
والخوف إلا أن القلم كان ينساب بسهولة من بين أصابعها على الورق ليكتب
سطرا وسطرين وثلاثة من سطور مقالتها .
وكما عودت الآلاف من قراءها وعشاق قلمها .. كانت مقالتها هذه المرة تلتهب
بنار الجرأة والصراحة والمواجهة , لا تجد فيها موضعا للمواراة أو التلميح أو
الكلمات الطنانة الجوفاء .
وسهى الكاتبة الثورية والناقدة اللاذعة فتاة في العشرينات من عمرها .. لا
تحمل من الشرق إلا ملامحه , القد الممشوق .. والشعر الفحمي الكثيف اللامع ,
والعينان الواسعتان ذات البريق الأخاذ , كانت جميلة التقاطيع ., شديدة الجاذبيه
في نظرتها قوة وذكاء لا حدود لهما , وفوق ذلك هي متحدثة لبقة لا يستطيع
أحد مجاراتها في الحديث .
حصلت سهى على درجة البكالريوس في الأدب الفرنسي من إحدى جامعات
بيروت ثم سافرت إلى فرنسا وهناك عملت فترة من الزمن في إحدى دور النشر
والترجمة الكبرى بباريس يملكها ثري من أثرياء العرب المهاجرين .
لم يكن قرار سفرها وليد لحظة ولا وميض فكرة طارئة .. بل كان حلما جميلا داعب
خيالها منذ أن كانت تلميذة صغيره على مقاعد الدراسة .. هو طموح رجولي
قوي للبحث عن المغامرة والنجاح والمركز العلمي والمالي .
***********
حين رفعت سهى رأسها عن التحديق في الورق بين يديها منهية بذلك مقالتها
الأسبوعية , كان زياد قد استغرق في نوم عميق وهو جالس على الأريكة مطوحا
برأسه للخلف .
نظرت إليه , تأملته مليا واسترسلت في خواطرها حين تذكرت كلماته القاسية اللتي
تفوه بها في حق لبنان .
لطالما شنت حملات قلمها على المتبرئين من أنفسهم , الهاربين من وطنهم كثعابين
يسهل عليها خلع جلدها وقت اشتداد القيظ . وتسائلت .. إن كان زياد حقيق بأن
يصنف في مجموعهم ؟! وما الفرق بينه وبينهم سوى أنهم يهجرون لبنان بطياراتهم
الخاصة تسبقهم أموالهم ومجوهراتهم إلى البنوك الأوربية .. أما زياد فسيترك وطنه
في قمامة باخرة تجارية حاملا معه يأسه وخذلانه .
سألت نفسها .. إن كان زياد جادا فيما قاله أم أن يأسه وتشاؤمه في النجاة من جحيم
الحرب دفعه لقول ما قاله !!. والحقيقة أن زيادا كافر بحب الوطن منذ الأزل , فما
أحب لبنان يوما في حياته وكان حلمه الوحيد الهجرة بلا عودة , الهجرة إلى بلد
أوروبي متحضر لا يتقزز فيه من رائحة أكوام القمامة في أركان أزقة أحياءه الضيقة
. ولا يؤذي بصره فيه منظر الأطفال الحفاة العراة الراكضين في الشوارع ...
متسولين كانوا أم لصوصا أم باعة متجولين .. بلد لا يقف فيه صباح كل يوم في
طابور طويل لشراء رغيف خبز . .. لكنه لم يكره لبنان قط كما يكرها الآن .. بل إنه يحقد عليها ويتمنى لو
أن الأرض تخسف بها فيختفي اسمها من على الخارطة .
يتبع .
حلى الوصل
12-31-2003, 10:44 PM
الجزء الثالث
الليل والظلام وهدير المدافع وزخات الرصاص .. والوحده والمصير المجهول كل
ذلك دفع غادة لأن تسترسل في خواطرها المتشائمة المتفائلة وهي مستلقية
على سريرها .. الأفكار تتضارب في رأسها والأيام المقبلة ستجعلها حائرة
بين خيارين الموت جوعا خلف قضبان البيت المحاصر أو المخاطرة بخروج
نسبة النجاة فيه واحد بالمائة . لابد أنها ستختار الخروج وتحاول النجاة ولو
ضئلت نسبتها . فذلك أقرب إلى شخصيتها التي لا تعرف الاستسلام . بيد أنها
تتسائل في حيرة هل ستكون قادرة على تنفيذ خيارها في ذلك الوقت . بل
هل ستكون قادرة على اتخاذ هذا القرار بحزم وتصميم ؟!! ولما لا ؟!! . لقد اتخذت
في حياتها قرارات كثيرة خطيره . ربما لم تكن بخطورة مواجهة الموت ولكنها
على كل حال قرارات ثورية وخطيرة ... وراحت تستعرض تلك القرارات استعراضا
سريعا من باب تشجيع الذات وتحفيزها . وكان أخطر تلك القرارات يوم أن أعلنت
لأسرتها نيتها الزواج من رجل مسلم !!.
