mansur
03-26-2002, 05:19 AM
7 ــ السر الأول
بدأ سيناريو قصة جديدة ، لم تكن أبداً في مخيلة حمدان ولا حتى في مخيلة (كاتب هذه الرواية) ولا حتى في مخيلة أحد... حمدان انهارت كل آماله التي ضنها صَرْحَاً ممرداً، وانهارت معها كل أعصابه، ..ولابد أن القارىء لهذه الأحداث وحتى كاتبها كان يريد إراحة أعصابه بتلك النهاية السعيدة، ويحتاج أيضاً إراحة قلمه من مشوار جديد يَلْمه لإكماله إلى جهدٍ وحبرٍ وقراءة ... الكل ... يريد استمرار البسمة التي ارتسمت على وجهه وهو يطالع كل تلك السعادة من نافذة صغيرة في ذهنه... وعلى النافذة الآن أن تتسع لتحتمل مستقبلاً جديداً لا يوحي بخير أبداً بالنسبة للزوجين الجدد... ولعلنا جميعاً وفي هذا السيناريو الجديد نُشبع فضولنا، بمعرفة السر (الثالث) أو الأول الذي تشوقنا مسبقاً لمعرفته...
- (قال حمدان... ماذا بك ياريم «هل جننتُ»)
- (كنت مجنونة حين اخترتك زوجاً... بل كنت مجرمة..)
- (الأمر بسيط أطلقك وكل يذهب لحال سبيله)
- (كلا... كلا... كلا)
... أمسكت بيده وضمتها إلى صدرها وقالت:
- (أنت عظيم يا حمدان أنت حبيبي، لا أريد أن أقتلك يجب أن لا تموت، وكل من هم مثلك يجب ألا يموتوا... يجب أن لا يقتلهم المجرمون من أمثالي... أرجوك أبعد عني...
... لا تقرب مني كي لا تموت... سأقتلك...)
...جلس بجوارها على نفس المقعد ووضع يده على جبينها وأخرج مصحفاً صغيراً من جيبه... وبدأ يقرأ فيه، بدأ بالفاتحة كان صوته ساحراً جميلاً، كأنما أوتي مزماراً يتكلم به ويقرأ، ..انتهى من قراءة الفاتحة ولم يزل الاضطراب يكاد يقطع ريم المسكينة، ..بدأ في قراءة سورة البقرة كان تجاوبها بطئياً... استمر يقرأ ويقر.. واستمرت تستجيب ... مرَّ ما يقارب الساعة... تحسن وضعها كثيراً.
...أكمل قراءة سورة البقرة... سبحان الله كأنها قبس من النار أطفىء... صدقوا ذلك... كل ما في القصر... رآها، وأنا أيضاً رأيتها، ...أصبحت أكثر وداعة، ..تصبب عرقها غزيراً أمالت رأسها على صدره وقالت:
- (يجب ألا تموت يا حمدان)
- (إذا كتب لي الموت فسأموت)
- (المهم ألا يكتب على يديّ)
- (مستحيل أن تقتليني، ومستحيل أن أصدق بذلك حتى ولو رأيت السكين في يدك ورأيتك تحزين رأسي، ولن يعدو ذلك عن كونه حلم سخيف، من شيطان سخيف.)
- (...حمدان)
- (عينيِّ)
- (قررت أن أقول لك السر الثالث أقصد الأول ... لن أندم يوماً ما على جريمة قتلك... لو قلت لك السر)
- (قولي)
- (حمدان.. أنا مصابة بمرض الإيدز، ...نعم يجب أن تصفعني الآن... ويجب أن تركلني، ..كنت دنيئة لأني حدثت نفسي بالأوهام... يجب أن أموت أنا، وأن تبقى أنت، وليس العكس).
8 ــ الإيـــدز
بدأت التغيرات الجسام ترتسم على وجه حمدان، وبدأ عِرْقٌ في رأسه ينبض بقوة، وعادت له حالة الأحلام والأوهام التي أحس أنه كان يعيشها منذ ساعات، ...لايمكن لهذا كله أن يحصل، الحياة أمامه تبدو ألعوبة وكل شيء يتقّزّم حول تصوراته.
...الأيدز، الشبح الرهيب، الذي سمع عنه كثيراً، واقترن في ذهنه بالكفار والمجرمين يظهر أمامه الآن، وفي إنسان من أهم الناس عليه...لا لا ...هذه سخافة... كاد يضحك، وكاد أيضاً يبكي، ولكنه ألقى نظرة نارية لريم أشبه برصاصة، أو قنبلة.
...كادت ريم تنفجر لتلك النظرة، كادت تموت هماً وغماً... قالت ردَّاً على نظرته النارية
- (اطمئن يا حمدان، اطمئن، لم أكن في يوم من الأيام ماجنة، أو عاهرة، ولكنه قدري، إنها فتنة واختبار، وأرجو أن أكون مؤمنة وصابرة كنت سأكفر لو (ابتليتك معي) بهذا الداء، وتموت نفس طيبة بريئة.)
...ضَرَبَ حمدان بيديه على رأسه ، كاد يصرخ بأعلى صوته، ...شريط الأحداث يتسارع ، وشيء ما يكاد يخنقه، ربما اقتربت القيامة، وربما روحه خرجت من جسده، وربما لازال حياً إنه يشعر أنه لازال حياً، ولكن شيئاً ما أفسد عليه حياته انقدحت في عينيه نظرة أخرى، أشد جرأة واستفساراً... وجهها نحو ريم، كأنها تقول كيف أصبت بالإيدز...
...شعرت ريم بما يعتمل في نفسه قالت متلعثمة:
- (قبل عدة سنوات سافرت أنا وأمي للنزهة، كانت رحلتنا لبلد جميل، ولم نكن ندري ماذا تخفي لنا الأقدار بين لوحات جماله، وكان ذلك البلد متقدماً لدرجة كبيرة، في طب الأسنان، كنت أشكو من آلام في بعض أسناني، وكانت فرصة مناسبة لعلاج تلك الأسنان... ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن... أصلحت أسناني... وتمتعنا بالتنزه... ومر شهر كامل كأنه ساعة واحدة...
قررنا الرحيل، والعودة لبلدنا، ولكن قبل الرحيل أصبت بآلام في بطني، دخلت المستشفى... أثبتت الفحوصات أني مصابة بأعراض الزائدة... قرر الأطباء إجراء العملية لاستئصالها، أجريت العملية، واستؤصلت الزائدة، ونُقل إليَّ دم آخر، ...وللأسف، كان الدم المنقول يحمل فيروس الإيدز، الحمد لله، كان هذا هو قضاء الله، وكان هذا هو قدري...
لم نعلم ساعتها بهذه النهاية الشنيعة لحياتي، عدنا... وبقينا ندرُج في نواحي حياتنا ونحن لا نشعر بشيء، مرت خمس سنوات أصبح عمري خمس عشرة سنة... وجميع شؤوني كما هي، لم أشعر بشيء ، ولم أدر عن شيء).
...حمدان ينظر إلى المسكينة التي أمامه وعيناه تذرفان دمعاً، ولعل قلبه يتقطع من جميع أنحاءه
...كانت شهقاته ترتفع بين الفترة والأخرى ولكنه قال لها:
- (وكيف عرفتِ أنك مصابة... كيف)
- (عندما تقدم الشاب الذي حدَّثَتْك عنه أمي لخطبتي، اقترح علي أن نذهب لأحد المستوصفات لعمل... فحوصات ما قبل الزواج... كنت سعيدة بهذه الفكرة... لم أعلم ساعتها أنها اللحظة التي سأعرف فيها أني سأموت... وأموت بداء الجنس
... وبعد إجراء الفحوصات عند المستوصف، كان كل شيء سليم إلا نتائج مختبر الدم... انفرد الطبيب المختص بفحص الدم، انفرد بخطيبي، ...كنّا ساعتها قد أجرينا عقد القران ولم ندخل بعد، ...انفرد به ...وقال له كلمات، ...كان مقطب الجبين ...قال لي زوجي حينها وهو بكامل غضبه، أخرجي، خرجت كانت علامات الحزن والغضب مرتسمة على وجهه، بقي زوجي والطبيب في الداخل وأقفل أحدهم الباب بالمزلاج وكنت لا أدري لماذا، ...بعد لحظات... فُتح الباب وخرج زوجي مكشِّراً أكثر من ذي قبْل، ..اقتربت منه لأسأله ولكنه - سامحه الله - (تفل) في وجهي... نعم تفل في وجهي وانصرف، ...لم أكن أعلم ساعتها أنه ينظر إليّ بكل احتقار ، يراني زانية، ...عاهرة، ولذا أصبت بهذا الداء، ..إيه.. كم.. كان قاسياً ساعتها، ...دخلت على الطبيب وسألته قال لي وهو مرتبك: (قدرك، ..أنت مصابة بمرض خطير... بعد إلحاح كبير قال لي... أنت مصابة بمرض الإيدز
كدت أضحك، من هذه النكتة الساخرة... الطازجة... الجديدة... حقاً كانت جديدة... ولكني أجْريْتُ يدي على جبهتي، فوجدت آثار البلل، من ريق زوجي، علمت أن المسألة جد، ..وليست بالهزل، ..وأنها لم تكن مجرد نكتة، ..الغريب أنني لم أبكِ ساعتها على حالي، ..ولا على زوجي بقدر ما بكيت عليك أنت... نعم يا حبيبي، أنت، بكيت عليك... كنت موقنة أنك أنت زوجي، ..لا أحد غيرك... وعلمت أن قبولي بغيرك أكذوبة مُرة كذبت بها على نفسي، ولكن أيقنت أنني لن أتزوج برجل في الدنيا، وأيقنت أنك زوجي في الآخرة قد أبالغ لو قلت لك إنني كدت أطير من الفرحة... لأنني سأموت بالإيدز، وألقاك في الجنة... أنت... نعم أنت... الهدية التي قدمها لي أبي.
