mansur
03-26-2002, 05:13 AM
اجزء الثاني
- (الأمر بسيط، أحد أقاربي يعمل ضابطاً في المباحث.. وطلبت منه تقصي كل شيء عن حياتك، ..أرسل لمباحث عسير وبسهوله وصلتني كل الأخبار)
- (مباحث ... هل وصل اسمي للمباحث... أعوذ بالله...)
- (وهل تضن أنه للتوِّ يصل... إنه عندهم من زمن سحيق)
- (ماذا)
- (الأمر طبيعي، كل مواطن يأخذ بطاقة يكون اسمه لدى المباحث وهذا في كل بلد)
- (ممكن!!)
- (بل أكيد...)
- (أكيد...)
- (بل ممكن...)
...هـ ...هـ ...هـ
... الأنس يغمر كل شيء، ..أحس حمدان بشيء يزيح كل الفراغ من قلبه، ويُحل بدلاً منه السعادة، ..ولكن يبقى السر الكبير الذي لم ينفتح الباب عن كنهه ...أوه ليته ينفتح.
- (ريم.. بقي أنت أريد معرفة كل شيء عنك..)
- (المسألة ستطول، ..ولكن سأختصر:
(اسمي ريم، ..أبي رحمه الله كان ثرياً جداً... مات ولم يخلف أحداً سواي... تركني مع أمي الأرملة في هذا القصر، ..ترك لنا أموالاً وعقارات كثيرة... وخَدَماً كانوا عتقاء له.. في السابق حياتنا تماماً كحياة الأمراء... كنا في حياة أبي نَحْتَكُّ بالطبقات الراقية في المجتمع، والثرية، .. ولكن وفاة والدي كانت صدمة قوية لأمي... مات والدي وعمري لا يجاوز الخمس سنوات... انظر... هذه هي صورته، ..أحتفظ بها دائماً في حقيبتي، وأدعو له كلَّما تذكرته... صُدمت أمي بوفاة والدي، ..عمرها آنذاك اثنان وثلاثون، ...تركت جميع علاقاتها السابقة، واستقرت استقراراً كلياً في المنزل، وتفرغت لعبادة الله أشبه بصوفية، ..خطبها الخطاب من كل مكان ولكنها رفضت ...بذلت الكثير لتُربيني، وأرجو أن تكون نجحت في ذلك، وبعد تخرجي من الثانوية... دخلتُ معهد الممرضات .
...لم أكن في البداية مقتنعة به، ولكنَّ مجموعي في الثانوية لم يكن يؤهلني لدخول أي كلية... هذا المعهد أشبه بكلية صحية... وهو يعطي دبلوم عالي... وبعد أن تخرجت منه عملت في المستشفى، ...ليس لي حاجة بالمال ولكن الفراغ عدو لدود ...لذا استعنت بالله... وواصلت عملي كنت والحمد لله مضرب مثل للالتزام بحشمتي، ولم أكن أدقق النظر إلى أي رجل... كنت أقوم بعملي، وكأن الرجال أجسام فخّارية... حتى قُدِّر لي أن أراك.
- (وماذا في رؤيتك لي!!)
- (هذا سر سأقوله لك لاحقاً... وهناك سرٌ ربما لن أقوله لك مطلقاً، والسر الثالث سأقوله لك الآن).
- (أسرار!!! ثلاثة !! أسرار ماذا)
5 ــ السر الثالث والسر الثاني
ابتعلت ريم ريقها ببطء، ثم دققت النظر صوب ندبة صغيرة في خد حمدان، بعدها أطرقت إلى الأرض، وازدادت زفراتها قوة.
- (ما هو السر الذي تريدين قوله لي يا... ريم أليس كذلك)؟
... أعادت ريم النظر إلى حمدان وقالت:
- كنت شابة يافعة، لم أجاوز السادسة عشر من عمري أجهل الكثير من بدهيات الحياة، لا أعرف سوى المرح، ...والدتي كانت حريصة كل الحرص على إحسان تربيتي، كنت حينها محطَّاً لأنظار الكثير من الشباب الباحثين عن زوجة متدينة. وفعلاً تقدم للزواج مني شاب، كان شاباً مكتملاً من جميع جوانب الرجولة والمروءة، إلا أنني لم أرغب في إكمال الزواج بمجرد رؤيتي له، بقيت أمي تقنعني حتى اقتنعت أخيراً، ولكن الزواج لم يتم .
- (لماذا لم يتم الزواج؟)
- (هذا قدر الله، لم يتم الزواج لسبب لا يمكن لي أن أذكره لك الآن، لأنه يتعلق بالسر الثاني، ربما سأذكره لك لاحقاً).
...كانت ملامح ريم تتغير بسرعة مع كل كلمة تقولها، وكان الاضطراب متمالكاً لكل بدنها... وبدأت زفراتها ترتفع بشكل مخيف وأخيراً وضعت وجهها بين كفيها وبدأت في البكاء الشديد. موقف حمدان أشبه بموقف المذهول، لم يستطع فعل أي شيء،
..كاد يبكي معها... وضع يده بدون شعور على كتفها وقال لا عليك... اطمئني...
... رفعت رأسها ونظرت إليه وكأنها تلومه على هذه الحركة أجابها معتذراً: (آسف لم أقصد...) وبدأت عيناه لحظتها تذرف دمعات ساخنة... وقامت ريم وبكاءها يتبعها ، انطلقت حتى تغيبت داخل الباب،
...همّ حمدان على الهروب... ولكن يبدو أن أم ريم كانت ترقب الموقف كله، وكانت جالسة جوار الباب... دخلت بمجرد قيام ابنتها... قال حمدان:
- (صدقيني يا خالة... لم أسيء لها... لم أقم تجاهها بأي خطأ .. صدقيني... والله العظيم...)
- (أعرف يا بني... سأكمل أنا سرد بقية القصة... أو بمعنى آخر سأخبرك عن السر الثاني.. أما الثالث فهو يرجع لها هي..
- (لقد رفضت ريم الزواج من ذاك الشاب في البداية بسبب حلم رأته... كانت تُسميه رؤيا وكنت أنا أسميه حلماً حتى صباح أمس، ... وصباح أمس فقط أيقنت أنها رؤيا)
- (ماذا)
... قبل أن يتقدم خطيبها هذا لخطبتها رأت في المنام أن أباها يأتي نحوها بثياب بيض ... ويمسك شاباً بيده... ثم يتقدم هو والشاب نحوها... كانت ترى نفسها في صحراء قاحلة،.. وأبوها يتقدم لها شيئاً فشيئاً، كانت تشعر بعطش وجوع، والريح الحارة تحثو في وجهها التراب،
... عندما افترب أبوها منها، رأت أنها تنطلق لتقابله فأشار بيده قائلاً: (لا، لن تستطيعي الاقتراب مني أكثر، ولكن خذي بيد هذا الشاب، ..هذا زوجك وسيكون في حبه لك بمنزلة أباك، .. أنت يتيمة، مات أبوك قديماً، ولكن زوجك هذا سيكون حتماً مثل أبوك... بارك الله لك فيه يا بنتي.
...اختفى أبوها تدريجياً، واقترب الشاب حتى أمسك بيدها... وبمجرد إمساكه بيدها برزت أمامهما حدائق وأنهار وأشجار جميلة... وانطلق بها الشاب إلى تلك الأشجار ... للأسف لم يكن ذلك الشاب الخاطب لها يمتُّ إلى الشاب الذي قدمه لها أبوها بأي صلة لذا رفضته وأصرَّت على رفضه، حتى أقنعتُها، قلت لها يجب ألاّ تبني حياتك على الأحلام، وخطيبك هذا لا ينقصه شيء... وعندما اقتنعت بالزواج منه)
... نظرت الأم إلى حمدان مستغربة، وقالت له: (إهدىء يا ولدي أرجع ظهرك على الكرسي...)
.. ذاك أن الدهشة قد ألجمته... وجعلته يسبح في طيات هذا الحلم الغريب، واقترب من الأم تاركاً كرسيه حتى كاد يلاصق وجهه وجهها... فقالت له ارجع على الكرسي.