***********
حين أحست سهى بخيط من الدفئ على أعلى وجهها مصدره شعاع من نور
الشمس تسرب عبر فتحة ضيقة طويلة في زجاج النافذة المتحطم الصامد , فتحت
عينيها بصعوبة , ورفعت رأسها ببطئ وبيديها الجافتين رتبت شعرها الأكث
الذي ما مسه مشط منذ أيام .. وسكنت لبرهة من الزمن ترقب بسمعها أجواء
المدينة المنكوبة , لا صوت للمدافع ولا للإنفجارات .. وبحذر اقتربت من النافذة
تنظر من خلفها إلى الشارع .. كان خاليا إلا من عدد من العربات المتفحمة ..
وأكوام القمامة المحترقة المتناثرة هنا وهناك .. والتفتت بسرعة وراءها حين
سمعت صوتا قويا , لقد كان زياد يفتش بإهتمام وبطريقة فوضوية في وسط
قطع الأثاث المكوم في أحد أركان الغرفة .
>> عما تبحث ؟!!
>> وجدتها !!
قال ذلك وهو يمسك في يده طفاية حريق صغيرة , قلبها بين يديه ثم قال :
>> إنها لا تنفع لإطفاء سيجارة ... هلا غليت لنا ماء لنشرب .
>> ولماذا أغلي الماء ما دام ...
قطعت حديثها وراحت تنظر إلى زياد اللذي جلس مسندا جبينه إلى كفه مطأطأ
رأسه .. وسألته بصوت خفيض :
>> هل نفذ ماء الشرب ؟!!
>>أجل لقد حان الوقت لتسد أنفكي وتتجرعي الماء الملوث
لم تتحرك سهى من مكانها وظلت واقفة حتى برقت في ذهنها فكرة فأسرعت
نحو الهاتف واتصلت بالبقال .. ولكن دون مجيب . اتصلت بدكاكين الحي كلها
لا جواب , وحين نوت الإتصال بالجيران , انقطعت الحرارة .
جلست بيأس على أقرب مقعد وهمست بحزن :
>>يا إلهي .. إنا في سجن .. بل في قبر . إن لم نمت بصاروخ سنموت
برصاصة .. أو لعلنا نموت جوعا أو عطشا أو حتى كمدا .
بعد ساعة صمت طويلة من تلك اللحظة .. بدأ صوت الرصاص يستعيد نشاطه من
جديد ويقوى شيئا فشيئا . ومضى اليوم بكامله كسابقه .. انفجارات .. ورصاص
وليس هناك أصوات أنسية سوى صيحات المتقاتلين ووقع خطواتهم الراكضة
على أرصفة الطريق .
قال زيــاد وهو يضع بين يدي سهى طبقا من اللحم المشوي :
>> ألن تأكلي ؟!!
نظرت بتأمل إلى ذاك الطبق دون أن تجيب .
>> إنها الوجبة الأخيرة من اللحم , فبعد فترة وجيزة سيتعفن وتنطلق رائحة
النتن فالكهرباء مقطوعة .
>> أنت تعلم بأني لا آكل اللحم .
>> أجل أعلم ذلك , أنتي لا تأكلينه منذ ستة أشهر .. هل ما زلتي تعتقدين أنها
لحوم بشرية ؟!!
>> وماذا عساها أن تكون إذا اشتد القتال في منطقة المسلخ , وامتلئت الشوارع
باللحم البشري المسلوخ .. المقطوع الرأس مبتور الأطراف . هل تضمن لي بأني لا
آكل قطعة من ذراع صديق مدها لي مصافحا ذات يوم ؟!!
قال زياد وهو يزدرد لقمته ازدرادا متصنعا اللامبالاة :
>> ولتكن لحوما بشرية !!
وواصل ازدراد طعامه .
هدأ صوت الرصاص وعلت في الخارج ضوضاء وجلبة وأصوات أنسية مختلطة
ونداءات من بعيد .. ووقع خطوات راكضة على الرصيف .