...المهم ...خرجت من المستوصف، ...بالطبع لم أجد زوجي...
... لقد ذهب وتركني... وتلاشيت من حياته، لأني في نظره عاهرة، ...أخبرت أمي... تألـَّمت كثيراً، ربما أكثر مما تألمت، ..ساءت صحتها كثير، وللأسف شكَّت فيّ... ولكني ذكرتها بالعملية الجراحية وبالدم الفاسد... وذكرتها أيضاً بالرؤيا... واستَوْحَيْتُ أنني سأموت عما قليل... ويال خيبة أملي... مرت الأيام ولم يأت الموت... كنت أعمل لألقى الله بعمل صالح وألقاك في الجنة ولكن لم أمت وحتى اليوم، كما ترى، ...صحتي ممتازة، بقيت أعمل للدنيا وأعمل للآخرة... وانتظر الموت في كل لحظة، جسدي هنا وقلبي هناك عند الله... استبشرت، وخفت، وفي الأيام الماضية، تكررت الرؤيا التي أراك فيها، علمت أنه الموت الذي انتظرته، ذهبت أنا ووالدتي إلى رجل يُؤوِّل الأحلام.. أوَّل الرؤيا بطريقة غريبة جداً قال لنا هل أنت مريضة، قلت نعم لقد قال يبدو أنك ستتزوجين قريباً وبعد الزواج هناك احتمالان .. قلت في لهفة وما هما.. قال:
إما تشفين من داءك تماماً، وليس لك علاج إلا بهذا الزواج.. أما الاحتمال الآخر فيموت زوجك بنفس الداء، وتموتي بعده بقليل، قلت له أعوذ بالله... وكيف تؤول الرؤيا بهذه الطريقة... قال بكل هدوء... هذا كل ما عندي..
...ولما عاودتني الرؤيا كثيراً، سألت أحد أطباء الامتياز في المستشفى عن زواج المصابة بالإيدز هل فيه احتمال شفاءها وعدم إصابة زوجها... قال في عدم اكتراث ربما قلت له وهل أيضاً فيه احتمال إصابته بالمرض وعدم شفاءها منه قال أيضاً ربما ... ولا أدري هل صدق أم لا ... مع أني أشك في كونه فهم السؤال، المهم أخذنا ساعتها أنا ووالدتي أمر التأويل.. بعدم اكتراث وبقي يساورني تأويلي الخاص بأنه موعد دنو أجلي وموتي ولكن خاب تأويلي عندما فاجأتني الأقدار بك ورأيتك، ...أنت زوجي، رأيتك بشحمك ولحمك، ..أصبت ساعتها بالذعر، ...تخيلتك وأنت تصاب بالإيدز وتموت.
وأيضاً تخيلت نفسي، وأنا أنعم بكل صحتي ولا يوجد بداخلي أي فيروس وأنت بجواري... سنكون ساعتها كأجمل زوجين، ...احتقرت نفسي كثيراً... لآمالي... ولكني أحببتك بكل جزيئات جسمي، ...حتى فيروسات الإيدز التي تعبث الآن في دمي أحسست أنها أيضاً أحبَّت بقاءك، وأحبت ألاَّ تلوث جسمك الطاهر، انْصَرَفْتَ عني ساعتها، وبقيت الحسابات تدور في رأسي... حدَّثت أمي في هذا الموضوع، صُدمت أكثر مني... حدثتها عن أملي في أن تكون زوجاً لي... كادت تصفعني... قالت أنت حقيرة تريدين أن تختمي حياتك بالقتل، ..هل هذه آخر آمالي فيك،.. أقتليه ثم موتي بعده بساعات، والقي الله بدمه.
...لقد فَهِمَتْني أمي ساعتها بطريقة خاطئة...
ولعلَّك أيضاً فهمتني حين صرخت، بطريقة خاطئة... هيهات... أن أُفكِّر في قتل إنسان وأنا مختاره... لم أفكر لحظة أن أتصل برجل منذ عرفت أن جسمي يحمل خبثاً تنوء عنه الجبال).
...الدهشة لازالت تتزايد ، وترتسم على كل ذره من جسم حمدان... قرأ آلاف الكتب، ورأى آلاف الصور، وخاض تجربة كبيرة، كل ذلك في أثناء سماعه لكلمات ريم، ولازال يسمع، ولازالت ريم تتحدث.
قطب حاجبه عندما عرف موقف أمها من الزواج وأنها لم تكن لتسمح لريم بالزواج وهي مريضة، وتسائل في نفسه لماذا ياريم فعلت كل هذا، لقد أوشكت على قتلى، قرأت ريم كل ما كتب في قلب حمدان... قالت وهي شبه مبتسمة.
- (...هل تلومني على ما فعلت، ...لك أن تلومني ولكنَّ أملا صغيراً خالج نفسي، عندما رأيتك، لقد تذكرت تفسير الشيخ للرؤيا... لقد قال ربما تتزوجين، وتُشفين تماماً من المرض ولا يصاب زوجك بمكروه، كبر هذا الأمل عندي حتى أصبح وعداً أكيداً، لسبب بسيط هو أنك هبة الله لي، تضاعف أملي أكثر وأكثر، ثم قلت لأمي:
- (ربما تكون النبوءة بنجاتي ونجاته هي الأصدق)
أطرقت أمي برأسها، وداعبها الأمل الجميل الذي داعبني من قبل.
والحقيقة شيء والآمال شيء، سمحت لي بالتعرف عليك فقط... وأن أعرض لك مشكلتي، أن أشبع عيني بالنظر إليك، لم يعد لي طموح غير ذلك استئذنت من والدتي في النظر إليك قالت لي:
- (استفتي قلبك يا بنتي)
... وليلة البارحة خلدت إلى فراشي... طموحي قاصر على إشباع نظري من وصية والدي لي... وليغفر الله لي ذنبي
...ثم أسلمت نفسي لنوم عميق...
أتتني الرؤيا كفلق الصبح... أتاني والدي... كان يمسك بيدك يا حمدان، نعم بيدك وكان يبتسم ابتسامة لم أرها في فمه من قبل ، قال لي:
- يا فتاتي لم العصيان، ها قد جاءك زوجك حمدان خذي بيده للفردوس الموعود، إياك أن تفرِّطي فيه، ستسعدين معه سعادة كبيرة، اختفى والدي، وتقدمت أنت ، وأخذت بيدي، إلى المروج والأنهار، نعم البارحة يا حمدان...
...قلت لأمي ما شاهدت في الرؤيا ، دمعت عيناها... وقالت:
- (الله كريم)
لم تقل كلمة أخرى، قلت لها:
- (هل أتزوجه)
- (لا أدري ، ولكن إياك أن تلقي ربك بدم مؤمن، أنت مريضة...)
- (قد أشفى يا أمي)
- (إياك أن تلقي ربك بدم مسلم...)
- (سيحضر الليلة يا أمي، وسترينه، وأعدك ألا أقتله أبداً...)
...قامت أمي... وبقيت استرجع الرؤيا ....اعذرني يا حمدان فيما فعلت، لقد طمحت أن يكون لي زوج، فقط اسم زوج، أحببت أن أقول للناس هذا زوجي، تماماً كأي امرأة تقول ذهب زوجي ، أو جاء زوجي، لا أستطيع قول زوجي إلا بطريقة واحدة، وفي طيات نفسي...، إنها: تفلني زوجي، أو طلقني زوجي... أنا أتعذب يا حمدان...
...تذكرت أبي، وتذكرت الحديقة الفيحاء، أحببت أن أراك بجواري، صدقني، أو لا تصدقني، المهم أنني صادقة عند نفسي، وصادقة عند ربي، أحببت أن تربطني بكَ علاقة الأبوة، ...علاقة الأخوة... علاقة الصداقة، ..دون أيما اتصال... ولكن كيف؟ لن يتم ذلك إلا عن طريق الزواج، ..اقْتَنَعَتْ أمي بذلك، ..اقتنعت بعد تلك المواثيق المغلظة على ألا تمسني، ..كنت على أقوى عزم لتنفيذ وعدي لها... وكنت أريدك ألا تعلم بشيء من ذلك.