... رجع إلى وضعه السابق.. وهو يزدرد ريقاً كثيراً جمعه منذ بدأت الرواية... ولم تسمح له دهشته أن يبتلعه؟؟
- (نعم يا ولدي.. ثم لما اقتنعت بالزواج منه حصلت قصة غريبة هي السر الذي تقول ريم إنها لن تقوله لك أبداً، ولا أدري هل ستقوله أم لا، المهم أنه أُقفل باب زواجها، ولم تعد هي تفكر فيه مطلقاً، وتركت خطيبها وتركها خطيبها ... ومنذ أيام فقط حصلت حوادث غريبة، ... منذ تقريباً خمس عشر يوماً... كانت ريم تقول إنها ترى في المنام نفس الشاب الذي قدمه والدها إليها.. إنه بنفس ملامحه لم يتغير... وتقول إنها لم تر مثالاً لتلك الصورة إلا في الحلم... إنه كما تقول شاب تبدو عليه كل ملامح الصلاح والطيبة... وحين رأته في المنام من 15يوماً قالت لي ذلك، ولكني حاولت إقناعها بوجوب عدم النظر لمثل هذه الترهات... وإلا ما رأيك أنت يا حمدان؟!)
- (أوه.. قصة غريبة... أضنها فعلاً أحلام وإلا كيف يتخيل الإنسان صورة جديدة، .. صورة لشخص لم يره من قبل، ... هل تريدين يا خاله مساعدتها في البحث عن الرجل... أقصد البحث عن طبيب يعالجها من هذه الأوهام... إن الطب النفسي لديه خلفية عن هذه الحالات الغريبة.
- (لا يا بني... يبدو أنك أقل دهاءاً، وأكثر طيبة، ... يا بني نعم نريد مساعدتك لريم ولكن ليس كما تضن ... يا بني يا حمدان، إنك أنت الشاب الذي رأته ريم في منامها منذ سنوات، وأنت عين الشاب الذي تراه ريم هذه الليالي، كل ليلة تقريباً، .. أنت الشاب الذي قدمه والدها لها، وقال لها: هذا زوجك وهذا سيحل مكان أبيك، .. أنت ياحمدان بداية القصة، ونهايتها. وأنت العقدة التي عاشت عليها أُسرتنا هذه، منذ سنوات.
الحمد لله الذي شاءت الأقدار وبقيتُ على قيد الحياة حتى انحلَّت تلك العقدة، ستكون ولداً لي يا حمدان وزوجاً لريم، وستكون أباً لبيتنا هذا، أنت سعد الساعد في هذا المنزل، لأنك وصيته إلينا...
... لعل هذا يا حمدان قد أبان لك كل القضية... ولعل الهدف الذي أتيت من أجله أصبح مكشوفاً الآن.
... لا أضن أبداً أن لديك مانع، ..ولو فُرض أن هناك مانع سيمنعك، فحتماً ستُزيل الأقدار تلك الموانع بإذن الله... لأن الرؤيا حق، وقد تحقق من الرؤيا أكثرها برؤيتنا لك وبقي القيل وسيتحقق الليلة، إن شاء الله...
... سبحان الله... من كان يتوقع أن تحصل كل هذه الأمور بهذه البساطة، ... والآن ما رأيك يا حمدان، قل بدون خوف أو حياء).
- (تقولين أنني أنا .. الرجل .. الذي في الحلم)
- (لم تعد حلماً يا ولدي بعد أن رأيتك، .. إنها رؤيا لقد قالت لي ريم بعد أن رأتك، قالت لي إنني قابلته، دخلت وهي تصرخ فرحة، قابلته يا أمي، قابلته، قلت لها من، .. قالت أبي ... أبونا جميعاً، .زوجي، . ووصية أبي لي، ..
كدت أُصعق واستعذت بالله من الشيطان وسألتها عن تفاصيل ملامحك فكانت هي ذاتها تفاصيل الملامح التي سَرَدَتْها لي سابقاً، عن الرجل الذي في الرؤيا، .. قلت لها ولماذا لم تمسكيه وتحضريه، قد يهرب، .. قالت: لا يا أمي... إن القدر سيأتي به أنا مقتنعة، .. كما جاء به من عسير... وكما قدر لي أن أنظر إليه... في المستشفى، مع أن من عادتي ألاّ أنظر إلى رجل... وأذكر أنها في تلك الساعة، استأذنت مني قائلة:
- (يا أمي هل تسمحين لي أن أُشبع عيني بالنظر إلى وجهه، .. إنه ذكرى أبي)، .. قلت لها: (أستفتي قلبك، أخشى أن يكون في ذلك إثم {قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} قالت:
- (يا أمي، ليغفر الله لي ... لن أستطيع لجم عيني عنه، إنه أملي الوحيد في الحياة... وقد يكون زوجي) ... قلت لها (وكيف سيأتي) قالت (سيتصل بي وسيأتي اطمئني) .. وفعلاً أتيت إلى هنا، ..قل لي كيف كنت تفكر وأنت تأتي إلى قوم لا تعرفهم،)
- صدقيني كنت أُحس أن أحداً يدفعني وأنا أرفض وكنت أسير وأنا شبه مغمض العينين.)
- (نعم يا ولدي، هذا تماماً ما توقَّعته ريم... حفظك الله يا ريم ... قل لي يا ولدي ... ما رأيك ستكون الملكة والدخلة هذه الليلة.. أمر مكتوب.. قد انتهى، ولا يحتاج لطول تفكير.)
- (الليلة؟ ما هذا... ماذا تقولين..!!)
- (لا تندهش... سندعي عم ريم وشاهدين والمأذون ونضع وليمة صغيرة، ..هنا كل الأمور تؤخذ ببساطة... صدقني لو أردت أن أجعل لبنتي أكبر زواج تعرفه الرياض لما عجزت، ولكنَّا قومٌ واثقون من أنفسنا، ونخاف الله، ...وإن أردت أن ندعو جماعة الحي وأقاربنا فلا مانع، ..نعم ولعلها هي السنة كي يُعلن الزواج.)
- (ياخالتي ... لاشك أنني خرجت من حلم ودخلت في غيبوبة... هذه الأشياء لا تُعقل... ارحموني... ياناس، ارحموني...)
- (ماذا يا حمدان أقول لك الأمر مُقدر... الأمر منتهي لماذا أنت تماطل.)
- (أنا لا أماطل يا خالة، ..سيكون وضعي في شدة الحرج.. أنا متزوج ورب أسرة... ووظيفتي في أبها... واستقراري هناك)
- (اطمئن يا ولدي كل هذه الأمور محلولة مسبقاً.. لقد حلتها ريم مع نفسها... وستعرض عليك كل ما فكرت فيه، وأما كونك متزوج ورب أسرة فهذا مما يسهل علينا المسألة كثيراً، ويجعلنا نتعلق بك، لتكون رباً لأسرتنا، لأن وضع ريم ربما لا يسمح،)
- (لا يسمح بماذا)
- (لا.. لا.. أبداً.. ستعرف كل شيء يا حمدان قريباً).
- ...
- (إذن السكوت علامة الرضا... قم يا ولدي حان الآن وقت الصلاة... اذهب وصل واستخر الله وانظر بماذا يطمئن قلبك، هيا يا ولدي قم للصلاة.)
.. تغيب حمدان للصلاة وقتا أكثر مما يحتاجه رجل يصلي المغرب... يبدو أنه قرر عمل شيء ما... أخفاه عن أهل المنزل.
... طال وقت الانتظار..، وهو لم يحضر، ..مرت ساعة بعد انتهاء الصلاة وسألت الأم نفسها أين هو يا ترى.. لقد تأخر.. ولكن حتماً سيأتي به الله... أنا واثقة.
... في أثناء ذلك طُرق الباب واستأذن حمدان بالدخول كما هو المتوقع.
- (لعلي لم أتأخر عليك يا خالتي...)