قام الإثنان ووقفا وراء خشب النافذة ينظران من خلال سطورها إلى الرصيف
المقابل حيث يتجمع عدد من المسلحين حول شاب صغير ملابسه تدل على فقره
وحاجته, كان ينقل بصره الفزع بين وجوه المسلحين الغليظة .. سأله أحدهم :
>> مسلم أم مسيحي ؟!!
انعقد لسان الشاب ولم يجب , بل كان يرجع بخطواته للوراء حتى اصطدم بمقاتل
واقفا خلفهوأعيد عليه السؤال ولكن بنبرة أجف وأقسى هذه المرة :
>> تكلم ما دينك ؟!!
>> أنا لبناني .
وضحك بعضهم .. استخفافا لا فرحا .. وزمجر صوت أحدهم :
>> أنت مسيحي !!
>> بل مسلم يا سيدي .. أقسم بالله إني مسلم !
وعلت قهقهة المسلحين وقال أشرسهم :
>> إنك الرجل المطلوب .. هاه كيف تحب أن تموت ؟!!
>> ولكن .. ما ذنبي ؟!!
>> ألا تعرف ذنبك يا ابن ال ( .. ) ذنبك أنك مسلم ملعون .. وبالأمس قتل
المسلمون أخي وهو يؤدي عمله مع رجال الإطفاء .
وصاح مسلح على بعد عدة أمتار منهم :
>> اطلقوا عليه رصاصتين في عينيه وخلصونا .
ورد آخر :
>> بل نأخذه أسيرا
وعاد صوت المسلح الشرس :
>> بل نسأله كيف يحب أن يموت :
>> لا أريد أن أموت ..
قال الشاب ذلك وهو يجهش بالبكاء فانهالت عليه صفعة قوية من المسلح :
>> إلعن (... ) شو مغفل !!
ولما اختلف المسلحون حول طريقة قتله أين وكيف ومتى وانشغلوا في النقاش
والتشاور .. انتهز الشاب لحظة اختلافهم فأطلق ساقيه للريح محاولا الهرب . لكن
الرصاص الذي اخترق جسده كان أسرع , وسقط الشاب متخبطا في دمائه .
منكفيا على وجهه .. وركب المسلحون سيارتهم وانطلقوا هاربين .
نظر زياد إلى وجه سهى فوجد دمعتين قد تعلقتا بأهداب عينيها وهي صامتة
تنظر إلى جثة الشاب الممدة على الرصيف .
يتبع
حلى الوصل
01-04-2004, 05:03 PM
الجزء الرابع
توقف المطر اللذي انهمر مع الغروب واختفى وميض البرق وهدأت ثورة الرعد وبدأت جموع السحاب السوداء بالانسحاب .. فعادت السماء زرقاء صافية وعاد الهدوء المخيف يخيم على المكان من جديد . إنه هدوء المقابر وسكون الموتى ورغم الظلام الدامس استطاعت سهى أن ارى على ضوء القمر الذي اكتمل فصار بدرا جثة الشاب مطروحة مكانها على الرصيف وعلى بعد عدة أمتار منها تجمعت مياه الأمطار في حفرة عظيمة صنعتها إحدى القذائف في وسط الطريق .
تمنت في تلك الحظات لو تسمع صوتا أنسيا أوتشعر بدبيب للحياة يبدد ذلك الوجوم الرهيب الذي رأت وجهه القبيح وأحست بيديه تطبق على رقبتها فكادت أن تصرخ بعلو صوتها لولا أن سبقها رنين الهاتف فجرت نحوه وتعثرت في طريقها, لكنها نهضت بسرعة ورفعت سماعة الهاتف بشغف وكانت المتحدثة سكرتيرة رئيس تحرير المجلة اللتي تعمل بها , دار بينهما حوار سريع , لا سلام فيه ولا تحايا مخافة أن تنقطع الحرارة . لقد أخبرت سهى بأن رئيس التحرير سيبعث من يخرجها من هذا الجحيم وما عليها سوى انتظار مكالمة أخرى قريبة تخبرها بموعد مغادرتها . وانتهت المكالمة .
انطلقت سهى تزف الخبر إلى زياد الذي ما حرك جفنا بل أدار ظهره لها صامتا وهو خارج .. سألته إلى أين ؟!!
_ إلى جارنا العم فؤاد , سأسله عن طريقة تزودنا بمؤنة .