لذا قلت لك سابقاً أنا لا أهتم إلا بكونك زوجاً لي، زوجاً بالاسم، يحل لي النظر إليك، والحديث معك، والأنس والبهجة، ولن يكون غير ذلك.
...في هذه الليلة، كنت سعيدة معك غاية السعادة، ..لقد تحققت كل أمنياتي، ..وعندما أردنا الذهاب للنوم أحسست بأنانيَّتي... لقد حققت كل ما أريد دون أن أفكر فيما تريد ، أحسست أني مخادعة... كذّابة... بكيت على نفسي... رأيت براءتك وأنت تستفسر عن حالي وتخبرني أنك ستطلقني... إذا طلبت ذلك منك، ..أحسست بأني ازددت إجراماً حين تلاعبت بمشاعرك من أجل تحقيق مصالحي، ..وأحسست أن طيبتك تجعلك تتمادى في تناسي ذاتك، من أجل الآخرين.
... تخيَّلت هذا الإنسان الطيب يقترب مني، فيصاب بالموت ، لم أتمالك تحمل ذلك.. دفعتك ، لأني أحسست أني إنسانة موبوءة، ولا يجوز أن يقترب السليم من الأجرب... تمنيت أنك تخرج بعيداً عني، وتمنيت ألا يصل بدنك الطاهر بجسمي المليء بالسم ... وبعد أن اكتشفتُ حقيقة أنانيتي، وتشَـبَّع قلبي بحبك ، أيقنت أن بقاءك بجواري خطر عليك، لذا أخذت قراري بطردك من المنزل، دون أن تعلم أي شيء عني، وعلمت أنك ساعتها لن تبصق علي، بل ستسامحني لأنك أبي، وزوجي، ..وستنساني، ..وحينها لن تموت... وسينعم بك أبناءك وزوجتك، ..لا يضر أن أُحرم أنا، لأني كنت أبني حياتي وسعادتي على شفى حلم، .. ولكنك كنت أباً رحيماً أكثر من أي أب، لقد وضعت يدك على رأسي، وأعدت الروح إليّ بطريقتك الخاصة، التي علمك إياها الله، كما علَّم عيسى من قبل طريقة أخرى ، لإعادة الأرواح، ..لقد قرأت القرآن، وهو روح من أمر الله، ..أحسست أن إيماناً كالجبال يسكن في أنحاء جسمي، ويحل على خلايا بدني، ..ولعلي أحسست أنه سحق الفيروس الذي لم يعد لعيناً الآن، لأنه ساعدني في ألاَّ أقتلك، فقط عندما آمن أنك يجب أن لا تقتل به، .. وها أنا ذي بين يديك، ..لك أن تبصق علي، ..أو تسامحني، وتذهب إلى غير رجعة، ولك أن تسامحني وتكون أباً وصديقاً لي... أنا وكل ما أملك لك)...
...هذا بالضبط ما حدث... وهذا بالضبط ما قالته ريم كلام سَمِعَتْهُ كل ذرات الهواء، وسمعته كل أنحاء القصر، ووقفت خاشعة، ..وسمعه حمدان بكل انتباه، ..وعندما انتهى عرض السر، قام حمدان صامتا ، أيقنت ريم أنه سيخرج إلى الأبد، ..وضعت وجهها بين كفيها كي لا تراه مُدبراً قد ولاَّها ظهره، ..كان عندها بصيص من أمل في عودته، سَمِعَتْ الباب الخارجي يفتح... وسمعته أيضاً يغلق إنها أسوأ ليلة عرس مرت على عروس... بقيت ريم تتذوق ألمها كانت في وضعها ذاك وكانت تستحث الفيروس، ليقوم بعمله اللازم لموتها ، أوه ما أكسله، ..لماذا لا يُتْلِفْها، ويرتاح وترتاح كذلك، ...في الواقع أن خروج حمدان، وإلقاءه بكل عواطفها جانباً، أمر لم يكن متوقعاً خاصة من وجهة نظر القارىء والكاتب ، لقد تأسف كثيراً على حال ريم.. وأولى أن يكون أسى حمدان أكثر وأكثر، ...ولكن هل ياترى من عودة لحمدان... أم أنها نهاية الرواية، ...لقد خرج حمدان من المنزل وهو أشبه بفاقدٍ للوعي أو بالسكران، ..قام بما قام به بحركات شبه لا إرادية.
وعندما لفحه الهواء البارد في الخارج عاد له شيء من رشده، اتجه للمسجد، وغسل وجهه، وتوضأ.
9 ــ الأذان
...لم تُفق ريم من آلامها الرهيبة، إلا على صوت أشبه بالكهرباء، التي أعادت إليها إحساسها ثانية... إنه صوتٌ محبوب جداً لها، ..إنه صوت أذان الفجر، ولكنه هذه المرة على لسان حمدان، وبمزمار صوته الجميل، ..الله أكبر، ..الله أكبر...كل شيء كَبَّر، وكل شيء ابتهج ، أمال المنزل رأسه مع (الله أكبر) وأولى به لو تكلم أن يكبر خلفه ويقول: الله الله.
...لازال حمدان موجوداً، ..لازال له أثر، ..لم يكن قطعه ملح ذابت، أو ابتلعته الأرض، ..وإنما هو هنا... يبث حنانه من جديد، ..لتلك النفس المسكينة التي كادت أن تيبس عندما خرج منذ قليل، ..قامت ريم مبتهجة، ..فتحت باب النافذة المطلة على المسجد، ..تحدرت عبراتها مبتهجة وهي ترى المئذنة العالية تردد صوت زوجها، ..كانت تحس بأن المئذنة تتكلم، وتؤذن، ...أصبح حمدان عملاقاً صلباً يتكلم ، أرادت ريم أن تكلم المئذنة وتخاطبها، أرادت أن تعانقها لأن صوت زوجها ينطق على لسانها المرتفع،... توضأت، ..ولبست جلبابها وانسابت إلى المسجد، ..إلى مصلى النساء، ..لم يزل يضم الزوجين بناء واحد، ..وهذه المرة، البناء هو بيت الله، ..ثم أسعدها الحظ، ثم زادت سعادتها (مرة أخرى).. عندما سمعت صوته في الإقامة.. لا تدري عندما سمعته يلفظ آخر ألفاظها ، (لا إله إلا الله) لماذا شهقت.. لعلها قالت في نفسها إنه آخر لفظ قد أسمعه من أبي، من زوجي، أوه لماذا يا حمدان... لكن ابتسم لها الحظ من ثالثة، عندما كبر، وأم الناس... لم يحظر الإمام، وكان هو الأجدر بالإمامة... خشعت في صلاتها تلك أيما خشوع... ولعل السبب معروف، .. انتهت الصلاة ، وأخرجت ريم دمعتين على آخر كلمة ضنت أنها تسمعها من حمدان، ..(السلام عليكم ورحمة الله) لم تسلم ريم من صلاتها بعد أن سلم حمدان من صلاته، لم تسلم على الملائكة، وإنما التفتت يمينا وقالت: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)... (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته) . لم تنتبه لهذا الخطأ ولم تدر عنه وحتى اليوم، وأولى بها لو سمعت صلاتها مسجلة أن تعيد السلام على الملائكة ... وتسجد للسهو .
خرجت ريم من المسجد... كانت تريد أن تلقي نظرة أخيرة على حمدان وهو يخرج، انتظرت كثيراً في الهواء الطلق حتى خجلت من وقفتها، حمدان لم يخرج عبثاً عادت للوراء خطوات لتنظر للمحراب للأسف لم تر حمدان، كم كانت حسرتها... لقد تأخرت بالداخل، أخَّرها انتظار خروج المصلين ...لم تكن تريد الدخول في زحام الرجال، ولم تكن تعلم أن حمدان خرج مع الجموع، وذهب، ..وإلى الأبد، ..حملت خيبتها على جوانب قلبها ، وبدأت تسير .
10 ــ الوهم والحقيقة
خطواتها أثقل من مُجَنْزَرات البلجوزر، ورأسها ثقيل أشبه بكومة من الهموم..، لا تزال صورة المحراب الخالي ماثلة أمامها، تهزء بها مع كل خطوة، وتؤنبها على روايتها المخجلة، تريدين زوج!! (هه)... تريدين أب!! ليس لك إلا قدرك... شفتاها تتمتم، وكأنها تهجو كل شيء من حولها ...خطوة من خطواتها ارتطمت بباب القصر الكبير، لقد وصلت أخيراً إلى سجنها الجميل، ياترى ما قيمة الجمال إذا كان الإنسان مسجوناً، ارتسمت صورة حمدان أمامها..، عصفورها الجميل، الذي طار، ولم تحض منه بنظرة أخيرة، ستكون تعيسة من اليوم ، وإلى الأبد...