- (..دخلت أثناء ذلك ريم وهي تقول.. بل وتأخرت عليَّ أنا أيضاً ...قالت ذلك وهي تضحك) ولكن قال حمدان غاضباً:
- (ما هذا)
...لقد دخلت ريم وهي بصورة أخرى... كانت مفاجأة كبيرة لحمدان... كانت كالبدر يتجلى في الليلة المظلمة ويتجلى فجأة، لقد أماطت الخمار عن وجها فبدا جمال المنزل الأنيق باهتاً أمام جمال مُحيَّاها، ..لم يتوقع حمدان أبداً أنها بهذا الجمال كان دائماً يتوقع أن أجمل ما في المرأة عينيها ويضن أن كثيرات ممن يُبدين أعينهن ويخفين وجوههن... يتعمدن إظهار الجميل وستر الأقل جمالاً.
ولكن يبدو أن الأمر بالنسبة لريم مختلفاً تماماً إن عينيها جميلتين ووجهها يقاسم عينيها الجمال نفسه... سبحان الله.
- (... قال بدهشة)
- (أأنت ريم)
- (لا حمدان..)
... أراد أن يضحك ولكنَّ بعض الخجل ألمّ به، .. وفرَّج عنه مشكلته تلك ضحكة صغيرة ضحكتها العجوز، .. وحينها بدأ حمدان بإخراج ضحكة مدوية، ضجَّ لها المنزل.
...قالت الأم: (هذه زوجتك هل توافق على الزواج منها).
- (نعم موافق.)
... ذَرَفَتْ دمعتين صغيرتين باردتين من عيني ريم وتبعتها دمعتين من عيني أمها... وتكلف حمدان إخراج أيما دمعة ولكن لم يسعفه الحظ بذلك، لذا اكتفى بضحكته التي لازالت أصدائها ترن في رأسه وفي البيت أيضاً.
...جلس كل من حمدان وريم، وقامت العجوز مستأذنة، ...الكل يعلم أنها ستكون قريبة منهم... وعندما تضطر الأمور لتدخلها ستكون أسرع تدخلاً من هيئة الأمم في حروب البلقان - على أية حال - قال حمدان: (ريم كيف ستكون حياتنا... لاريب ستكون صعبة جداً سنفترق أكثر مما نجتمع)
- (اطمئن أنا مقدرة لكل ظروفك... أعلم أنك متزوج، ستكون حياتك مع أبناءك كما هي، لن يطرأ عليها كبير تغير.).
- (ولكن لك حقوق كما لزوجتي الأولى،)
- (أعلم ذلك... ولكن المجتمع الظالم حكم بهذا على المرأة، ..إنه مجتمع، تهان فيه المرأة على حساب بنت جنسها... حُكم على المرأة الثانية بأنها مجرمة... وأنها سارقة أزواج... لذلك لا يوجد حل آخر، يكفيني أنني حققت وصية أبي... أنا أعلم أن في تنفيذها الخير كله)
...ارتفع صوت الأم من الداخل: (يا أولاد لقد أرسلت السَّواق ليأتي بالمأذون، وبعمك ياريم، وطلبت منه أن يَعْزِمَ كل الجيران، الذين يصلون العشاء في المسجد هذه الليلة... وسيحضر العشاء بعد ذلك)
تكلم حمدان: (هل تضنين أن زواجاً يتم بهذه السرعة سيكون ناجحاً)
- (قلت لك يا حمدان ... أنا لن أطلب منك أيّ شيء...)
- (وأين ستسكنين)
- (كما تريد... هنا في الرياض، ..هناك في أبها... في أي مكان... صدقني أنا أنظر لك كوالدي تماماً... قبل أن تكون زوجاً لي، ... أنا عشت يتيمة يا حمدان... يتيمة، ..أتعرف معنى اليتم، ..لا أب... ولا أخ... ولا أحد... كانت أمي هي كل شيء في حياتي... أحس الآن بجوارك بالأمن، أحس أنني أعيش حياة طفولتي من جديد ولكني أعيشها بأب، ...لم أعد يتيمة وهذا يكفيني،)
- (لو عشتُّ في أبها وأنت هنا فكيف سألقاكِ؟)
- (كما تريد... في الشهر.. في العام... أتصل بك يومياً... أسبوعياً... تريد أن آتي إليك هناك... تريد أن تأتي أنت، ...حمدان كل ثروتي الآن تحت تصرفك)
- (لا تقولي هذا.)
- (الأمر بالنسبة لي... يختلف تماماً.
- (كم أنت جميلة ياريم... لم أتصورك هكذا)
- (صحيح!!... لو لم أكن جميلة هل كنت ستتزوجني)
- (المهم في المرأة أدبها)
- (لم تَصْدُقْ في هذا الكلام، أليس كذلك...)
- (في الواقع أنني كنت متردداً قبل... رؤية وجهك.)
- (ولمَّا رأيته؟؟)
- (وافقتُ بسرعة... ولكن صدقيني، إن كلماتك هذه العذبة الصادقة أكثر جذباً لقلبي من جمال وجهك)
- (ليت جميع الرجال يؤمنون بهذا ويطبقونه.)
- (وليت جميع النساء في طهر قلبك، ...ريم هل ستقولين السر الثالث لي).
...أطرقت ريم برأسها وصمتت.
... أثناء ذلك سمعت الجلبة في الخارج... يبدو أن عم ريم والمأذون وصلوا... لذا دخلت ريم وفتح الخادم الباب وولجا...
كانت التحية رسمية كالمعتاد، وكان المجلس أكثر رسمية من التحية، خاصة وأن عم ريم يُعتبر من الطبقة الممتازة في المدينة. ودار الحديث بين العم وبين حمدان على شكل أسئلة وأجوبة يبدو أن حمدان قد راق للعم إلى حد كبير،... في أثناء ذلك قام العم مُنْصَرفاً وولج إلى الداخل وهو ينادي ياريم... وبعد قليل دخل رجلان يبدو أنهما من أقارب ريم... وعاد العم ثانية، واستأذن المأذون في بداية العمل بعقد القران وتم ما أراده بسرعة... وبعد لحظات رُفع صوت المؤذن للعشاء وقام الجميع متسارعين للصلاة، ..وقضيت الصلاة وعاد الجميع ومعهم الكثير من جماعة المسجد وأصبح المجلس الآن أكثر رسمية من ذي قبل.. وحضر العشاء... (وأكل الحاضرون منه ما سمحت به أمعاءهم)... وقاموا إثر ذلك مستأذنين.
الوضع هو الوضع الذي يتكرر في كل زواج ولكنّ السر الثالث بدأ يقلق حمدان بعض الشيء... فهل يا ترى ستتلفظ به ريم، ويعرفه حمدان، ويستمتع ذهن الزمن بسماع ذلك السر، أم أن مقبرة قديمة في قلب ريم ستحوي ذلك السر، ويكون الأمل في معرفته ضرباً من (السخافة)، ...قريباً سيتسنَّى للكل معرفة الكثير عن ريم.. وعسى أن يحالف الحظ فيُعرف ذلك السر (الأول)...
6 ــ (اللقاء الحلال)
...عاد البيت ثانية كحاله قبل صلاة العشاء، خالياً من كل أحد، سوى العجوز وريم والعم وحمدان، وبعد قليل خلا المنزل من العم، والآن حمدان وحيدٌ في البهو الكبير، شرد بذهنه قليلاً ثم دخلت الأم وريم وتبادل الجميع أسمى التبريكات،.. وجلس حمدان جلسة غريبة، والأحداث من حوله لا يكاد يصدقها عقله، أمامه زوجته ريم، وبجوارها عمته، ..الكل سعداء، والابتسامات تجد طريقها بسهولة لتلك الأفواه، ..الجميع ينتظر ما يقوله الأب الجديد، وجد حمدان أن من الواجب عليه أن يقطع أروقة الصمت المسدلة على الموقف الغريب، لذا أخرج محفظة نقوده ، يبدو أنها مليئة بالنقود... سحب رزمة ربما كانت 3000ريال من فئة (500) ريال، ومن جانب المقعد سحب كيساً متوسط الحجم أخرج منه علبة مربعة الشكل ...وضعها على المنضدة القريبة، وفتحها... إنها تحوي طقماً من الذهب الأصيل... المنضدة الآن تحمل طقم الذهب بقيمة 2000 ريال، ونقد يبلغ 3000ريال، خمسة آلاف ريال هي كل النقود التي استطاع حمدان أن يصرفها عن طريق جهاز الصراف في أثناء تغيبه بعد صلاة المغرب، ومن ثمَّ شراء طقم الذهب إنه المهر الذي قرر تقديمه لزوجته الجديدة.
