بدرالعذاري
09-10-2005, 01:37 PM
العلبة
لا أعلم بماذا أصفها؟ أبالرائعة، أم بالمثال الحي للأنوثة المتكاملة؟ أم بعذراء الفؤاد؟ أعتقد أن عذراء الفؤاد مناسبة.. بل إنها المناسبة!!
- وجدت اللقب المناسب!!!!
انطلقت تلك العبارة من فمي دون أن اشعر، وما لبثت أن أطلت أختي سمية من باب الحجرة متسائلة:
- هل ناديت أحداً أم أنك عدت تحدث نفسك مجدداً ؟
أخ! أصبحت شقيقتي تضبطني معظم الأحيان وأنا أحدث نفسي، بيد أنها تعرف السبب، لذا اكتفيت بالابتسام.
- لابد وأنها هبة، لقد افقدتك هذه الفتاة صوابك يا أخي العزيز!
لقد كانت سمية محقة إذ منذ أن عُقِد قراني على هبة وأنا في حالة من الهيام الشديد لربما فاق الغرام الذي بين قيس وليلى! بات يخفق قلبي فور ذكرها وها أنا اليوم سأقوم بزيارتها، ليست هذه هي المرة الأولى ولا إذكر كم مرة زرتها فيها لأنني عند كل زيارة أفاجأ بما هو جديد وجميل و –كما يبدو- أن افتتاني بها أنساني عدد زياراتي لها!
**********
هاهي ذي قادمة حاملة الشاي، إنها تبدو آية في الجمال بأناقتها البسيطة ووقار خطواتها، ما إن قدمت لي الفنجان حتى نطق لساني:
- أي عذراء فؤادي!
صدرت منها ضحكة خفيفة مالبثت أن اختفت برعة ليكسو وجهها صمت غريب كسرتْ جداره بقولها:
- أنت تبالغ إذ لا استحق هذا اللقب!
تذكرت ما قالته سمية عن شدة تواضعها فقلت:
- تواضعك هذا يجعل كفتك ترجح أمام كفة جميع نساء العالم!
توقعت منها أن تبادرني بمزحة كالمعتاد كلما بالغت في اطرائها، لكنني فوجئت بسحنة الكآبة وقد غطت وجهها، فسألتها عما أصابها فأجابت:
- اطراؤك هذا يزيدني تعاسة ويدفع بدائرة عقدة الذنب التي بداخلي للاتساع.
اطراء.. بؤس.. عقدة ذنب؟!!
- هل يعقل أن يكون اطرائي قد ازعجك لهذه الدرجة؟
- نعم، لأنه.. لأنني....
صمتت ولم تكمل وكأنها لا ترغب بالحديث، حاولت أن اطمئنها ولمست يدها فسحبتها يسرعة كأنها ترفض تعاطفي معها:
- لماذا؟
- أنا آسفة!
- وعلام تعتذرين؟ أشعر وكأني أنا المذنب، فهل فعلت شيئاً يضايقك؟
- لا ليس أنت، بل هو!
هو!!
- ومن هو؟
ترددت قليلاً قبل أن ترد:
- حاولت أن اخبرك ولكنني لم أعد احتمل...
خالجني شعور بأن أمراً خطيراً سيلي عبارتها هذه، أردت أن أغير الموضوع بيد أن لساني انعقد فجأة وكأنه حُــتـِّم علي أن اسمع الباقي:
- سامحني يا سامي لأنني كنت.. كنت قد أحببت شخصاً و...
ولم اتمكن من سماع ما تلى عبارتها تلك، يكفيني أني صُدمت حين ذكرتْ أنها أحبت شخصاً غيري وقبلي! أيمكن أن يكون قبولها بي من باب نسيان ذلك الحب؟ ولكن سمية أكدت لي نزاهتها، فهل يعقل أن يكون أحد الشبان الذين حاولوا خطبتها ثم قوبلوا بالرفض؟ أم تراها مزحة؟ لا! لا يمكن المزاح في أمر كهذا!!
- أترى هذه العلبة؟
قطع سؤالها حبل أفكاري، وبتلقائية نظرت إلى يدها التي حملت علبة فضية مسطحة نُقش في وسطها قلب صغير مذهّب:
- ما زلتُ احتفظ بصورته فيها..
لم استطع تصديق ما سمعته اذناي! أكان حبها له لدرجة أن تحتفظ بصورته حتى بعد ارتباطنا؟
- انت تعرف صاحب الصورة جيداً، فهو من المقربين إليك وأنت تحبه أيضاً!