أدارت مفتاح الباب، إنه أشبه بمفتاح قبرها، دفعت الباب، ودخلت.. الصمت، هو الصمت، والهدوء هو الهدوء، والحرمان هو الحرمان. خطواتها الثقيلة لازالت تسير بها للأمام. إنها ذاهبة لغرفتها الوثيرة، ستلقي بنفسها على السرير، وستنام..، ليتها تكون نومة أهل الكهف، أو نومة أهل القبور... لكن ... نظرت للبهو ... الإسراف حرام، وضوء البهو الواسع يتَّقد..، عليها أن تطفيء الضوء، كي لا تلقى ربها وهي مسرفة... سارت نحو البهو، هواء عليل يجيئها من جهة البهو، أشبه بنسيم الحياة... تقدمت حتى دخلت البهو، يال دهشتها تمثال زوجها لازال جالساً على المقعد... لا... لا ليس تمثال... إنما هو وهم في ذهنها، ولكن لازال جالساً...
...ريم سعيدة لأنها رأت هيئةً لزوجها، حتى ولو هيئة خياله.
...قام ذلك التمثال الجالس وابتسم ، وتقدم نحوها، إنه زوجها حمدان، لا تستطيع أن تصدق أبداً، زوجها موجود أمامها، هل هذا وهم أم حلم،.. أو ربما كان حقيقة... ربما... العواطف في قلبها الغض تلتهم كل أفكارها لم تستطع أن تتقدم ، أو تتأخر، ولم تستطع أن تصدق أو تُكذب عينيها...
...ولكنَّ حمدان تقدم ، وتقدم ، وبسمته تغطي وجهه، وتكتسح كل هموم ريم لتحولها إلى سعادة وصل إليها، ومد يده مداعباً لها... وعندما أمسك بأذنها بلطف قال:
- (من سمح لك بالخروج من المنزل، أتحسبين أنك لازلت سائبة، بلا زوج..هـ ..هـ ..هـ...)
...أرادت ريم أن تضحك، ولكنها لم تفهم شيئاً مما حدث لذا صرخت باكية.
قال حمدان:
- (ماذا بك يا ريم، لماذا تكشرين في وجهي، أنا في حاجة لابتسامتك)
تراجعت ريم قليلاً، ثم جلست على الأرض.
- (هل أنت حمدان حقيقة)
- (لا أدري، ربما حمدان ، ربما زوج ريم، هـ..هـ-..)
...ابتسمت ريم أخيراً، إيذاناً بأنها بدأت في تَقَبـُّل كل ما تراه، وتفهُّمه أيضاً.
...جلس حمدان على الأرض مقابلاً لها... وضعت يدها على يده وقالت:
- (هل أنت حمدان؟!)
- (أجيبي لماذا خرجت دون إذن زوجك ..هـ ..هـ..هـ هيا تأسفي... هـ.. هـ..هـ..)
- (إني أذوب أسفاً!!!)
- (أسفك مقبول، هل من عادتك الخروج في مثل هذا الوقت)
- (صوتك يا حمدان هو الذي حملني حملاً على الخروج لم أشعر إلا وأنا في شبه نَقَّالة ترفعني وتخفظني)
- (الله شاعرة، شاعرة ياريم، أكيد تخرجين من التهمة، مثل الشعرة من العجين. هل تريدين أن أعطيك شعراً أيضاً، مثل شعري إياه!!)
...قام حمدان مستعجلاً، وانطلق جهة غرفة ريم في الدور الثاني.
- (إلى أين)
- (سأجمع الأغراض)
- (لماذا)
- (الرحلة بعد ساعة...)
...هكذا غُرست الخنجر الأخيرة في قلب ريم، كم تحمَّل قلبها، ولكنه سينهار لا محالة.. الرحلة بعد ساعة... ساعة فقط ويطير عصفورها...
أكمل حمدان:
- (الوقت يمضي بسرعة، ولا زال هناك حجر وانتظار أرجو أن تكون الطائرة خالية، وقبلها يجب أن أتصل بأبي في المستشفى وأهلي في الجنوب)
.. حمدان يقول هذا الكلام وهو غير مكترث بما حوله، الكلام يسير على لسانه بكل بساطة، وكأنه لا يعبه بمشاعر من حوله
حدثت ريم نفسها بما أعاد لها بصيصاً من أمل، قالت سراً: (هل تراه سيرجع لو كانت الطائرة مليئة بالركاب، ليت الطائرة تعجز عن الطيران، ليتها تمتلىء بالركاب، ليته يعجز عن السفر، ولكن هل معنى كونه لا يسافر، أن يعود إلى هنا...
لم يعد عندي شيء يبحث عنه حمدان، ...سابقاً كان لدي سر أخفيه عنه، كان يلح في معرفته ذليلاً ...السر أصبح عنده الآن، هل سيرجع لو لم يجد حجزاً على الطائرة أم لا... لا أستطيع أن أسئلة أو أتلفظ بطرف كلمة، لأعرف مصيري معه... لعله الآن يفكر في كتابه ورقه الطلاق، ليُلقي بها في وجهي، وربما بصق علي مع مناولته للورقة.
من حقه... نعم من حقه... سامحني الله)
عاد حمدان بسرعة، ...اقترب من ريم نظرت إليه بلهفة ثم قالت:
- (في أمان الله...)
لم تشأ أن تقول يازوجي وإنما أردفت مطأطئة رأسها
- (حفظك الله يا حمدان)
...أردف حمدان بضحكة غير متوقعه، للأسف كانت ضحكة ساخرة ومستهترة، ...بعدها
قال بسخرية أشد:
- (حفظك الله يا حمدان...هـ ..هـ.. حفظنا الله جميعاً... هيا تحركي... هـ هـ.. حفظك الله.. يا حمدان!؟)
قالت في انفعال:
- (أتحرك؟..لماذا..)
- (ألم أقل ... الإقلاع بعد ساعة فقط)
- (وماذا تريد أن أعمل من أجلك)
- («اللهم طولك ياروح» الأغراض، أعدي أغراضك)
- (أغراضي... أنا!!)
- (أجل أغراضي أنا؟ ألا تعلمين أنه ليس لديَّ أغراض هنا... أغراضي في الفندق، ألا تذكرين، ..بعد أن اختطفني خدمك بالأمس..، هيا، يجب أن آخذها من الفندق).
- (ولماذا أعد أغراضي يا حمدان)
- (لنسافر)
- (أنت و... وأنا)
- (ماذا بك؟، نعم أنت وأنا)
- (لا أدري ماذا أقول... أرجوك أخبرني الحقيقة، مإذا تقصد)
- (سنسافر إن شاء الله، إلى مكة، صباح اليوم،.. على رحلة الساعة (7) من مطار الرياض لمطار جدة... ثم إلى الحرم ... لأخذ العمرة ، هل فهمت)
- (لكن هل سآتي معك)
- (ألست زوجتي)
- (ألن تطلقني...)
- (ولماذا أطلق أحب إنسانة، ...تذكر حمدان زوجته الأولى وطأطأ رأسه حتماً هو يحبها أكثر فهي أم أولاده وحبُّه الأول)
... وترقرقت مئات الدمعات في عيني ريم وتزاحمت على الخروج، ..ثم خرجت أخيراً على شكل نهر قزم، وانطلقت ريم بدون شعور لترمي بنفسها الرقيقة المسكينة على صدره الحنون، ..وذرفت دموع حمدان أيضاً، .. واتصلت الدموع من هنا وهناك، وجرت كأروع امتزاج امتزجه حب صادق، وامتزجت نفسيهما البريئتين، ..وبقي النهر الأكثر عذوبة من أي نهر في العالم، مع أنه أصغر نهر قُدِّر له أن يجري،... بقي ما شاء الله له، ..وبردت كل الآلام التي حواها الجسم الناحل، ...جسم ريم، ومع آخر قطرة انقطع بعدها الدمع، ...أسرعت في إعداد عدة السفر، ...قالت لأمها بعزمها على السفر، ..ردت الأم... (حفظك الله).
وكرر حمدان الاتصال بالمستشفى ليطمئن على صحة والده... وعلم أن كل شيء على ما يرام... وأن الأخ الأصغر لحمدان أصبح بجوار الأب ليقوم بخدمته على أفضل وجه... وأخبر والده بأنه مضطر للسفر... في أمان الله ... يا حمدان
...أقلعت الطائرة التي تُقل أغرب زوجين عرفهما الزمن النافر... زواج الأبوّة وزواج الصداقة، وبدأ شهر العسل، ..أغرب شهر عسل يراه الوجود، ..ولكن ياترى ماذا سيحدث في الأيام القليلة القادمة، أو بالأحرى في هذا اليوم، ..أول أيام شهر العسل هل سيبقى الزواج زواج أبوة وصداقة أم أن هناك بوادر تشير بأمر آخر، ..هذا ما يزعمه الكاتب... ويدعي أيضاً بداية سيناريو جديد في هذه القصة، ...لعلَّه أغرب من السيناريو السابق سنتابع مع الكاتب من زعم ما أسراراً دقيقة لم تكن أبداً لتخطر لنا على بال... وربما سيصدق زعم الكاتب وربما كان يطلب منا متابعة غثاءٍ من الكلام تبقى في ذهنه، وخشي أن يُلقي القراء بكتابه جانباً بعد أن أسعدهم معرفة آخر الأخبار التي وصلت لها أسرة حمدان الجديدة.