- (الله ما هذا يا حمدان، لقد كلفت نفسك كثيراً)
- (كلا، بل قولي لم تكلف نفسك)
... السكين بجوار حمدان، والكعكة كذلك، وعليه أن يقطع ويوزع على الجميع.
اقتربت ريم منه أكثر، وابتسمت، وابتسمت أمها أيضاً، قالت ريم
- (انتظر يا حمدان، يبدو أن الكعكة ستسلم من السكين لفترة أطول).
- (لماذا؟)
- (لأن هذا العمل من تخصص المرأة، أنتم معشر الرجال لا تجيدون استخدام السكين).
- (بالعكس تماماً ياريم ... قال الشاعر والسيف في اكفف الهندية القضب).
- (ربما كنت أنت الشاعر!)
- (وكيف عرفت)
- (البيت شبه مكسور)
- (ماذا ... هل سمعت يا خالة)
...لم تملك العجوز إلا ضحكة سعيدة أخرجتها من صدرها الواسع...
...ريم تذكرت شيئاً ما... يبدو مهماً الآن، رفعت حقيبتها التي كانت قابعة في أمان الله بجوار الكنب... وفتحتها... وأخرجت بطاقة صراف يبدو أنها جديدة، وهي باسم حمدان، وقد كُتب عليها الرقم السري... يبدو أنها أخرجتها نهار أمس من البنك... دستها في جيب حمدان وهي تقول: هدية بسيطة.
...اصطنع حمدان أنه غاضب من هذا العمل غير المعهود، والذي لا يليق أبداً أن يتم في مثل هذا الجو.. ولكن العجوز عَضَّت على شفتها السفلى وأغمضت إحدى عينيها مُجبرة إياه لزوم الصمت وعدم إطالة الوقت في حدث كهذا... مما جعله يسلم للأمر الواقع، ..كما سلم من قبل لأمور أكثر غرابة ودهشة، قال في نفسه: زواج آخر زمن، المرأة تخطب وتتزوج، وتدفع المهر...
...قامت الأم مستأذنة، يبدو أنها هذه المرة لن تقعد للمراقبة لأنها قالت بالحرف الواحد... خذوا راحتكم، جميع الدور الأرضي على حسابكم، ..وكذلك الدور الثاني... سأكون في غرفتي في الدور الثالث... جلس حمدان وبجواره ريم، ...كان قلبه يدق بضربات لذيذة أحسَّ أن الكرسي يتحرك من وقعها... وكان الارتباك ظاهراً على محياه، ...في الحين الذي كانت ريم أكثر استقراراً.
- (حمدان ... يجب أن تقول كلمة جميلة في غضون لحظات)
- (أنت جميلة ياريم..)
- (الله بديهة عظيمة)
- (هل تسمح لي بإنشادك قصيدة «طازه»)
- (جداً!!)
- (لمّا يزل... قلبي وقلبك يا أملْ... في صفحة الكون البديعة يكتبان... وعلى شواطىء دجلة يتحدثان.
- (لمّا يزل!!)
- (والبدر في الأفق البعيدة مكتمل)
- (لما يزل)
- (والنجم أطرق واعتذر)
- (لما يزل)
- (قلبي وقلبك يا أملُ... لما يزل
والطير عنى واعتذر... لما يزل
وهناك صوت العاشقين يجيبه أحلى جمل
- لمّا يزل
- قلبي وقلبك يا أمل...
... ونسير في صحراء حبٍ نمتطي ظهر الجمل
- لما يزل
- وتسير كثبان الرمال وينشي حجر الجبل
- لما يزل
- لما يزل، قلبي وقلبك يا أمل، في لوحة الأفق الفسيحة يكتبان
...وعلى شواطىء دجلة يتحدثان
...وتضج أمواج الشواطىء صخرها يشكو البلل
... وهناك تبتسم الثغور ويبتدىء شهر العسل
... ...
- ما رأيك هل أنا شاعرة
- (أنت عظيمة ياريم)
- (الآن دورك في قصيدة)
-..قالت لـي الدنيا ســـــلام تســليم
حبيبك اللّي تـحب ما عـاد يبغيك
حـبيبك الـلي تـحب جهل التعـاليم
والْيَا تـقرَّب منـك فهنـاك يقصيك
أول وتالي الوقت...
- (يكفي يكفي أرجوك)
- (ألستُ شاعراً)
- (ربما... ولكن شاعر «هجاء»)
- (ألم يعجبك شعري)
- (كلا)
- (ليس شعري والله العظيم)
- (شِعرُ مَن إذن)
- (شعر... لا أدري ولكني أحفضه منذ الصغر)
- (إذن يجب أن تنساه هذه الليلة.)
- (حاضر)
...استمرت الليلة وادعة جميلة يترنم فيها الزوجان الجديدان ألحاناً يعجز عن عزفها قيثار فنان، وصمت كل شيء سوى القلبين النابضين بالحب.
بدأت ريم تتحدث بصوت منخفض لايكاد يُسمع: «الحب الحلال،.. الذي افتقده اليوم آلاف العاشقين، وحرموا منه لأنـّهم أبو إلا أن يغمسوا أنفسهم في مستنقع آسن من الحب الحرام، الذي وإن ترنم بألحانه العاشقون قليلاً، فإنما ترجع ترانيمهم كنباح الكلاب المسعورة... وعندها ينظر كل عاشق إلى معشوقه نظر الذئب إلى فريسته، لاغير ذلك... ويتم ساعتها الافتراس على غير القبلة ولا يبقى شيء، سوى نباح الكلاب، والأعراض المهتوكة... قاتل الله تلك الأصابع الملوثة... بألوان الصورة البشعة لحب القرن العشرين، ورحم الله الحب عندما كان عذرياً، لا يكون إلا للزوجة، كم ابتذلوا الحب ولطّخوا صورته الجميلة، ...فأصبح لا يُعرف عندهم ، إلا مع المومسات... وأصبح الرجل عندهم يعشق كل أنثى إلا زوجته... ويهيم إذا خرج بكل فتيات الليل، وإذا دخل المنزل ركل زوجته بحافره وكأنها علبة ورقية ممتهنة، ..ورحم الله زماناً ولَّى... كان فيه العرب أكثر احتراماً لفطرتهم ودينهم، وكان أحدهم لا يحب إلا ليتزوج، وإذا تزوج فإن زوجته هي حبه الوحيد.)
هذه الكلمات والأفكار مقطوعة ملخَّصة من كلمات جميلة قالتها ريم بهمس... كلمات ريم بالطبع أجمل مما حُفظ في ذهن حمدان...
ولكن لسرعة ريم في الكلام ولبطء حمدان في الحفظ اضطر أن يختصر ذهنه الكثير من الكلمات، بل ربما اختصر بعض الجمل.
...قبَّلت ريم يد حمدان وقالت سنبقى حبيبين إلى الأبد... وقبَّل حمدان يد ريم وقال أعدك بذلك..
عم السكون وقام حمدان ... وقال هيا للنوم، فرأسي يدور، لقد أُرهقت اليوم كثيراً ...تباطأت ريم قليلاً... ولكنه سحبها بلطف وهو يقول ماذا بك.
...
وعندما أراد حمدان أن يسير إلى الأمام تَصَلَّبت ريم في مكانها، ...وضع يده... على كتفها ويده الثانية تحت ذقنها ورفع رأسها إلى الأعلى وهو يبتسم...
...كم كانت دهشته،... لقد رأى دمعتين في محجريها
...ولم تكن دمعتين يتيمتين بل تبعتها دمعات أكثر
...حملق فيها وقال... ماذا بك
...انفجرت ساعتها ببكاء، بكاء حار، وألقت يديه بعيداً وهي تقول (لا... لا... لن أذهب معك... كلا... اذهب لوحدك... اذهب هيا...)