آه.. أي يوم نحس هذا الذي أنا فيه! واي يوم بؤس حين قدمت اليوم! أوض تبلغ بها الجرأة أن تصارحني هكذا؟ أوَ تبلغ بوقاحة حبيب أن يظل حبيباً لها بوجودي؟ وماذا عن حبي؟ حبي لها.. أغدا ضائعاً؟ إنني انا من ضاع في غيابة الحيرة والألم والحسرة.
مدّتْ يدها نحوي لتناولني العلبة، اتعلمون ماذا فعلتُ؟ لقد أخذتها! أخذت العلبة. لا أدري أبضعف مني أم أنه الفضول؟ بصراحة: لم أشعر أنني بوعيي حينها، امسكت بالعلبة وفتحتها!
أتدركون مالذي حصل بعدها؟ ما إن رأيت صاحب الصورة حتى غرقت في دهشة كبيرة وغضب عارم، هذه المزيج من المشاعر دفع بدمي للغليان ومالبث ان انفجر كالبركان، حاولت أن أقبض على هبة، غير أنها توقعت ردة فعلى هذه فنهضت يسرعة قبل أت تطالها يدي وركضت إلى اقصى الحجرة وهي تضحك.
نهضت بدوري واتجهت نحوها ثم وقفت أمامها على بعد مسافة غير كبيرة، رمقتها بنظرات باردة كانت تضايق أصدقائي حين كنت ارمقهم بها، وبالفعل أظهرت تلك النظرات مفعولها، إذ أن المرح والدهاء اللذان كانا يتراقصان في عينيها اختفيا لتحل محله نظرة الاستحياء والخجل:
- لماذا أقدمت على فعلةٍ كهذه؟
- أردت أن امتحن شخصيتك
- تمتحنينني! أتعلمين؟ لو أن رجلا غيري قامت امرأته بامتحانه بهذه الطريقة لأهداها صفعة وغادر بلا عودة
- لكنك لم تفعل ذلك
- ولن أفعل لأنني أرى في ضرب المرأة نقص في الرجولة
- أي أنه لو لم يعني ضرب المرأة نقص في الرجولة لقمت بضربي؟
- عندها سيكون هناك سبب آخر يمنعني من ضربك
- هكذا إذن! وما هو السبب الآخر؟
قامت بشبك أصابعها خلف ظهرها وهي ترمقني بنظرات تساؤل مرحة، لَـكَـمْ تعجبني حين تفعل ذلك!
- ويحي! كانت سمية محقة حين قالت أنك تفقدينني صوابي!!
فردّت على استحياء:
- أنا آسفة!
- أما كانت هناك طريقة أخرى تمتحنينني بها؟ طريقة أفضال من هذه.
- اعذرني إلا ان ادعاء منافس آخر يثير حفيظة الرجل، فإن كان من النوع الذي يسئ الظن فسيتصرف برعونة وتهور، وإن كان متبلد الحس فاقد النخوة فلن يعبأ بالأمر، أما لو كان رزيناً وحكيماً فإنه سيوازن الأمور ويقيسها ويقلب فكره..
- حتى يتشتت ذهنه ويغرق في بحر لا قاع له.
- كلا، ما قصدت هذا!
- لكن هذا ما حصل لي: لقد جرحت!
- سامحني إذ لم اقصد جرح مشاعرك، حسبتك قد تعرفت عليه
- وكيف لي أن أعرف؟
- لقد وصفته لك وكيف يبدو، وأن هناك تشابها كبيراً
- لم اسمع بشئ من هذا لأن ذهني كان مشتتاً
- ألهذه الدرجة؟ على أي حال لقد اجتزت الامتحان بنجاح وتأكدت بأنك الرجل المناسب لبناء أسرة مستقرة
لم أعلق على عبارتها الأخيرة فموضوع تكوين أسرة أملا آخر، لذا عدنا وجلسنا من جديد:
- لقد برد الشاي!
- سأحضر غيره
بعد أن احضرت هبة شايا ساخنا استأنفنا حديثنا متناسيين ما حصل، وقبل أن أغادر خاطبتها بقولي:
- أتعلمين؟ هناك أمر واحد فقط اعجبني فيما يتعلق بصاحب الصورة
- حقاً! وما هو؟
- عندما ذكرت أنك احببته، فاحتفاظك بصورته دليل بقائك على حبه...
توقفت عن حديثي برهة لأرى علامات الخجل جلية على وجهها:
- ... لذا قررت أن احتفظ بالصورة!
