المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجزء الرابع......الحب يلتهم الفروس


mansur
03-26-2002, 05:30 AM
11 ــ شهر العسل
...كانت الطائرة ترتفع تدريجياً، .. وحمدان يشرح لزوجته القدرة الإلهية التي أعانته في قطع التذاكر، وإقناع الموظف بأهمية إحلال اسميهما في قائمة الانتظار، .. وكيف أن الموظف اعتذر عن ذلك.. ولم يوافق عليه إلا في آخر اللحضات، .. فعلاً السفر بالطائرة قلق... كما قالت ريم ، ولكنه أفضل من السفر بالسيارة .
...تساءلت ريم في استغرب
- (هل سنذهب لأخذ العمرة؟)
- (إن شاء الله)
- (وأين إحرامك يا شاطر...)
- (أوه ... لقد نسيته... لم يخطر أبداً على بالي)
- (وما الحل)
- (بسيط سنطلب من قائد الطائرة العودة ثانية للرياض وسأنزل بسرعة، وأحضر إحراماً...هـ ...هـ ...هـ)
- (ما رأيك في أن تحرم من جدة ويكون عليك دم، ..بسيط.. صدقة وأجر... مع أن بعض الفقهاء يقول إن مطار جدة ميقات لمسافري الطائرات..)
- (نعم...نعم، ... وأنت تحرمين من هنا من الطائرة، عالمة ما شاء الله،)
- (تمام، كلنا علماء ...هـ ..هـ ..هـ)
... وصلت الطائرة إلى جده، ..وانطلق حمدان وزوجته، ..محرمين، ..مُلبيِّين، ..لبيك اللهم ..لبيك ..لبيك لا شريك لك لبيك، ..كان كل شيء يلبي معهما ...وحق لكل من سمعهما أن يلبي لتلبيتهما.
قالت ريم: (...ما أعظمها من نعمة وسعادة ينعم بها الإنسان، عندما يهاجر إلى الله، ..إلى طاعة الله، ...يهجر بلده ولو مؤقتاً، وينطلق مسرعاً وهو يستشعر أن الله يدعوه، ..فيُجيب (لبيك اللهم) (لبيك اللهم)، .. إنها صورة بديعة للرُّقي الإنساني ..كذب كل من يزعم أن الرُّقي في تنافس الماديات، أو مغريات الحياة، ..كلا إن الرقي في التعامل مع أعظم سلطة للكون... التَّعامل معها بصدق وإخلاص...)
هذه الكلمات الجميلة هي بالضبط ما قالته ريم تعليقاً على التلبية... وأنصت لها حمدان بشغف وفرح بالغ... حين ذاك قال لها... (أكملي الحديث... إني أستفيد منك الكثير)
- (الآن نستفيد منك يا حمدان، لقد تحدثتُ كثيراً)
- (ماذا هل تريدين فائدة كتلك القصيدة التي رميتي بها عرض الحائط، ..أنا لا أصلح إلا للسماع، ..ثم أنت كاتبه كبيرة، ..محللة كبيرة، ..أما أنا ..على باب الله.)
- (يجب أن تقول شيئاً، «لن أسمح لك»، ..لابد أن تكشف عن بعض ما يجول بخاطرك)
- (انظري إلى الإسفلت كيف يهرب من تحت السيارة.. يهرب للخلف... لكي نندفع للأمام... وهو يهرب للخلف... ونحن نهرب إلى الكعبة... ولو لم يهرب منا لم نهرب منه، ...ما رأيك؟؟)
- (..لابأس)
- (فقط لابأس ؟..ربما !)
...كان الزوجان يلبيان حيناً ويضحكان حيناً، .. ويترنمان بالشعر حيناً، ..حتى أشرفا على مكة... ثم أشرفا على الحرم... نزلت السكينة على القلوب تماماً كما تنزل الأمطار على الأرض المجدبة، فتهتز وتربو، ..انقضى الطواف، ..والجميع في ابتهال عظيم، ..وكلما نظر حمدان إلى زوجته ابتسم... وابتسمت هي بدورها ...كل الناس يقولون يارب... كل الناس هنا يطيعون الله، ...بقعة طاهرة حقاً ...منذ آلاف السنين ...لم يُرتكب فيها وزر أو جرم، ..لم تخلو أبداً من ذاكر لله أو شاكر له، ..أقدام حافية ورؤوس عارية... وأبصار مرتفعة للسماء، ..موقف مهيب حقاً أولى بكل من وقفه أن يعود لرشده وأن يقلع عن كل ذنب. وأن يغتسل هنا من زمزم ويفتح صفحة جديدة مع الله.