بدأ سيناريو قصة جديدة ، لم تكن أبداً في مخيلة حمدان ولا حتى في مخيلة (كاتب هذه الرواية) ولا حتى في مخيلة أحد... حمدان انهارت كل آماله التي ضنها صَرْحَاً ممرداً، وانهارت معها كل أعصابه، ..ولابد أن القارىء لهذه الأحداث وحتى كاتبها كان يريد إراحة أعصابه بتلك النهاية السعيدة، ويحتاج أيضاً إراحة قلمه من مشوار جديد يَلْمه لإكماله إلى جهدٍ وحبرٍ وقراءة ... الكل ... يريد استمرار البسمة التي ارتسمت على وجهه وهو يطالع كل تلك السعادة من نافذة صغيرة في ذهنه... وعلى النافذة الآن أن تتسع لتحتمل مستقبلاً جديداً لا يوحي بخير أبداً بالنسبة للزوجين الجدد... ولعلنا جميعاً وفي هذا السيناريو الجديد نُشبع فضولنا، بمعرفة السر (الثالث) أو الأول الذي تشوقنا مسبقاً لمعرفته...
- (قال حمدان... ماذا بك ياريم «هل جننتُ»)
- (كنت مجنونة حين اخترتك زوجاً... بل كنت مجرمة..)
- (الأمر بسيط أطلقك وكل يذهب لحال سبيله)
- (كلا... كلا... كلا)
... أمسكت بيده وضمتها إلى صدرها وقالت:
- (أنت عظيم يا حمدان أنت حبيبي، لا أريد أن أقتلك يجب أن لا تموت، وكل من هم مثلك يجب ألا يموتوا... يجب أن لا يقتلهم المجرمون من أمثالي... أرجوك أبعد عني...
... لا تقرب مني كي لا تموت... سأقتلك...)
...جلس بجوارها على نفس المقعد ووضع يده على جبينها وأخرج مصحفاً صغيراً من جيبه... وبدأ يقرأ فيه، بدأ بالفاتحة كان صوته ساحراً جميلاً، كأنما أوتي مزماراً يتكلم به ويقرأ، ..انتهى من قراءة الفاتحة ولم يزل الاضطراب يكاد يقطع ريم المسكينة، ..بدأ في قراءة سورة البقرة كان تجاوبها بطئياً... استمر يقرأ ويقر.. واستمرت تستجيب ... مرَّ ما يقارب الساعة... تحسن وضعها كثيراً.
...أكمل قراءة سورة البقرة... سبحان الله كأنها قبس من النار أطفىء... صدقوا ذلك... كل ما في القصر... رآها، وأنا أيضاً رأيتها، ...أصبحت أكثر وداعة، ..تصبب عرقها غزيراً أمالت رأسها على صدره وقالت:
- (يجب ألا تموت يا حمدان)
- (إذا كتب لي الموت فسأموت)
- (المهم ألا يكتب على يديّ)
- (مستحيل أن تقتليني، ومستحيل أن أصدق بذلك حتى ولو رأيت السكين في يدك ورأيتك تحزين رأسي، ولن يعدو ذلك عن كونه حلم سخيف، من شيطان سخيف.)
- (...حمدان)
- (عينيِّ)
- (قررت أن أقول لك السر الثالث أقصد الأول ... لن أندم يوماً ما على جريمة قتلك... لو قلت لك السر)
- (قولي)
- (حمدان.. أنا مصابة بمرض الإيدز، ...نعم يجب أن تصفعني الآن... ويجب أن تركلني، ..كنت دنيئة لأني حدثت نفسي بالأوهام... يجب أن أموت أنا، وأن تبقى أنت، وليس العكس).
8 ــ الإيـــدز
بدأت التغيرات الجسام ترتسم على وجه حمدان، وبدأ عِرْقٌ في رأسه ينبض بقوة، وعادت له حالة الأحلام والأوهام التي أحس أنه كان يعيشها منذ ساعات، ...لايمكن لهذا كله أن يحصل، الحياة أمامه تبدو ألعوبة وكل شيء يتقّزّم حول تصوراته.
...الأيدز، الشبح الرهيب، الذي سمع عنه كثيراً، واقترن في ذهنه بالكفار والمجرمين يظهر أمامه الآن، وفي إنسان من أهم الناس عليه...لا لا ...هذه سخافة... كاد يضحك، وكاد أيضاً يبكي، ولكنه ألقى نظرة نارية لريم أشبه برصاصة، أو قنبلة.
...كادت ريم تنفجر لتلك النظرة، كادت تموت هماً وغماً... قالت ردَّاً على نظرته النارية
- (اطمئن يا حمدان، اطمئن، لم أكن في يوم من الأيام ماجنة، أو عاهرة، ولكنه قدري، إنها فتنة واختبار، وأرجو أن أكون مؤمنة وصابرة كنت سأكفر لو (ابتليتك معي) بهذا الداء، وتموت نفس طيبة بريئة.)
...ضَرَبَ حمدان بيديه على رأسه ، كاد يصرخ بأعلى صوته، ...شريط الأحداث يتسارع ، وشيء ما يكاد يخنقه، ربما اقتربت القيامة، وربما روحه خرجت من جسده، وربما لازال حياً إنه يشعر أنه لازال حياً، ولكن شيئاً ما أفسد عليه حياته انقدحت في عينيه نظرة أخرى، أشد جرأة واستفساراً... وجهها نحو ريم، كأنها تقول كيف أصبت بالإيدز...
...شعرت ريم بما يعتمل في نفسه قالت متلعثمة:
- (قبل عدة سنوات سافرت أنا وأمي للنزهة، كانت رحلتنا لبلد جميل، ولم نكن ندري ماذا تخفي لنا الأقدار بين لوحات جماله، وكان ذلك البلد متقدماً لدرجة كبيرة، في طب الأسنان، كنت أشكو من آلام في بعض أسناني، وكانت فرصة مناسبة لعلاج تلك الأسنان... ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن... أصلحت أسناني... وتمتعنا بالتنزه... ومر شهر كامل كأنه ساعة واحدة...
قررنا الرحيل، والعودة لبلدنا، ولكن قبل الرحيل أصبت بآلام في بطني، دخلت المستشفى... أثبتت الفحوصات أني مصابة بأعراض الزائدة... قرر الأطباء إجراء العملية لاستئصالها، أجريت العملية، واستؤصلت الزائدة، ونُقل إليَّ دم آخر، ...وللأسف، كان الدم المنقول يحمل فيروس الإيدز، الحمد لله، كان هذا هو قضاء الله، وكان هذا هو قدري...
لم نعلم ساعتها بهذه النهاية الشنيعة لحياتي، عدنا... وبقينا ندرُج في نواحي حياتنا ونحن لا نشعر بشيء، مرت خمس سنوات أصبح عمري خمس عشرة سنة... وجميع شؤوني كما هي، لم أشعر بشيء ، ولم أدر عن شيء).
...حمدان ينظر إلى المسكينة التي أمامه وعيناه تذرفان دمعاً، ولعل قلبه يتقطع من جميع أنحاءه
...كانت شهقاته ترتفع بين الفترة والأخرى ولكنه قال لها:
- (وكيف عرفتِ أنك مصابة... كيف)
- (عندما تقدم الشاب الذي حدَّثَتْك عنه أمي لخطبتي، اقترح علي أن نذهب لأحد المستوصفات لعمل... فحوصات ما قبل الزواج... كنت سعيدة بهذه الفكرة... لم أعلم ساعتها أنها اللحظة التي سأعرف فيها أني سأموت... وأموت بداء الجنس
... وبعد إجراء الفحوصات عند المستوصف، كان كل شيء سليم إلا نتائج مختبر الدم... انفرد الطبيب المختص بفحص الدم، انفرد بخطيبي، ...كنّا ساعتها قد أجرينا عقد القران ولم ندخل بعد، ...انفرد به ...وقال له كلمات، ...كان مقطب الجبين ...قال لي زوجي حينها وهو بكامل غضبه، أخرجي، خرجت كانت علامات الحزن والغضب مرتسمة على وجهه، بقي زوجي والطبيب في الداخل وأقفل أحدهم الباب بالمزلاج وكنت لا أدري لماذا، ...بعد لحظات... فُتح الباب وخرج زوجي مكشِّراً أكثر من ذي قبْل، ..اقتربت منه لأسأله ولكنه - سامحه الله - (تفل) في وجهي... نعم تفل في وجهي وانصرف، ...لم أكن أعلم ساعتها أنه ينظر إليّ بكل احتقار ، يراني زانية، ...عاهرة، ولذا أصبت بهذا الداء، ..إيه.. كم.. كان قاسياً ساعتها، ...دخلت على الطبيب وسألته قال لي وهو مرتبك: (قدرك، ..أنت مصابة بمرض خطير... بعد إلحاح كبير قال لي... أنت مصابة بمرض الإيدز
كدت أضحك، من هذه النكتة الساخرة... الطازجة... الجديدة... حقاً كانت جديدة... ولكني أجْريْتُ يدي على جبهتي، فوجدت آثار البلل، من ريق زوجي، علمت أن المسألة جد، ..وليست بالهزل، ..وأنها لم تكن مجرد نكتة، ..الغريب أنني لم أبكِ ساعتها على حالي، ..ولا على زوجي بقدر ما بكيت عليك أنت... نعم يا حبيبي، أنت، بكيت عليك... كنت موقنة أنك أنت زوجي، ..لا أحد غيرك... وعلمت أن قبولي بغيرك أكذوبة مُرة كذبت بها على نفسي، ولكن أيقنت أنني لن أتزوج برجل في الدنيا، وأيقنت أنك زوجي في الآخرة قد أبالغ لو قلت لك إنني كدت أطير من الفرحة... لأنني سأموت بالإيدز، وألقاك في الجنة... أنت... نعم أنت... الهدية التي قدمها لي أبي.