بعد عبارتي الأخيرة قمت بدسّ العلبة في جيبي، في حين أن سحنة هبة انقلبت لتحل محلها أمارات الانفعال:
- ولكن العلبة هدية من معلمة الرياضيات
- تذكرت الآن: اخبرتني سمية أنها كانت معلمتك المفضلة، إذن اصبح لدي سبب آخر يدفعني لأخذها
- ولكنها من أعز ما أملك!
- وهذا سبب ثالث كي احتفظ بها
- ولكن يا سامي.. سامي!!!
**********
بعد ذلك اليوم لم تفتأ هبة تسأل عن العلبة: في حفل الزفاف وبعده، وفي شهر العسل وبعده لم تكف عن المطالبة بها، غير أني اصررت على عدم اعادتها إليها والاحتفاظ بها، وما زلت على موقفي حتى أني خبأتها في مكان لا تعرفه، وذات يوم اخرجت العلبة من درج سري بمكتبي وفتحتها: أخذت اتأمل الصورة وأنا استرجع أحداث ذلك اليوم، صدقوني لم اضحك في حياتي بقدر ما ضحكت وأنا اتذكر نفسي حينها! بعد ذلك رأيت زوجتي تطل من باب الغرفة قائلة:
- أتضحك مع نفسك؟
أجبت وأنا ألوح بالعلبة الفضية:
- اتذكرين ذلك اليوم؟
توقعت منها أن تقفز فرحاً وتنتزعها من يدي، لكن توقعاتي باءت بالفشل فقد اكتفت هذه بالابتسام قائلة:
- يمكنك الاحتفاظ بها، فعندي ما هو أهم منها الآن!
ثم تحسست بطنها المنتفخة وتابعت:
- هيا فطعام الغداء جاهز
لقد اصبحت تعرف متى أكون جائعاً، بينما مازلت غير قادر على التكهن بتصرفاتها خاصة وهي حامل! لذا قمت بإعادة العلبة إلى لدرج، ثم وجهت الخطى نحو المطبخ.
يا سلام! رائحة الطعام شهية.. إنه موعد الغداء لذا إلى اللقاء!!
ملاحظة: لم تحتوِ العلبة على أدنى صور- كل ما كان بداخلها مرآة فحسب!
مع تحيات
بدر العذاري
لا أعلم بماذا أصفها؟ أبالرائعة، أم بالمثال الحي للأنوثة المتكاملة؟ أم بعذراء الفؤاد؟ أعتقد أن عذراء الفؤاد مناسبة.. بل إنها المناسبة!!
- وجدت اللقب المناسب!!!!
انطلقت تلك العبارة من فمي دون أن اشعر، وما لبثت أن أطلت أختي سمية من باب الحجرة متسائلة:
- هل ناديت أحداً أم أنك عدت تحدث نفسك مجدداً ؟
أخ! أصبحت شقيقتي تضبطني معظم الأحيان وأنا أحدث نفسي، بيد أنها تعرف السبب، لذا اكتفيت بالابتسام.
- لابد وأنها هبة، لقد افقدتك هذه الفتاة صوابك يا أخي العزيز!
لقد كانت سمية محقة إذ منذ أن عُقِد قراني على هبة وأنا في حالة من الهيام الشديد لربما فاق الغرام الذي بين قيس وليلى! بات يخفق قلبي فور ذكرها وها أنا اليوم سأقوم بزيارتها، ليست هذه هي المرة الأولى ولا إذكر كم مرة زرتها فيها لأنني عند كل زيارة أفاجأ بما هو جديد وجميل و –كما يبدو- أن افتتاني بها أنساني عدد زياراتي لها!
**********
هاهي ذي قادمة حاملة الشاي، إنها تبدو آية في الجمال بأناقتها البسيطة ووقار خطواتها، ما إن قدمت لي الفنجان حتى نطق لساني:
- أي عذراء فؤادي!
صدرت منها ضحكة خفيفة مالبثت أن اختفت برعة ليكسو وجهها صمت غريب كسرتْ جداره بقولها:
- أنت تبالغ إذ لا استحق هذا اللقب!
تذكرت ما قالته سمية عن شدة تواضعها فقلت:
- تواضعك هذا يجعل كفتك ترجح أمام كفة جميع نساء العالم!
توقعت منها أن تبادرني بمزحة كالمعتاد كلما بالغت في اطرائها، لكنني فوجئت بسحنة الكآبة وقد غطت وجهها، فسألتها عما أصابها فأجابت:
- اطراؤك هذا يزيدني تعاسة ويدفع بدائرة عقدة الذنب التي بداخلي للاتساع.