...ألقت بنفسها في تلك الأثناء على المقعد بقوة وحنق.. اقترب منها ... وضع يده على رأسها، ..دفعته بعيداً
- (إذهب هناك)
7 ــ
- (الأمر بسيط، أحد أقاربي يعمل ضابطاً في المباحث.. وطلبت منه تقصي كل شيء عن حياتك، ..أرسل لمباحث عسير وبسهوله وصلتني كل الأخبار)
- (مباحث ... هل وصل اسمي للمباحث... أعوذ بالله...)
- (وهل تضن أنه للتوِّ يصل... إنه عندهم من زمن سحيق)
- (ماذا)
- (الأمر طبيعي، كل مواطن يأخذ بطاقة يكون اسمه لدى المباحث وهذا في كل بلد)
- (ممكن!!)
- (بل أكيد...)
- (أكيد...)
- (بل ممكن...)
...هـ ...هـ ...هـ
... الأنس يغمر كل شيء، ..أحس حمدان بشيء يزيح كل الفراغ من قلبه، ويُحل بدلاً منه السعادة، ..ولكن يبقى السر الكبير الذي لم ينفتح الباب عن كنهه ...أوه ليته ينفتح.
- (ريم.. بقي أنت أريد معرفة كل شيء عنك..)
- (المسألة ستطول، ..ولكن سأختصر:
(اسمي ريم، ..أبي رحمه الله كان ثرياً جداً... مات ولم يخلف أحداً سواي... تركني مع أمي الأرملة في هذا القصر، ..ترك لنا أموالاً وعقارات كثيرة... وخَدَماً كانوا عتقاء له.. في السابق حياتنا تماماً كحياة الأمراء... كنا في حياة أبي نَحْتَكُّ بالطبقات الراقية في المجتمع، والثرية، .. ولكن وفاة والدي كانت صدمة قوية لأمي... مات والدي وعمري لا يجاوز الخمس سنوات... انظر... هذه هي صورته، ..أحتفظ بها دائماً في حقيبتي، وأدعو له كلَّما تذكرته... صُدمت أمي بوفاة والدي، ..عمرها آنذاك اثنان وثلاثون، ...تركت جميع علاقاتها السابقة، واستقرت استقراراً كلياً في المنزل، وتفرغت لعبادة الله أشبه بصوفية، ..خطبها الخطاب من كل مكان ولكنها رفضت ...بذلت الكثير لتُربيني، وأرجو أن تكون نجحت في ذلك، وبعد تخرجي من الثانوية... دخلتُ معهد الممرضات .
...لم أكن في البداية مقتنعة به، ولكنَّ مجموعي في الثانوية لم يكن يؤهلني لدخول أي كلية... هذا المعهد أشبه بكلية صحية... وهو يعطي دبلوم عالي... وبعد أن تخرجت منه عملت في المستشفى، ...ليس لي حاجة بالمال ولكن الفراغ عدو لدود ...لذا استعنت بالله... وواصلت عملي كنت والحمد لله مضرب مثل للالتزام بحشمتي، ولم أكن أدقق النظر إلى أي رجل... كنت أقوم بعملي، وكأن الرجال أجسام فخّارية... حتى قُدِّر لي أن أراك.
- (وماذا في رؤيتك لي!!)
- (هذا سر سأقوله لك لاحقاً... وهناك سرٌ ربما لن أقوله لك مطلقاً، والسر الثالث سأقوله لك الآن).
- (أسرار!!! ثلاثة !! أسرار ماذا)
5 ــ السر الثالث والسر الثاني
ابتعلت ريم ريقها ببطء، ثم دققت النظر صوب ندبة صغيرة في خد حمدان، بعدها أطرقت إلى الأرض، وازدادت زفراتها قوة.
- (ما هو السر الذي تريدين قوله لي يا... ريم أليس كذلك)؟
... أعادت ريم النظر إلى حمدان وقالت:
- كنت شابة يافعة، لم أجاوز السادسة عشر من عمري أجهل الكثير من بدهيات الحياة، لا أعرف سوى المرح، ...والدتي كانت حريصة كل الحرص على إحسان تربيتي، كنت حينها محطَّاً لأنظار الكثير من الشباب الباحثين عن زوجة متدينة. وفعلاً تقدم للزواج مني شاب، كان شاباً مكتملاً من جميع جوانب الرجولة والمروءة، إلا أنني لم أرغب في إكمال الزواج بمجرد رؤيتي له، بقيت أمي تقنعني حتى اقتنعت أخيراً، ولكن الزواج لم يتم .
- (لماذا لم يتم الزواج؟)
- (هذا قدر الله، لم يتم الزواج لسبب لا يمكن لي أن أذكره لك الآن، لأنه يتعلق بالسر الثاني، ربما سأذكره لك لاحقاً).
...كانت ملامح ريم تتغير بسرعة مع كل كلمة تقولها، وكان الاضطراب متمالكاً لكل بدنها... وبدأت زفراتها ترتفع بشكل مخيف وأخيراً وضعت وجهها بين كفيها وبدأت في البكاء الشديد. موقف حمدان أشبه بموقف المذهول، لم يستطع فعل أي شيء،
..كاد يبكي معها... وضع يده بدون شعور على كتفها وقال لا عليك... اطمئني...
... رفعت رأسها ونظرت إليه وكأنها تلومه على هذه الحركة أجابها معتذراً: (آسف لم أقصد...) وبدأت عيناه لحظتها تذرف دمعات ساخنة... وقامت ريم وبكاءها يتبعها ، انطلقت حتى تغيبت داخل الباب،
...همّ حمدان على الهروب... ولكن يبدو أن أم ريم كانت ترقب الموقف كله، وكانت جالسة جوار الباب... دخلت بمجرد قيام ابنتها... قال حمدان:
- (صدقيني يا خالة... لم أسيء لها... لم أقم تجاهها بأي خطأ .. صدقيني... والله العظيم...)
- (أعرف يا بني... سأكمل أنا سرد بقية القصة... أو بمعنى آخر سأخبرك عن السر الثاني.. أما الثالث فهو يرجع لها هي..
- (لقد رفضت ريم الزواج من ذاك الشاب في البداية بسبب حلم رأته... كانت تُسميه رؤيا وكنت أنا أسميه حلماً حتى صباح أمس، ... وصباح أمس فقط أيقنت أنها رؤيا)
- (ماذا)
... قبل أن يتقدم خطيبها هذا لخطبتها رأت في المنام أن أباها يأتي نحوها بثياب بيض ... ويمسك شاباً بيده... ثم يتقدم هو والشاب نحوها... كانت ترى نفسها في صحراء قاحلة،.. وأبوها يتقدم لها شيئاً فشيئاً، كانت تشعر بعطش وجوع، والريح الحارة تحثو في وجهها التراب،
... عندما افترب أبوها منها، رأت أنها تنطلق لتقابله فأشار بيده قائلاً: (لا، لن تستطيعي الاقتراب مني أكثر، ولكن خذي بيد هذا الشاب، ..هذا زوجك وسيكون في حبه لك بمنزلة أباك، .. أنت يتيمة، مات أبوك قديماً، ولكن زوجك هذا سيكون حتماً مثل أبوك... بارك الله لك فيه يا بنتي.
...اختفى أبوها تدريجياً، واقترب الشاب حتى أمسك بيدها... وبمجرد إمساكه بيدها برزت أمامهما حدائق وأنهار وأشجار جميلة... وانطلق بها الشاب إلى تلك الأشجار ... للأسف لم يكن ذلك الشاب الخاطب لها يمتُّ إلى الشاب الذي قدمه لها أبوها بأي صلة لذا رفضته وأصرَّت على رفضه، حتى أقنعتُها، قلت لها يجب ألاّ تبني حياتك على الأحلام، وخطيبك هذا لا ينقصه شيء... وعندما اقتنعت بالزواج منه)
... نظرت الأم إلى حمدان مستغربة، وقالت له: (إهدىء يا ولدي أرجع ظهرك على الكرسي...)
.. ذاك أن الدهشة قد ألجمته... وجعلته يسبح في طيات هذا الحلم الغريب، واقترب من الأم تاركاً كرسيه حتى كاد يلاصق وجهه وجهها... فقالت له ارجع على الكرسي.