...حمدان حدث نفسه بهذه الخواطر، وهو يغذُّ السير في المطاف، لم يقدر أن يتكلم بها لريم... كم كان يتمنى أن تبقى هذه الأفكار في ذهنه حتى يذكرها بالحرف الواحد لها، ..أمال رأسه إليها في آخر شوط وقال (هناك كلام مفيد سأقوله لك)
- (تفضل...)
- (لا، بعد قليل، بعد الانتهاء.. من الطواف)
... وعندما جلس الزوجان في الداخل... بجوار أحد الترامس التي تحوي ماء زمزم، ..وكان جلوسهما للشرب أولاً، وللراحة والاستعداد للسعي ثانياً... بدأ حمدان يبلل فمه بريقه، ليبدأ في إلقاء محاضرته المعدة.. مسبقاً، نظرت إليه ريم في إعجاب، بدأ صوته يتحدث، وبدأت كلماته تنساب، كم كان يتلذذ وريم مطرقة لسماع أفكاره.
استمر في الحديث، أحس أن عينيها بدأتا تدمع ، وأن عبرة في حلقها كادت تنفجر، تحدر كالسيل، جف ريقه، بلل حلقه بلسانه، أحس بالنشوة لا يدري لماذا كل هذا الإبداع، ولماذا كل هذه الطلاقة هل هي خالصة لوجه الله، أم أنها لامرأةٍ يريدها... لا يهم كل ذلك، المهم أن ريم معجبة به كل الإعجاب... وقف فجأة، استغفر الله، تذكر قول رسول الله .. أول من تصعَّر بهم النار يوم القيامة عالم... وإنما طلب العلم ليقال عالم... وقد قيل، خذوه إلى النار.
قالت ريم:
- (أنت رائع يا حمدان)
...عاودته النشوة ، استغفر الله في نفسه، حاول أن يخلص لوجه الله، لم يدر كيف يفعل، لذا تناسى موضوع الإخلاص وبقي يتلذذ بالسعادة وريم بجواره سكب قليلاً من ماء زمزم، في كوب بلاستيكي، إنه يفكر فيما حوله، يفكر في الأحداث الجسام التي انهالت على حياته المستقرة، إن كوباً من زمزم كفيل بإزالة كل البقع الداكنة التي تصبغ أطراف الحياة.
...انقدح في ذهنه فكرة، ..(الله، حمدان الآن أبو الأفكار)، نضج مبكراً، وبدأ يصيغ ذهنه وأفكاره.
قال لريم:
- (أطلب منك طلب)
- (تفضل، قل أي شيء تريده.)
- (اسمعي ياريم، ستشربين الآن من زمزم وستدعين الله بكل ضراعة، ...إنه قريب من السائل ثقي أنه سيشفيك من بلاءك. الأمر يسير على الله.. القضية كلها كن فيكون...)
...فغرت ريم فمها وهي تسمع، شيء مدهش،
- (ولكن..!!)
- (ولكن ماذا، يجب أن تتشجَّعي...)
ناولها في أثناء ذلك كوب ماء، رفعته إلى فمها، عيناها تبرقان، ولِلدُّنيا في نظرها معاني أخرى، شربت جرعة، ..أنزلت الكوب.
واستقبلت القبلة، وانفتح أمامها الأفق الرحب الهم... اللهم... اللهم...
لم تستطع أن تكمل أحسَّت برهبة الوقوف بين يدي الله، ذرفت عيناها بدمع غزير، تحسَّرت على أن تكون الدعوة للدنيا، قالت:
- (اللهم ارزقني الجنة، اللهم.. صلِّ.. على محمد... اللهم ادخل حمدان الجنة، اللهم أدخل أمي الجنة، اللهم أدخل أبي الجنة... وعلى استحياء قالت: ...(اللهم اشفني من بلائي... يارب...))
...شربت بقية الماء، ومسحت دموعها... ومسح حمدان أيضاً دموعه...
قال حمدان:
- (هيا نصلي، ركعتي الطواف)
... بعد الصلاة، قاما منصرفين للمسعى.
... الأقدام حافية تطبع آثاراً مهيبة على الأرضية الرخامية وهدير المؤمنين يرتفع من كل مكان إلى الله، والصمت مطبق على شفتي حمدان وريم، كل منهما يدلي بذنبه لربه كي يغفره، في سريِّة تامة، وستر تام... «الرياء» هو الإثم الذي حاك في صدر حمدان وهو في آخر شوط.
إنها فرصته ليتوب من الرياء، وليقصد بكل أعماله وجه الله، كلماته مع ريم منذ دقائق تؤنبه. اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت... وما أسررت وما أعلنت.