اطراء.. بؤس.. عقدة ذنب؟!!
- هل يعقل أن يكون اطرائي قد ازعجك لهذه الدرجة؟
- نعم، لأنه.. لأنني....
صمتت ولم تكمل وكأنها لا ترغب بالحديث، حاولت أن اطمئنها ولمست يدها فسحبتها يسرعة كأنها ترفض تعاطفي معها:
- لماذا؟
- أنا آسفة!
- وعلام تعتذرين؟ أشعر وكأني أنا المذنب، فهل فعلت شيئاً يضايقك؟
- لا ليس أنت، بل هو!
هو!!
- ومن هو؟
ترددت قليلاً قبل أن ترد:
- حاولت أن اخبرك ولكنني لم أعد احتمل...
خالجني شعور بأن أمراً خطيراً سيلي عبارتها هذه، أردت أن أغير الموضوع بيد أن لساني انعقد فجأة وكأنه حُــتـِّم علي أن اسمع الباقي:
- سامحني يا سامي لأنني كنت.. كنت قد أحببت شخصاً و...
ولم اتمكن من سماع ما تلى عبارتها تلك، يكفيني أني صُدمت حين ذكرتْ أنها أحبت شخصاً غيري وقبلي! أيمكن أن يكون قبولها بي من باب نسيان ذلك الحب؟ ولكن سمية أكدت لي نزاهتها، فهل يعقل أن يكون أحد الشبان الذين حاولوا خطبتها ثم قوبلوا بالرفض؟ أم تراها مزحة؟ لا! لا يمكن المزاح في أمر كهذا!!
- أترى هذه العلبة؟
قطع سؤالها حبل أفكاري، وبتلقائية نظرت إلى يدها التي حملت علبة فضية مسطحة نُقش في وسطها قلب صغير مذهّب:
- ما زلتُ احتفظ بصورته فيها..
لم استطع تصديق ما سمعته اذناي! أكان حبها له لدرجة أن تحتفظ بصورته حتى بعد ارتباطنا؟
- انت تعرف صاحب الصورة جيداً، فهو من المقربين إليك وأنت تحبه أيضاً!
آه.. أي يوم نحس هذا الذي أنا فيه! واي يوم بؤس حين قدمت اليوم! أوض تبلغ بها الجرأة أن تصارحني هكذا؟ أوَ تبلغ بوقاحة حبيب أن يظل حبيباً لها بوجودي؟ وماذا عن حبي؟ حبي لها.. أغدا ضائعاً؟ إنني انا من ضاع في غيابة الحيرة والألم والحسرة.
مدّتْ يدها نحوي لتناولني العلبة، اتعلمون ماذا فعلتُ؟ لقد أخذتها! أخذت العلبة. لا أدري أبضعف مني أم أنه الفضول؟ بصراحة: لم أشعر أنني بوعيي حينها، امسكت بالعلبة وفتحتها!
أتدركون مالذي حصل بعدها؟ ما إن رأيت صاحب الصورة حتى غرقت في دهشة كبيرة وغضب عارم، هذه المزيج من المشاعر دفع بدمي للغليان ومالبث ان انفجر كالبركان، حاولت أن أقبض على هبة، غير أنها توقعت ردة فعلى هذه فنهضت يسرعة قبل أت تطالها يدي وركضت إلى اقصى الحجرة وهي تضحك.
نهضت بدوري واتجهت نحوها ثم وقفت أمامها على بعد مسافة غير كبيرة، رمقتها بنظرات باردة كانت تضايق أصدقائي حين كنت ارمقهم بها، وبالفعل أظهرت تلك النظرات مفعولها، إذ أن المرح والدهاء اللذان كانا يتراقصان في عينيها اختفيا لتحل محله نظرة الاستحياء والخجل:
- لماذا أقدمت على فعلةٍ كهذه؟
- أردت أن امتحن شخصيتك
- تمتحنينني! أتعلمين؟ لو أن رجلا غيري قامت امرأته بامتحانه بهذه الطريقة لأهداها صفعة وغادر بلا عودة
- لكنك لم تفعل ذلك
- ولن أفعل لأنني أرى في ضرب المرأة نقص في الرجولة
- أي أنه لو لم يعني ضرب المرأة نقص في الرجولة لقمت بضربي؟
- عندها سيكون هناك سبب آخر يمنعني من ضربك
- هكذا إذن! وما هو السبب الآخر؟
قامت بشبك أصابعها خلف ظهرها وهي ترمقني بنظرات تساؤل مرحة، لَـكَـمْ تعجبني حين تفعل ذلك!