... رجع إلى وضعه السابق.. وهو يزدرد ريقاً كثيراً جمعه منذ بدأت الرواية... ولم تسمح له دهشته أن يبتلعه؟؟
- (نعم يا ولدي.. ثم لما اقتنعت بالزواج منه حصلت قصة غريبة هي السر الذي تقول ريم إنها لن تقوله لك أبداً، ولا أدري هل ستقوله أم لا، المهم أنه أُقفل باب زواجها، ولم تعد هي تفكر فيه مطلقاً، وتركت خطيبها وتركها خطيبها ... ومنذ أيام فقط حصلت حوادث غريبة، ... منذ تقريباً خمس عشر يوماً... كانت ريم تقول إنها ترى في المنام نفس الشاب الذي قدمه والدها إليها.. إنه بنفس ملامحه لم يتغير... وتقول إنها لم تر مثالاً لتلك الصورة إلا في الحلم... إنه كما تقول شاب تبدو عليه كل ملامح الصلاح والطيبة... وحين رأته في المنام من 15يوماً قالت لي ذلك، ولكني حاولت إقناعها بوجوب عدم النظر لمثل هذه الترهات... وإلا ما رأيك أنت يا حمدان؟!)
- (أوه.. قصة غريبة... أضنها فعلاً أحلام وإلا كيف يتخيل الإنسان صورة جديدة، .. صورة لشخص لم يره من قبل، ... هل تريدين يا خاله مساعدتها في البحث عن الرجل... أقصد البحث عن طبيب يعالجها من هذه الأوهام... إن الطب النفسي لديه خلفية عن هذه الحالات الغريبة.
- (لا يا بني... يبدو أنك أقل دهاءاً، وأكثر طيبة، ... يا بني نعم نريد مساعدتك لريم ولكن ليس كما تضن ... يا بني يا حمدان، إنك أنت الشاب الذي رأته ريم في منامها منذ سنوات، وأنت عين الشاب الذي تراه ريم هذه الليالي، كل ليلة تقريباً، .. أنت الشاب الذي قدمه والدها لها، وقال لها: هذا زوجك وهذا سيحل مكان أبيك، .. أنت ياحمدان بداية القصة، ونهايتها. وأنت العقدة التي عاشت عليها أُسرتنا هذه، منذ سنوات.
الحمد لله الذي شاءت الأقدار وبقيتُ على قيد الحياة حتى انحلَّت تلك العقدة، ستكون ولداً لي يا حمدان وزوجاً لريم، وستكون أباً لبيتنا هذا، أنت سعد الساعد في هذا المنزل، لأنك وصيته إلينا...
... لعل هذا يا حمدان قد أبان لك كل القضية... ولعل الهدف الذي أتيت من أجله أصبح مكشوفاً الآن.
... لا أضن أبداً أن لديك مانع، ..ولو فُرض أن هناك مانع سيمنعك، فحتماً ستُزيل الأقدار تلك الموانع بإذن الله... لأن الرؤيا حق، وقد تحقق من الرؤيا أكثرها برؤيتنا لك وبقي القيل وسيتحقق الليلة، إن شاء الله...
... سبحان الله... من كان يتوقع أن تحصل كل هذه الأمور بهذه البساطة، ... والآن ما رأيك يا حمدان، قل بدون خوف أو حياء).
- (تقولين أنني أنا .. الرجل .. الذي في الحلم)
- (لم تعد حلماً يا ولدي بعد أن رأيتك، .. إنها رؤيا لقد قالت لي ريم بعد أن رأتك، قالت لي إنني قابلته، دخلت وهي تصرخ فرحة، قابلته يا أمي، قابلته، قلت لها من، .. قالت أبي ... أبونا جميعاً، .زوجي، . ووصية أبي لي، ..
كدت أُصعق واستعذت بالله من الشيطان وسألتها عن تفاصيل ملامحك فكانت هي ذاتها تفاصيل الملامح التي سَرَدَتْها لي سابقاً، عن الرجل الذي في الرؤيا، .. قلت لها ولماذا لم تمسكيه وتحضريه، قد يهرب، .. قالت: لا يا أمي... إن القدر سيأتي به أنا مقتنعة، .. كما جاء به من عسير... وكما قدر لي أن أنظر إليه... في المستشفى، مع أن من عادتي ألاّ أنظر إلى رجل... وأذكر أنها في تلك الساعة، استأذنت مني قائلة:
- (يا أمي هل تسمحين لي أن أُشبع عيني بالنظر إلى وجهه، .. إنه ذكرى أبي)، .. قلت لها: (أستفتي قلبك، أخشى أن يكون في ذلك إثم {قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} قالت:
- (يا أمي، ليغفر الله لي ... لن أستطيع لجم عيني عنه، إنه أملي الوحيد في الحياة... وقد يكون زوجي) ... قلت لها (وكيف سيأتي) قالت (سيتصل بي وسيأتي اطمئني) .. وفعلاً أتيت إلى هنا، ..قل لي كيف كنت تفكر وأنت تأتي إلى قوم لا تعرفهم،)
- صدقيني كنت أُحس أن أحداً يدفعني وأنا أرفض وكنت أسير وأنا شبه مغمض العينين.)
- (نعم يا ولدي، هذا تماماً ما توقَّعته ريم... حفظك الله يا ريم ... قل لي يا ولدي ... ما رأيك ستكون الملكة والدخلة هذه الليلة.. أمر مكتوب.. قد انتهى، ولا يحتاج لطول تفكير.)
- (الليلة؟ ما هذا... ماذا تقولين..!!)
- (لا تندهش... سندعي عم ريم وشاهدين والمأذون ونضع وليمة صغيرة، ..هنا كل الأمور تؤخذ ببساطة... صدقني لو أردت أن أجعل لبنتي أكبر زواج تعرفه الرياض لما عجزت، ولكنَّا قومٌ واثقون من أنفسنا، ونخاف الله، ...وإن أردت أن ندعو جماعة الحي وأقاربنا فلا مانع، ..نعم ولعلها هي السنة كي يُعلن الزواج.)
- (ياخالتي ... لاشك أنني خرجت من حلم ودخلت في غيبوبة... هذه الأشياء لا تُعقل... ارحموني... ياناس، ارحموني...)
- (ماذا يا حمدان أقول لك الأمر مُقدر... الأمر منتهي لماذا أنت تماطل.)
- (أنا لا أماطل يا خالة، ..سيكون وضعي في شدة الحرج.. أنا متزوج ورب أسرة... ووظيفتي في أبها... واستقراري هناك)
- (اطمئن يا ولدي كل هذه الأمور محلولة مسبقاً.. لقد حلتها ريم مع نفسها... وستعرض عليك كل ما فكرت فيه، وأما كونك متزوج ورب أسرة فهذا مما يسهل علينا المسألة كثيراً، ويجعلنا نتعلق بك، لتكون رباً لأسرتنا، لأن وضع ريم ربما لا يسمح،)
- (لا يسمح بماذا)
- (لا.. لا.. أبداً.. ستعرف كل شيء يا حمدان قريباً).
- ...
- (إذن السكوت علامة الرضا... قم يا ولدي حان الآن وقت الصلاة... اذهب وصل واستخر الله وانظر بماذا يطمئن قلبك، هيا يا ولدي قم للصلاة.)
.. تغيب حمدان للصلاة وقتا أكثر مما يحتاجه رجل يصلي المغرب... يبدو أنه قرر عمل شيء ما... أخفاه عن أهل المنزل.
... طال وقت الانتظار..، وهو لم يحضر، ..مرت ساعة بعد انتهاء الصلاة وسألت الأم نفسها أين هو يا ترى.. لقد تأخر.. ولكن حتماً سيأتي به الله... أنا واثقة.
... في أثناء ذلك طُرق الباب واستأذن حمدان بالدخول كما هو المتوقع.
- (لعلي لم أتأخر عليك يا خالتي...)