...المهم ...خرجت من المستوصف، ...بالطبع لم أجد زوجي...
... لقد ذهب وتركني... وتلاشيت من حياته، لأني في نظره عاهرة، ...أخبرت أمي... تألـَّمت كثيراً، ربما أكثر مما تألمت، ..ساءت صحتها كثير، وللأسف شكَّت فيّ... ولكني ذكرتها بالعملية الجراحية وبالدم الفاسد... وذكرتها أيضاً بالرؤيا... واستَوْحَيْتُ أنني سأموت عما قليل... ويال خيبة أملي... مرت الأيام ولم يأت الموت... كنت أعمل لألقى الله بعمل صالح وألقاك في الجنة ولكن لم أمت وحتى اليوم، كما ترى، ...صحتي ممتازة، بقيت أعمل للدنيا وأعمل للآخرة... وانتظر الموت في كل لحظة، جسدي هنا وقلبي هناك عند الله... استبشرت، وخفت، وفي الأيام الماضية، تكررت الرؤيا التي أراك فيها، علمت أنه الموت الذي انتظرته، ذهبت أنا ووالدتي إلى رجل يُؤوِّل الأحلام.. أوَّل الرؤيا بطريقة غريبة جداً قال لنا هل أنت مريضة، قلت نعم لقد قال يبدو أنك ستتزوجين قريباً وبعد الزواج هناك احتمالان .. قلت في لهفة وما هما.. قال:
إما تشفين من داءك تماماً، وليس لك علاج إلا بهذا الزواج.. أما الاحتمال الآخر فيموت زوجك بنفس الداء، وتموتي بعده بقليل، قلت له أعوذ بالله... وكيف تؤول الرؤيا بهذه الطريقة... قال بكل هدوء... هذا كل ما عندي..
...ولما عاودتني الرؤيا كثيراً، سألت أحد أطباء الامتياز في المستشفى عن زواج المصابة بالإيدز هل فيه احتمال شفاءها وعدم إصابة زوجها... قال في عدم اكتراث ربما قلت له وهل أيضاً فيه احتمال إصابته بالمرض وعدم شفاءها منه قال أيضاً ربما ... ولا أدري هل صدق أم لا ... مع أني أشك في كونه فهم السؤال، المهم أخذنا ساعتها أنا ووالدتي أمر التأويل.. بعدم اكتراث وبقي يساورني تأويلي الخاص بأنه موعد دنو أجلي وموتي ولكن خاب تأويلي عندما فاجأتني الأقدار بك ورأيتك، ...أنت زوجي، رأيتك بشحمك ولحمك، ..أصبت ساعتها بالذعر، ...تخيلتك وأنت تصاب بالإيدز وتموت.
وأيضاً تخيلت نفسي، وأنا أنعم بكل صحتي ولا يوجد بداخلي أي فيروس وأنت بجواري... سنكون ساعتها كأجمل زوجين، ...احتقرت نفسي كثيراً... لآمالي... ولكني أحببتك بكل جزيئات جسمي، ...حتى فيروسات الإيدز التي تعبث الآن في دمي أحسست أنها أيضاً أحبَّت بقاءك، وأحبت ألاَّ تلوث جسمك الطاهر، انْصَرَفْتَ عني ساعتها، وبقيت الحسابات تدور في رأسي... حدَّثت أمي في هذا الموضوع، صُدمت أكثر مني... حدثتها عن أملي في أن تكون زوجاً لي... كادت تصفعني... قالت أنت حقيرة تريدين أن تختمي حياتك بالقتل، ..هل هذه آخر آمالي فيك،.. أقتليه ثم موتي بعده بساعات، والقي الله بدمه.
...لقد فَهِمَتْني أمي ساعتها بطريقة خاطئة...
ولعلَّك أيضاً فهمتني حين صرخت، بطريقة خاطئة... هيهات... أن أُفكِّر في قتل إنسان وأنا مختاره... لم أفكر لحظة أن أتصل برجل منذ عرفت أن جسمي يحمل خبثاً تنوء عنه الجبال).
...الدهشة لازالت تتزايد ، وترتسم على كل ذره من جسم حمدان... قرأ آلاف الكتب، ورأى آلاف الصور، وخاض تجربة كبيرة، كل ذلك في أثناء سماعه لكلمات ريم، ولازال يسمع، ولازالت ريم تتحدث.
قطب حاجبه عندما عرف موقف أمها من الزواج وأنها لم تكن لتسمح لريم بالزواج وهي مريضة، وتسائل في نفسه لماذا ياريم فعلت كل هذا، لقد أوشكت على قتلى، قرأت ريم كل ما كتب في قلب حمدان... قالت وهي شبه مبتسمة.
- (...هل تلومني على ما فعلت، ...لك أن تلومني ولكنَّ أملا صغيراً خالج نفسي، عندما رأيتك، لقد تذكرت تفسير الشيخ للرؤيا... لقد قال ربما تتزوجين، وتُشفين تماماً من المرض ولا يصاب زوجك بمكروه، كبر هذا الأمل عندي حتى أصبح وعداً أكيداً، لسبب بسيط هو أنك هبة الله لي، تضاعف أملي أكثر وأكثر، ثم قلت لأمي:
- (ربما تكون النبوءة بنجاتي ونجاته هي الأصدق)
أطرقت أمي برأسها، وداعبها الأمل الجميل الذي داعبني من قبل.
والحقيقة شيء والآمال شيء، سمحت لي بالتعرف عليك فقط... وأن أعرض لك مشكلتي، أن أشبع عيني بالنظر إليك، لم يعد لي طموح غير ذلك استئذنت من والدتي في النظر إليك قالت لي:
- (استفتي قلبك يا بنتي)
... وليلة البارحة خلدت إلى فراشي... طموحي قاصر على إشباع نظري من وصية والدي لي... وليغفر الله لي ذنبي
...ثم أسلمت نفسي لنوم عميق...
أتتني الرؤيا كفلق الصبح... أتاني والدي... كان يمسك بيدك يا حمدان، نعم بيدك وكان يبتسم ابتسامة لم أرها في فمه من قبل ، قال لي:
- يا فتاتي لم العصيان، ها قد جاءك زوجك حمدان خذي بيده للفردوس الموعود، إياك أن تفرِّطي فيه، ستسعدين معه سعادة كبيرة، اختفى والدي، وتقدمت أنت ، وأخذت بيدي، إلى المروج والأنهار، نعم البارحة يا حمدان...
...قلت لأمي ما شاهدت في الرؤيا ، دمعت عيناها... وقالت:
- (الله كريم)
لم تقل كلمة أخرى، قلت لها:
- (هل أتزوجه)
- (لا أدري ، ولكن إياك أن تلقي ربك بدم مؤمن، أنت مريضة...)
- (قد أشفى يا أمي)
- (إياك أن تلقي ربك بدم مسلم...)
- (سيحضر الليلة يا أمي، وسترينه، وأعدك ألا أقتله أبداً...)
...قامت أمي... وبقيت استرجع الرؤيا ....اعذرني يا حمدان فيما فعلت، لقد طمحت أن يكون لي زوج، فقط اسم زوج، أحببت أن أقول للناس هذا زوجي، تماماً كأي امرأة تقول ذهب زوجي ، أو جاء زوجي، لا أستطيع قول زوجي إلا بطريقة واحدة، وفي طيات نفسي...، إنها: تفلني زوجي، أو طلقني زوجي... أنا أتعذب يا حمدان...
...تذكرت أبي، وتذكرت الحديقة الفيحاء، أحببت أن أراك بجواري، صدقني، أو لا تصدقني، المهم أنني صادقة عند نفسي، وصادقة عند ربي، أحببت أن تربطني بكَ علاقة الأبوة، ...علاقة الأخوة... علاقة الصداقة، ..دون أيما اتصال... ولكن كيف؟ لن يتم ذلك إلا عن طريق الزواج، ..اقْتَنَعَتْ أمي بذلك، ..اقتنعت بعد تلك المواثيق المغلظة على ألا تمسني، ..كنت على أقوى عزم لتنفيذ وعدي لها... وكنت أريدك ألا تعلم بشيء من ذلك.