- ويحي! كانت سمية محقة حين قالت أنك تفقدينني صوابي!!
فردّت على استحياء:
- أنا آسفة!
- أما كانت هناك طريقة أخرى تمتحنينني بها؟ طريقة أفضال من هذه.
- اعذرني إلا ان ادعاء منافس آخر يثير حفيظة الرجل، فإن كان من النوع الذي يسئ الظن فسيتصرف برعونة وتهور، وإن كان متبلد الحس فاقد النخوة فلن يعبأ بالأمر، أما لو كان رزيناً وحكيماً فإنه سيوازن الأمور ويقيسها ويقلب فكره..
- حتى يتشتت ذهنه ويغرق في بحر لا قاع له.
- كلا، ما قصدت هذا!
- لكن هذا ما حصل لي: لقد جرحت!
- سامحني إذ لم اقصد جرح مشاعرك، حسبتك قد تعرفت عليه
- وكيف لي أن أعرف؟
- لقد وصفته لك وكيف يبدو، وأن هناك تشابها كبيراً
- لم اسمع بشئ من هذا لأن ذهني كان مشتتاً
- ألهذه الدرجة؟ على أي حال لقد اجتزت الامتحان بنجاح وتأكدت بأنك الرجل المناسب لبناء أسرة مستقرة
لم أعلق على عبارتها الأخيرة فموضوع تكوين أسرة أملا آخر، لذا عدنا وجلسنا من جديد:
- لقد برد الشاي!
- سأحضر غيره
بعد أن احضرت هبة شايا ساخنا استأنفنا حديثنا متناسيين ما حصل، وقبل أن أغادر خاطبتها بقولي:
- أتعلمين؟ هناك أمر واحد فقط اعجبني فيما يتعلق بصاحب الصورة
- حقاً! وما هو؟
- عندما ذكرت أنك احببته، فاحتفاظك بصورته دليل بقائك على حبه...
توقفت عن حديثي برهة لأرى علامات الخجل جلية على وجهها:
- ... لذا قررت أن احتفظ بالصورة!
بعد عبارتي الأخيرة قمت بدسّ العلبة في جيبي، في حين أن سحنة هبة انقلبت لتحل محلها أمارات الانفعال:
- ولكن العلبة هدية من معلمة الرياضيات
- تذكرت الآن: اخبرتني سمية أنها كانت معلمتك المفضلة، إذن اصبح لدي سبب آخر يدفعني لأخذها
- ولكنها من أعز ما أملك!
- وهذا سبب ثالث كي احتفظ بها
- ولكن يا سامي.. سامي!!!
**********
بعد ذلك اليوم لم تفتأ هبة تسأل عن العلبة: في حفل الزفاف وبعده، وفي شهر العسل وبعده لم تكف عن المطالبة بها، غير أني اصررت على عدم اعادتها إليها والاحتفاظ بها، وما زلت على موقفي حتى أني خبأتها في مكان لا تعرفه، وذات يوم اخرجت العلبة من درج سري بمكتبي وفتحتها: أخذت اتأمل الصورة وأنا استرجع أحداث ذلك اليوم، صدقوني لم اضحك في حياتي بقدر ما ضحكت وأنا اتذكر نفسي حينها! بعد ذلك رأيت زوجتي تطل من باب الغرفة قائلة:
- أتضحك مع نفسك؟
أجبت وأنا ألوح بالعلبة الفضية:
- اتذكرين ذلك اليوم؟
توقعت منها أن تقفز فرحاً وتنتزعها من يدي، لكن توقعاتي باءت بالفشل فقد اكتفت هذه بالابتسام قائلة:
- يمكنك الاحتفاظ بها، فعندي ما هو أهم منها الآن!
ثم تحسست بطنها المنتفخة وتابعت:
- هيا فطعام الغداء جاهز
لقد اصبحت تعرف متى أكون جائعاً، بينما مازلت غير قادر على التكهن بتصرفاتها خاصة وهي حامل! لذا قمت بإعادة العلبة إلى لدرج، ثم وجهت الخطى نحو المطبخ.
يا سلام! رائحة الطعام شهية.. إنه موعد الغداء لذا إلى اللقاء!!
ملاحظة: لم تحتوِ العلبة على أدنى صور- كل ما كان بداخلها مرآة فحسب!
مع تحيات
بدر العذاري