- (..دخلت أثناء ذلك ريم وهي تقول.. بل وتأخرت عليَّ أنا أيضاً ...قالت ذلك وهي تضحك) ولكن قال حمدان غاضباً:
- (ما هذا)
...لقد دخلت ريم وهي بصورة أخرى... كانت مفاجأة كبيرة لحمدان... كانت كالبدر يتجلى في الليلة المظلمة ويتجلى فجأة، لقد أماطت الخمار عن وجها فبدا جمال المنزل الأنيق باهتاً أمام جمال مُحيَّاها، ..لم يتوقع حمدان أبداً أنها بهذا الجمال كان دائماً يتوقع أن أجمل ما في المرأة عينيها ويضن أن كثيرات ممن يُبدين أعينهن ويخفين وجوههن... يتعمدن إظهار الجميل وستر الأقل جمالاً.
ولكن يبدو أن الأمر بالنسبة لريم مختلفاً تماماً إن عينيها جميلتين ووجهها يقاسم عينيها الجمال نفسه... سبحان الله.
- (... قال بدهشة)
- (أأنت ريم)
- (لا حمدان..)
... أراد أن يضحك ولكنَّ بعض الخجل ألمّ به، .. وفرَّج عنه مشكلته تلك ضحكة صغيرة ضحكتها العجوز، .. وحينها بدأ حمدان بإخراج ضحكة مدوية، ضجَّ لها المنزل.
...قالت الأم: (هذه زوجتك هل توافق على الزواج منها).
- (نعم موافق.)
... ذَرَفَتْ دمعتين صغيرتين باردتين من عيني ريم وتبعتها دمعتين من عيني أمها... وتكلف حمدان إخراج أيما دمعة ولكن لم يسعفه الحظ بذلك، لذا اكتفى بضحكته التي لازالت أصدائها ترن في رأسه وفي البيت أيضاً.
...جلس كل من حمدان وريم، وقامت العجوز مستأذنة، ...الكل يعلم أنها ستكون قريبة منهم... وعندما تضطر الأمور لتدخلها ستكون أسرع تدخلاً من هيئة الأمم في حروب البلقان - على أية حال - قال حمدان: (ريم كيف ستكون حياتنا... لاريب ستكون صعبة جداً سنفترق أكثر مما نجتمع)
- (اطمئن أنا مقدرة لكل ظروفك... أعلم أنك متزوج، ستكون حياتك مع أبناءك كما هي، لن يطرأ عليها كبير تغير.).
- (ولكن لك حقوق كما لزوجتي الأولى،)
- (أعلم ذلك... ولكن المجتمع الظالم حكم بهذا على المرأة، ..إنه مجتمع، تهان فيه المرأة على حساب بنت جنسها... حُكم على المرأة الثانية بأنها مجرمة... وأنها سارقة أزواج... لذلك لا يوجد حل آخر، يكفيني أنني حققت وصية أبي... أنا أعلم أن في تنفيذها الخير كله)
...ارتفع صوت الأم من الداخل: (يا أولاد لقد أرسلت السَّواق ليأتي بالمأذون، وبعمك ياريم، وطلبت منه أن يَعْزِمَ كل الجيران، الذين يصلون العشاء في المسجد هذه الليلة... وسيحضر العشاء بعد ذلك)
تكلم حمدان: (هل تضنين أن زواجاً يتم بهذه السرعة سيكون ناجحاً)
- (قلت لك يا حمدان ... أنا لن أطلب منك أيّ شيء...)
- (وأين ستسكنين)
- (كما تريد... هنا في الرياض، ..هناك في أبها... في أي مكان... صدقني أنا أنظر لك كوالدي تماماً... قبل أن تكون زوجاً لي، ... أنا عشت يتيمة يا حمدان... يتيمة، ..أتعرف معنى اليتم، ..لا أب... ولا أخ... ولا أحد... كانت أمي هي كل شيء في حياتي... أحس الآن بجوارك بالأمن، أحس أنني أعيش حياة طفولتي من جديد ولكني أعيشها بأب، ...لم أعد يتيمة وهذا يكفيني،)
- (لو عشتُّ في أبها وأنت هنا فكيف سألقاكِ؟)
- (كما تريد... في الشهر.. في العام... أتصل بك يومياً... أسبوعياً... تريد أن آتي إليك هناك... تريد أن تأتي أنت، ...حمدان كل ثروتي الآن تحت تصرفك)
- (لا تقولي هذا.)
- (الأمر بالنسبة لي... يختلف تماماً.
- (كم أنت جميلة ياريم... لم أتصورك هكذا)
- (صحيح!!... لو لم أكن جميلة هل كنت ستتزوجني)
- (المهم في المرأة أدبها)
- (لم تَصْدُقْ في هذا الكلام، أليس كذلك...)
- (في الواقع أنني كنت متردداً قبل... رؤية وجهك.)
- (ولمَّا رأيته؟؟)
- (وافقتُ بسرعة... ولكن صدقيني، إن كلماتك هذه العذبة الصادقة أكثر جذباً لقلبي من جمال وجهك)
- (ليت جميع الرجال يؤمنون بهذا ويطبقونه.)
- (وليت جميع النساء في طهر قلبك، ...ريم هل ستقولين السر الثالث لي).
...أطرقت ريم برأسها وصمتت.
... أثناء ذلك سمعت الجلبة في الخارج... يبدو أن عم ريم والمأذون وصلوا... لذا دخلت ريم وفتح الخادم الباب وولجا...
كانت التحية رسمية كالمعتاد، وكان المجلس أكثر رسمية من التحية، خاصة وأن عم ريم يُعتبر من الطبقة الممتازة في المدينة. ودار الحديث بين العم وبين حمدان على شكل أسئلة وأجوبة يبدو أن حمدان قد راق للعم إلى حد كبير،... في أثناء ذلك قام العم مُنْصَرفاً وولج إلى الداخل وهو ينادي ياريم... وبعد قليل دخل رجلان يبدو أنهما من أقارب ريم... وعاد العم ثانية، واستأذن المأذون في بداية العمل بعقد القران وتم ما أراده بسرعة... وبعد لحظات رُفع صوت المؤذن للعشاء وقام الجميع متسارعين للصلاة، ..وقضيت الصلاة وعاد الجميع ومعهم الكثير من جماعة المسجد وأصبح المجلس الآن أكثر رسمية من ذي قبل.. وحضر العشاء... (وأكل الحاضرون منه ما سمحت به أمعاءهم)... وقاموا إثر ذلك مستأذنين.
الوضع هو الوضع الذي يتكرر في كل زواج ولكنّ السر الثالث بدأ يقلق حمدان بعض الشيء... فهل يا ترى ستتلفظ به ريم، ويعرفه حمدان، ويستمتع ذهن الزمن بسماع ذلك السر، أم أن مقبرة قديمة في قلب ريم ستحوي ذلك السر، ويكون الأمل في معرفته ضرباً من (السخافة)، ...قريباً سيتسنَّى للكل معرفة الكثير عن ريم.. وعسى أن يحالف الحظ فيُعرف ذلك السر (الأول)...
6 ــ (اللقاء الحلال)
...عاد البيت ثانية كحاله قبل صلاة العشاء، خالياً من كل أحد، سوى العجوز وريم والعم وحمدان، وبعد قليل خلا المنزل من العم، والآن حمدان وحيدٌ في البهو الكبير، شرد بذهنه قليلاً ثم دخلت الأم وريم وتبادل الجميع أسمى التبريكات،.. وجلس حمدان جلسة غريبة، والأحداث من حوله لا يكاد يصدقها عقله، أمامه زوجته ريم، وبجوارها عمته، ..الكل سعداء، والابتسامات تجد طريقها بسهولة لتلك الأفواه، ..الجميع ينتظر ما يقوله الأب الجديد، وجد حمدان أن من الواجب عليه أن يقطع أروقة الصمت المسدلة على الموقف الغريب، لذا أخرج محفظة نقوده ، يبدو أنها مليئة بالنقود... سحب رزمة ربما كانت 3000ريال من فئة (500) ريال، ومن جانب المقعد سحب كيساً متوسط الحجم أخرج منه علبة مربعة الشكل ...وضعها على المنضدة القريبة، وفتحها... إنها تحوي طقماً من الذهب الأصيل... المنضدة الآن تحمل طقم الذهب بقيمة 2000 ريال، ونقد يبلغ 3000ريال، خمسة آلاف ريال هي كل النقود التي استطاع حمدان أن يصرفها عن طريق جهاز الصراف في أثناء تغيبه بعد صلاة المغرب، ومن ثمَّ شراء طقم الذهب إنه المهر الذي قرر تقديمه لزوجته الجديدة.