لذا قلت لك سابقاً أنا لا أهتم إلا بكونك زوجاً لي، زوجاً بالاسم، يحل لي النظر إليك، والحديث معك، والأنس والبهجة، ولن يكون غير ذلك.
...في هذه الليلة، كنت سعيدة معك غاية السعادة، ..لقد تحققت كل أمنياتي، ..وعندما أردنا الذهاب للنوم أحسست بأنانيَّتي... لقد حققت كل ما أريد دون أن أفكر فيما تريد ، أحسست أني مخادعة... كذّابة... بكيت على نفسي... رأيت براءتك وأنت تستفسر عن حالي وتخبرني أنك ستطلقني... إذا طلبت ذلك منك، ..أحسست بأني ازددت إجراماً حين تلاعبت بمشاعرك من أجل تحقيق مصالحي، ..وأحسست أن طيبتك تجعلك تتمادى في تناسي ذاتك، من أجل الآخرين.
... تخيَّلت هذا الإنسان الطيب يقترب مني، فيصاب بالموت ، لم أتمالك تحمل ذلك.. دفعتك ، لأني أحسست أني إنسانة موبوءة، ولا يجوز أن يقترب السليم من الأجرب... تمنيت أنك تخرج بعيداً عني، وتمنيت ألا يصل بدنك الطاهر بجسمي المليء بالسم ... وبعد أن اكتشفتُ حقيقة أنانيتي، وتشَـبَّع قلبي بحبك ، أيقنت أن بقاءك بجواري خطر عليك، لذا أخذت قراري بطردك من المنزل، دون أن تعلم أي شيء عني، وعلمت أنك ساعتها لن تبصق علي، بل ستسامحني لأنك أبي، وزوجي، ..وستنساني، ..وحينها لن تموت... وسينعم بك أبناءك وزوجتك، ..لا يضر أن أُحرم أنا، لأني كنت أبني حياتي وسعادتي على شفى حلم، .. ولكنك كنت أباً رحيماً أكثر من أي أب، لقد وضعت يدك على رأسي، وأعدت الروح إليّ بطريقتك الخاصة، التي علمك إياها الله، كما علَّم عيسى من قبل طريقة أخرى ، لإعادة الأرواح، ..لقد قرأت القرآن، وهو روح من أمر الله، ..أحسست أن إيماناً كالجبال يسكن في أنحاء جسمي، ويحل على خلايا بدني، ..ولعلي أحسست أنه سحق الفيروس الذي لم يعد لعيناً الآن، لأنه ساعدني في ألاَّ أقتلك، فقط عندما آمن أنك يجب أن لا تقتل به، .. وها أنا ذي بين يديك، ..لك أن تبصق علي، ..أو تسامحني، وتذهب إلى غير رجعة، ولك أن تسامحني وتكون أباً وصديقاً لي... أنا وكل ما أملك لك)...
...هذا بالضبط ما حدث... وهذا بالضبط ما قالته ريم كلام سَمِعَتْهُ كل ذرات الهواء، وسمعته كل أنحاء القصر، ووقفت خاشعة، ..وسمعه حمدان بكل انتباه، ..وعندما انتهى عرض السر، قام حمدان صامتا ، أيقنت ريم أنه سيخرج إلى الأبد، ..وضعت وجهها بين كفيها كي لا تراه مُدبراً قد ولاَّها ظهره، ..كان عندها بصيص من أمل في عودته، سَمِعَتْ الباب الخارجي يفتح... وسمعته أيضاً يغلق إنها أسوأ ليلة عرس مرت على عروس... بقيت ريم تتذوق ألمها كانت في وضعها ذاك وكانت تستحث الفيروس، ليقوم بعمله اللازم لموتها ، أوه ما أكسله، ..لماذا لا يُتْلِفْها، ويرتاح وترتاح كذلك، ...في الواقع أن خروج حمدان، وإلقاءه بكل عواطفها جانباً، أمر لم يكن متوقعاً خاصة من وجهة نظر القارىء والكاتب ، لقد تأسف كثيراً على حال ريم.. وأولى أن يكون أسى حمدان أكثر وأكثر، ...ولكن هل ياترى من عودة لحمدان... أم أنها نهاية الرواية، ...لقد خرج حمدان من المنزل وهو أشبه بفاقدٍ للوعي أو بالسكران، ..قام بما قام به بحركات شبه لا إرادية.
وعندما لفحه الهواء البارد في الخارج عاد له شيء من رشده، اتجه للمسجد، وغسل وجهه، وتوضأ.
9 ــ الأذان
...لم تُفق ريم من آلامها الرهيبة، إلا على صوت أشبه بالكهرباء، التي أعادت إليها إحساسها ثانية... إنه صوتٌ محبوب جداً لها، ..إنه صوت أذان الفجر، ولكنه هذه المرة على لسان حمدان، وبمزمار صوته الجميل، ..الله أكبر، ..الله أكبر...كل شيء كَبَّر، وكل شيء ابتهج ، أمال المنزل رأسه مع (الله أكبر) وأولى به لو تكلم أن يكبر خلفه ويقول: الله الله.
...لازال حمدان موجوداً، ..لازال له أثر، ..لم يكن قطعه ملح ذابت، أو ابتلعته الأرض، ..وإنما هو هنا... يبث حنانه من جديد، ..لتلك النفس المسكينة التي كادت أن تيبس عندما خرج منذ قليل، ..قامت ريم مبتهجة، ..فتحت باب النافذة المطلة على المسجد، ..تحدرت عبراتها مبتهجة وهي ترى المئذنة العالية تردد صوت زوجها، ..كانت تحس بأن المئذنة تتكلم، وتؤذن، ...أصبح حمدان عملاقاً صلباً يتكلم ، أرادت ريم أن تكلم المئذنة وتخاطبها، أرادت أن تعانقها لأن صوت زوجها ينطق على لسانها المرتفع،... توضأت، ..ولبست جلبابها وانسابت إلى المسجد، ..إلى مصلى النساء، ..لم يزل يضم الزوجين بناء واحد، ..وهذه المرة، البناء هو بيت الله، ..ثم أسعدها الحظ، ثم زادت سعادتها (مرة أخرى).. عندما سمعت صوته في الإقامة.. لا تدري عندما سمعته يلفظ آخر ألفاظها ، (لا إله إلا الله) لماذا شهقت.. لعلها قالت في نفسها إنه آخر لفظ قد أسمعه من أبي، من زوجي، أوه لماذا يا حمدان... لكن ابتسم لها الحظ من ثالثة، عندما كبر، وأم الناس... لم يحظر الإمام، وكان هو الأجدر بالإمامة... خشعت في صلاتها تلك أيما خشوع... ولعل السبب معروف، .. انتهت الصلاة ، وأخرجت ريم دمعتين على آخر كلمة ضنت أنها تسمعها من حمدان، ..(السلام عليكم ورحمة الله) لم تسلم ريم من صلاتها بعد أن سلم حمدان من صلاته، لم تسلم على الملائكة، وإنما التفتت يمينا وقالت: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)... (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته) . لم تنتبه لهذا الخطأ ولم تدر عنه وحتى اليوم، وأولى بها لو سمعت صلاتها مسجلة أن تعيد السلام على الملائكة ... وتسجد للسهو .
خرجت ريم من المسجد... كانت تريد أن تلقي نظرة أخيرة على حمدان وهو يخرج، انتظرت كثيراً في الهواء الطلق حتى خجلت من وقفتها، حمدان لم يخرج عبثاً عادت للوراء خطوات لتنظر للمحراب للأسف لم تر حمدان، كم كانت حسرتها... لقد تأخرت بالداخل، أخَّرها انتظار خروج المصلين ...لم تكن تريد الدخول في زحام الرجال، ولم تكن تعلم أن حمدان خرج مع الجموع، وذهب، ..وإلى الأبد، ..حملت خيبتها على جوانب قلبها ، وبدأت تسير .
10 ــ الوهم والحقيقة
خطواتها أثقل من مُجَنْزَرات البلجوزر، ورأسها ثقيل أشبه بكومة من الهموم..، لا تزال صورة المحراب الخالي ماثلة أمامها، تهزء بها مع كل خطوة، وتؤنبها على روايتها المخجلة، تريدين زوج!! (هه)... تريدين أب!! ليس لك إلا قدرك... شفتاها تتمتم، وكأنها تهجو كل شيء من حولها ...خطوة من خطواتها ارتطمت بباب القصر الكبير، لقد وصلت أخيراً إلى سجنها الجميل، ياترى ما قيمة الجمال إذا كان الإنسان مسجوناً، ارتسمت صورة حمدان أمامها..، عصفورها الجميل، الذي طار، ولم تحض منه بنظرة أخيرة، ستكون تعيسة من اليوم ، وإلى الأبد...