وجلست هي على الارض متكأة بظهرها على الجدار المقابل للهاتف , تنظر إليه بأمل الغريق .. تتحسس صوت النجاة , وتمني النفس بسماع رنينه , ولم تكن تعلم أن الوقت سيطول قبل أن تسمع صوته من جديد . ولما طال انتظارها , راحت تفكر بطريقة تسلي بها نفسها وتشغل بها عقلها عن التفكير , وتذكرت بأنها تحتفظ بزاوية المطبخ بصحف قديمة عمر بعضها يصل إلى ستة أشهر . وانكبت على تلك الصحف تقرأها بشغف وتستعيد معأسطرها حكاية انظلاق شرارة الحرب الأهلية الملعونة .
العناوين تحمل أخبارا عن معارك بالفؤوس بين المزارعين في مناطق مختلفة من لبنان , يحركها كبار الباشوا ت النتعصبين لمذهبهم أو ملتهم . تشابك بالأيدي بين السنة والشيعة بالجنوب , وأعمال شغب تندلع بالشمال تسفر عن حرق منازل للمسلمين وقتل ثلاثة مسيحيين وجرح خمسة وعشرين من الفريقين .
لم تحتمل قراءة المزيد من تلك الأخبار اللتي عاشتها وذاقت مرارة تبعاتها . فكومت ما كان أمامها من صحف وأطبقت عليها بكلتي يديها , وفي هذه اللحظة سمعت وقع طرقات على باب شقتها , فقامت لتفتحه .
كان العم فؤاد ببابها وهو شيخ وقور في حوالي السبعين من عمره , مغضن الوجه, هادئ الملامح , سمح المحيا , قد كلل البياض شاربه ولحيته . سألها بصوته الأجوف :
_ هل عاد أخوكي ؟!
بدت كفاقد للذاكرة يستعيد ذاكرته فجأة وهي تقول :
_ أخي ؟!! ماذا تقصد ؟! لقد نزل إليكم منذ ساعات .
وبأسى رد عليها الرجل العجوز :
_ أجل لكنه غادرنا . قال بأنه سيأتي بنجدة غذائيه .
_ ولماذا تركته يغادر ؟!!
_ أصر على ...
قاطعته بنبرة عتاب وملامة :
_ كان عليك أن تمنعه ولو بالقوه .. إنه أعزل . والقناصة يملأون الشوارع .
**********
تلك الليلة اللتي نبأها فيها العم فؤاد بمغادرة زياد للمنزل . كانت ليلة مختلفة بالنسبة لها . حتى الزمان والمكان بديا لها جديدان ومختلفان . أحست بالحرب أكثر ضراوة وأشد وطأة . خيل إليها في اللحظات الأولى حين تركها العم فؤاد ومضى إلى شقته وهي تسمع صوت الرصاص يعاود هديره أنها هذه المرة قابعة في فوهة مدفع لأحد الفريقين المتقاتلين . الإنفجارات أعنف والقنابل كأنها تفرقع في كبدها . وصوت الرصاص يخترق مسامات جلدها وينفذ إلى نخاع عظمها .
أحست بالخوف أكثر من أي وقت مضى . شعرت بأنها وحيدة , وغريبة وضعيفة . ولم تكن قد شعرت بذاك من قبل .
وفي ذروة يأسها وحزنها لم ترحمها الأفكار السوداء , فراحت تنخر جدران عقلها وتدمر بقايا قدرتها على التركيز فيما حولها . تخيلت مصير أخيها الغائب ورأته في أكثر من صورة .
رأته ممدا في شارع قريب , وقد اخترق الرصاص رأسه , رأته مبتور الأطراف مجذوذ الرأس مكوم في ركن بإحدى الشوارع . وفي صورة أخرى رأت المسلحين يدلقون عليه جالونا من البنزين ثم يشعلون فيه النار وهو حي يصرخ .
وفي محاولة يائسة لإنقاذ الذات من براثن تلك الأفكار والخواطر اللتي لا ترحم راحت سهى تقنع نفسها بأن زياد ما خرج ليبحث عن نجدة غذائية ليعود بها ... لقد هرب . بل لقد خطط لهربه ونفذه ببراعة وتركها غير عابئ أو مهتم . قالت لنفسها المسكينة لعله الآن في إحدى المقاهي أو الفنادق بعيدا عن مناطق القتال .
يتبع
vBulletin® v3.7.3, Copyright ©2000-2009, Jelsoft Enterprises Ltd.