- (الله ما هذا يا حمدان، لقد كلفت نفسك كثيراً)
- (كلا، بل قولي لم تكلف نفسك)
... السكين بجوار حمدان، والكعكة كذلك، وعليه أن يقطع ويوزع على الجميع.
اقتربت ريم منه أكثر، وابتسمت، وابتسمت أمها أيضاً، قالت ريم
- (انتظر يا حمدان، يبدو أن الكعكة ستسلم من السكين لفترة أطول).
- (لماذا؟)
- (لأن هذا العمل من تخصص المرأة، أنتم معشر الرجال لا تجيدون استخدام السكين).
- (بالعكس تماماً ياريم ... قال الشاعر والسيف في اكفف الهندية القضب).
- (ربما كنت أنت الشاعر!)
- (وكيف عرفت)
- (البيت شبه مكسور)
- (ماذا ... هل سمعت يا خالة)
...لم تملك العجوز إلا ضحكة سعيدة أخرجتها من صدرها الواسع...
...ريم تذكرت شيئاً ما... يبدو مهماً الآن، رفعت حقيبتها التي كانت قابعة في أمان الله بجوار الكنب... وفتحتها... وأخرجت بطاقة صراف يبدو أنها جديدة، وهي باسم حمدان، وقد كُتب عليها الرقم السري... يبدو أنها أخرجتها نهار أمس من البنك... دستها في جيب حمدان وهي تقول: هدية بسيطة.
...اصطنع حمدان أنه غاضب من هذا العمل غير المعهود، والذي لا يليق أبداً أن يتم في مثل هذا الجو.. ولكن العجوز عَضَّت على شفتها السفلى وأغمضت إحدى عينيها مُجبرة إياه لزوم الصمت وعدم إطالة الوقت في حدث كهذا... مما جعله يسلم للأمر الواقع، ..كما سلم من قبل لأمور أكثر غرابة ودهشة، قال في نفسه: زواج آخر زمن، المرأة تخطب وتتزوج، وتدفع المهر...
...قامت الأم مستأذنة، يبدو أنها هذه المرة لن تقعد للمراقبة لأنها قالت بالحرف الواحد... خذوا راحتكم، جميع الدور الأرضي على حسابكم، ..وكذلك الدور الثاني... سأكون في غرفتي في الدور الثالث... جلس حمدان وبجواره ريم، ...كان قلبه يدق بضربات لذيذة أحسَّ أن الكرسي يتحرك من وقعها... وكان الارتباك ظاهراً على محياه، ...في الحين الذي كانت ريم أكثر استقراراً.
- (حمدان ... يجب أن تقول كلمة جميلة في غضون لحظات)
- (أنت جميلة ياريم..)
- (الله بديهة عظيمة)
- (هل تسمح لي بإنشادك قصيدة «طازه»)
- (جداً!!)
- (لمّا يزل... قلبي وقلبك يا أملْ... في صفحة الكون البديعة يكتبان... وعلى شواطىء دجلة يتحدثان.
- (لمّا يزل!!)
- (والبدر في الأفق البعيدة مكتمل)
- (لما يزل)
- (والنجم أطرق واعتذر)
- (لما يزل)
- (قلبي وقلبك يا أملُ... لما يزل
والطير عنى واعتذر... لما يزل
وهناك صوت العاشقين يجيبه أحلى جمل
- لمّا يزل
- قلبي وقلبك يا أمل...
... ونسير في صحراء حبٍ نمتطي ظهر الجمل
- لما يزل
- وتسير كثبان الرمال وينشي حجر الجبل
- لما يزل
- لما يزل، قلبي وقلبك يا أمل، في لوحة الأفق الفسيحة يكتبان
...وعلى شواطىء دجلة يتحدثان
...وتضج أمواج الشواطىء صخرها يشكو البلل
... وهناك تبتسم الثغور ويبتدىء شهر العسل
... ...
- ما رأيك هل أنا شاعرة
- (أنت عظيمة ياريم)
- (الآن دورك في قصيدة)
-..قالت لـي الدنيا ســـــلام تســليم
حبيبك اللّي تـحب ما عـاد يبغيك
حـبيبك الـلي تـحب جهل التعـاليم
والْيَا تـقرَّب منـك فهنـاك يقصيك
أول وتالي الوقت...
- (يكفي يكفي أرجوك)
- (ألستُ شاعراً)
- (ربما... ولكن شاعر «هجاء»)
- (ألم يعجبك شعري)
- (كلا)
- (ليس شعري والله العظيم)
- (شِعرُ مَن إذن)
- (شعر... لا أدري ولكني أحفضه منذ الصغر)
- (إذن يجب أن تنساه هذه الليلة.)
- (حاضر)
...استمرت الليلة وادعة جميلة يترنم فيها الزوجان الجديدان ألحاناً يعجز عن عزفها قيثار فنان، وصمت كل شيء سوى القلبين النابضين بالحب.
بدأت ريم تتحدث بصوت منخفض لايكاد يُسمع: «الحب الحلال،.. الذي افتقده اليوم آلاف العاشقين، وحرموا منه لأنـّهم أبو إلا أن يغمسوا أنفسهم في مستنقع آسن من الحب الحرام، الذي وإن ترنم بألحانه العاشقون قليلاً، فإنما ترجع ترانيمهم كنباح الكلاب المسعورة... وعندها ينظر كل عاشق إلى معشوقه نظر الذئب إلى فريسته، لاغير ذلك... ويتم ساعتها الافتراس على غير القبلة ولا يبقى شيء، سوى نباح الكلاب، والأعراض المهتوكة... قاتل الله تلك الأصابع الملوثة... بألوان الصورة البشعة لحب القرن العشرين، ورحم الله الحب عندما كان عذرياً، لا يكون إلا للزوجة، كم ابتذلوا الحب ولطّخوا صورته الجميلة، ...فأصبح لا يُعرف عندهم ، إلا مع المومسات... وأصبح الرجل عندهم يعشق كل أنثى إلا زوجته... ويهيم إذا خرج بكل فتيات الليل، وإذا دخل المنزل ركل زوجته بحافره وكأنها علبة ورقية ممتهنة، ..ورحم الله زماناً ولَّى... كان فيه العرب أكثر احتراماً لفطرتهم ودينهم، وكان أحدهم لا يحب إلا ليتزوج، وإذا تزوج فإن زوجته هي حبه الوحيد.)
هذه الكلمات والأفكار مقطوعة ملخَّصة من كلمات جميلة قالتها ريم بهمس... كلمات ريم بالطبع أجمل مما حُفظ في ذهن حمدان...
ولكن لسرعة ريم في الكلام ولبطء حمدان في الحفظ اضطر أن يختصر ذهنه الكثير من الكلمات، بل ربما اختصر بعض الجمل.
...قبَّلت ريم يد حمدان وقالت سنبقى حبيبين إلى الأبد... وقبَّل حمدان يد ريم وقال أعدك بذلك..
عم السكون وقام حمدان ... وقال هيا للنوم، فرأسي يدور، لقد أُرهقت اليوم كثيراً ...تباطأت ريم قليلاً... ولكنه سحبها بلطف وهو يقول ماذا بك.
...
وعندما أراد حمدان أن يسير إلى الأمام تَصَلَّبت ريم في مكانها، ...وضع يده... على كتفها ويده الثانية تحت ذقنها ورفع رأسها إلى الأعلى وهو يبتسم...
...كم كانت دهشته،... لقد رأى دمعتين في محجريها
...ولم تكن دمعتين يتيمتين بل تبعتها دمعات أكثر
...حملق فيها وقال... ماذا بك
...انفجرت ساعتها ببكاء، بكاء حار، وألقت يديه بعيداً وهي تقول (لا... لا... لن أذهب معك... كلا... اذهب لوحدك... اذهب هيا...)
...ألقت بنفسها في تلك الأثناء على المقعد بقوة وحنق.. اقترب منها ... وضع يده على رأسها، ..دفعته بعيداً
- (إذهب هناك)
7 ــ