أدارت مفتاح الباب، إنه أشبه بمفتاح قبرها، دفعت الباب، ودخلت.. الصمت، هو الصمت، والهدوء هو الهدوء، والحرمان هو الحرمان. خطواتها الثقيلة لازالت تسير بها للأمام. إنها ذاهبة لغرفتها الوثيرة، ستلقي بنفسها على السرير، وستنام..، ليتها تكون نومة أهل الكهف، أو نومة أهل القبور... لكن ... نظرت للبهو ... الإسراف حرام، وضوء البهو الواسع يتَّقد..، عليها أن تطفيء الضوء، كي لا تلقى ربها وهي مسرفة... سارت نحو البهو، هواء عليل يجيئها من جهة البهو، أشبه بنسيم الحياة... تقدمت حتى دخلت البهو، يال دهشتها تمثال زوجها لازال جالساً على المقعد... لا... لا ليس تمثال... إنما هو وهم في ذهنها، ولكن لازال جالساً...
...ريم سعيدة لأنها رأت هيئةً لزوجها، حتى ولو هيئة خياله.
...قام ذلك التمثال الجالس وابتسم ، وتقدم نحوها، إنه زوجها حمدان، لا تستطيع أن تصدق أبداً، زوجها موجود أمامها، هل هذا وهم أم حلم،.. أو ربما كان حقيقة... ربما... العواطف في قلبها الغض تلتهم كل أفكارها لم تستطع أن تتقدم ، أو تتأخر، ولم تستطع أن تصدق أو تُكذب عينيها...
...ولكنَّ حمدان تقدم ، وتقدم ، وبسمته تغطي وجهه، وتكتسح كل هموم ريم لتحولها إلى سعادة وصل إليها، ومد يده مداعباً لها... وعندما أمسك بأذنها بلطف قال:
- (من سمح لك بالخروج من المنزل، أتحسبين أنك لازلت سائبة، بلا زوج..هـ ..هـ ..هـ...)
...أرادت ريم أن تضحك، ولكنها لم تفهم شيئاً مما حدث لذا صرخت باكية.
قال حمدان:
- (ماذا بك يا ريم، لماذا تكشرين في وجهي، أنا في حاجة لابتسامتك)
تراجعت ريم قليلاً، ثم جلست على الأرض.
- (هل أنت حمدان حقيقة)
- (لا أدري، ربما حمدان ، ربما زوج ريم، هـ..هـ-..)
...ابتسمت ريم أخيراً، إيذاناً بأنها بدأت في تَقَبـُّل كل ما تراه، وتفهُّمه أيضاً.
...جلس حمدان على الأرض مقابلاً لها... وضعت يدها على يده وقالت:
- (هل أنت حمدان؟!)
- (أجيبي لماذا خرجت دون إذن زوجك ..هـ ..هـ..هـ هيا تأسفي... هـ.. هـ..هـ..)
- (إني أذوب أسفاً!!!)
- (أسفك مقبول، هل من عادتك الخروج في مثل هذا الوقت)
- (صوتك يا حمدان هو الذي حملني حملاً على الخروج لم أشعر إلا وأنا في شبه نَقَّالة ترفعني وتخفظني)
- (الله شاعرة، شاعرة ياريم، أكيد تخرجين من التهمة، مثل الشعرة من العجين. هل تريدين أن أعطيك شعراً أيضاً، مثل شعري إياه!!)
...قام حمدان مستعجلاً، وانطلق جهة غرفة ريم في الدور الثاني.
- (إلى أين)
- (سأجمع الأغراض)
- (لماذا)
- (الرحلة بعد ساعة...)
...هكذا غُرست الخنجر الأخيرة في قلب ريم، كم تحمَّل قلبها، ولكنه سينهار لا محالة.. الرحلة بعد ساعة... ساعة فقط ويطير عصفورها...
أكمل حمدان:
- (الوقت يمضي بسرعة، ولا زال هناك حجر وانتظار أرجو أن تكون الطائرة خالية، وقبلها يجب أن أتصل بأبي في المستشفى وأهلي في الجنوب)
.. حمدان يقول هذا الكلام وهو غير مكترث بما حوله، الكلام يسير على لسانه بكل بساطة، وكأنه لا يعبه بمشاعر من حوله
حدثت ريم نفسها بما أعاد لها بصيصاً من أمل، قالت سراً: (هل تراه سيرجع لو كانت الطائرة مليئة بالركاب، ليت الطائرة تعجز عن الطيران، ليتها تمتلىء بالركاب، ليته يعجز عن السفر، ولكن هل معنى كونه لا يسافر، أن يعود إلى هنا...
لم يعد عندي شيء يبحث عنه حمدان، ...سابقاً كان لدي سر أخفيه عنه، كان يلح في معرفته ذليلاً ...السر أصبح عنده الآن، هل سيرجع لو لم يجد حجزاً على الطائرة أم لا... لا أستطيع أن أسئلة أو أتلفظ بطرف كلمة، لأعرف مصيري معه... لعله الآن يفكر في كتابه ورقه الطلاق، ليُلقي بها في وجهي، وربما بصق علي مع مناولته للورقة.
من حقه... نعم من حقه... سامحني الله)
عاد حمدان بسرعة، ...اقترب من ريم نظرت إليه بلهفة ثم قالت:
- (في أمان الله...)
لم تشأ أن تقول يازوجي وإنما أردفت مطأطئة رأسها
- (حفظك الله يا حمدان)
...أردف حمدان بضحكة غير متوقعه، للأسف كانت ضحكة ساخرة ومستهترة، ...بعدها
قال بسخرية أشد:
- (حفظك الله يا حمدان...هـ ..هـ.. حفظنا الله جميعاً... هيا تحركي... هـ هـ.. حفظك الله.. يا حمدان!؟)
قالت في انفعال:
- (أتحرك؟..لماذا..)
- (ألم أقل ... الإقلاع بعد ساعة فقط)
- (وماذا تريد أن أعمل من أجلك)
- («اللهم طولك ياروح» الأغراض، أعدي أغراضك)
- (أغراضي... أنا!!)
- (أجل أغراضي أنا؟ ألا تعلمين أنه ليس لديَّ أغراض هنا... أغراضي في الفندق، ألا تذكرين، ..بعد أن اختطفني خدمك بالأمس..، هيا، يجب أن آخذها من الفندق).
- (ولماذا أعد أغراضي يا حمدان)
- (لنسافر)
- (أنت و... وأنا)
- (ماذا بك؟، نعم أنت وأنا)
- (لا أدري ماذا أقول... أرجوك أخبرني الحقيقة، مإذا تقصد)
- (سنسافر إن شاء الله، إلى مكة، صباح اليوم،.. على رحلة الساعة (7) من مطار الرياض لمطار جدة... ثم إلى الحرم ... لأخذ العمرة ، هل فهمت)
- (لكن هل سآتي معك)
- (ألست زوجتي)
- (ألن تطلقني...)
- (ولماذا أطلق أحب إنسانة، ...تذكر حمدان زوجته الأولى وطأطأ رأسه حتماً هو يحبها أكثر فهي أم أولاده وحبُّه الأول)
... وترقرقت مئات الدمعات في عيني ريم وتزاحمت على الخروج، ..ثم خرجت أخيراً على شكل نهر قزم، وانطلقت ريم بدون شعور لترمي بنفسها الرقيقة المسكينة على صدره الحنون، ..وذرفت دموع حمدان أيضاً، .. واتصلت الدموع من هنا وهناك، وجرت كأروع امتزاج امتزجه حب صادق، وامتزجت نفسيهما البريئتين، ..وبقي النهر الأكثر عذوبة من أي نهر في العالم، مع أنه أصغر نهر قُدِّر له أن يجري،... بقي ما شاء الله له، ..وبردت كل الآلام التي حواها الجسم الناحل، ...جسم ريم، ومع آخر قطرة انقطع بعدها الدمع، ...أسرعت في إعداد عدة السفر، ...قالت لأمها بعزمها على السفر، ..ردت الأم... (حفظك الله).
وكرر حمدان الاتصال بالمستشفى ليطمئن على صحة والده... وعلم أن كل شيء على ما يرام... وأن الأخ الأصغر لحمدان أصبح بجوار الأب ليقوم بخدمته على أفضل وجه... وأخبر والده بأنه مضطر للسفر... في أمان الله ... يا حمدان
...أقلعت الطائرة التي تُقل أغرب زوجين عرفهما الزمن النافر... زواج الأبوّة وزواج الصداقة، وبدأ شهر العسل، ..أغرب شهر عسل يراه الوجود، ..ولكن ياترى ماذا سيحدث في الأيام القليلة القادمة، أو بالأحرى في هذا اليوم، ..أول أيام شهر العسل هل سيبقى الزواج زواج أبوة وصداقة أم أن هناك بوادر تشير بأمر آخر، ..هذا ما يزعمه الكاتب... ويدعي أيضاً بداية سيناريو جديد في هذه القصة، ...لعلَّه أغرب من السيناريو السابق سنتابع مع الكاتب من زعم ما أسراراً دقيقة لم تكن أبداً لتخطر لنا على بال... وربما سيصدق زعم الكاتب وربما كان يطلب منا متابعة غثاءٍ من الكلام تبقى في ذهنه، وخشي أن يُلقي القراء بكتابه جانباً بعد أن أسعدهم معرفة آخر الأخبار التي وصلت لها أسرة حمدان الجديدة.