... انتهى السعي ، ونظر حمدان لريم، وريم لحمدان
- (الحمد لله أكملنا النسك)
- (بقي التقصير)
- (صدقت ياريم، عالمة، عالمة ما شاء الله)
...قصَّرا ...تقبل الله منا ومنكم
...الزحام يلفظ بأولئك المنتهين، ليفضي بهم إلى الساحة الكبيرة المطلة على مبنى الحرم من جهة، وعمائر مكة من جهة أخرى ... سعادة ريم وحمدان أقرب إلى سعادة أهل الجنة، صدورهم تتسع لكل شيء، ..إلا أن ريم انفجرت بالبكاء، لم يكن بكاءها ذاك سوى بكاء السعادة والفرحة، أهي في حلم أم في علم، أصحيح أنها تسير بجوار زوجها، وبجوار بيت الله الحرام، أي نعمة ساقتها لها الأقدار، زوجها حمدان، منحة الله لها، ووصية والدها لها، فكرت في أن تنكفيء ساجدة لله على هذه النعمة، وتبقى ساجدة إلى أن تموت، إنها حتماً ستموت قريباً، وكم ستكون سعيدة لو ماتت وهي ساجدة.
جلست ريم وانطلق حمدان، سيحضر كوبين من عصير الليمون البارد... لم يطل وقت انتظارها، أقبل حمدان ضاحكاً... وابتسمت ريم.
...وبعد أن أكمل كل منهما حصته من العصير، كانت الأنفس أكثر هدوءً، نظرت ريم إلى السلالم الكهربائية، والارتفاع الشاهق في عمارة مكة الكبيرة، الأسواق تعج بكل شيء، والناس تبدو عليهم الأُبـَّهة وهم يطلون من الأدوار العليا، والترف والكبر لايزال يصبغ بعض المتنزهين باسم العمرة، قالت ريم:
- (حمدان، سنسكن هنا، ...سنطل على الساحة وعلى الحرم)، وأشارت إلى الأبراج العالية أمامها... نظر حمدان مندهشاً وكاد يبتسم، وقال :
- (كلا ياريم، لن نسكن هنا)
- (أين سنسكن)
- (في مكان آخر)
- (لماذا..؟؟)
- (لأننا على قد حالنا، والإيجار هنا غالي)
- (لايهم... المال متوفر، هيا، هيا، لا عليك من المال).
- (ياريم... أنا لم آتي هنا لأُسرف، ..هناك فندق قريب أرخص بكثير، ولا يقل جودة عن السكن هنا، ..المال الزائد الذي سندفعه هنا نتصدق به، ..انظري... الفقراء هم أَوْلى بفضول أموالنا... من أصحاب هذه المباني... ثم نحن أتينا هنا للعبادة، لا لشيء آخر، .. ومن العبادة عدم الإسراف.. ومن العبادة الصَّدقة...)
...أثناء ذلك تقدمت امرأة عجوز، ..تبدو أسؤ حالاً من أيـَّما إفريقي خرج من المجاعة، ..ومدَّت يدها لحمدان، ..ابتسم وأخرج نقوداً ووضعها في يدها وانصرفت.
...نظرت ريم إليه وقالت... أنت عظيم يا حمدان... تُصدِّق كلماتك هذه فتحت عينيّ على حقائق مثل الشمس، كانت غائبة عني، .. فعلاً مهما بلغ عقل المرأة من الذكاء.. إلا أنه يحتاج لعقل الرجل الذي هو أكثر عمقاً، كي يتكاملا ويبنيا لبنات الحياة.
- (شكراً.. يبدو أنني أيضاً أصبحت فيلسوف مثلك تماماً...)
...بعد الغداء.. قال حمدان لريم:
- (يجب أن نذهب الآن لجدة...)
- (قالت في دهشة... لماذا... نحن هنا أكثر استقراراً)
- (هناك شيء في خاطري... سأخبرك به هناك، ..اطمئني سنعود هنا قبل المغرب).
...سبحان الله... لقد كانت ريم تسير في كل ما يطلبه حمدان منها بكل تسليم وطاعة، ..لم تكن تناقشه أو تجادله... لعله إيماناً منها بإخلاص هذا الرجل، ...وربما بدت شخصية جديدة لحمدان، شخصية قيادية مذهلة.
لم يعد حمدان الآن هو حمدان سابقاً، إنه مبدع في قيادة أسرته، والسير بها بحذق وحنكة، قُدُرات حمدان الذي كان ساكناً من قبل، أصبحت الآن ناصعة الوضوح ... ركب الزوجان في السيارة، وانطلقا عبر الطريق السريع، الوقت يمضي بسرعة والبهجة تُلقي بنفسها على كل شيء أمامهما... وأخيراً وصلت السيار لجدة كانت تسير في الشوارع الواسعة... وأخيراً توقفت السيارة أمام عمارة طويلة.
ريم مشغولة بسعادتها، ولم تفكر كثيراً فيما يطلبه حمدان من هذا المشوار المفاجيء . قال حمدان:
- (هيا يا ريم انزلي)
- (لماذا، هل هنا مطعم جديد؟)
- (كلا...)
...التفتت ريم إلى العمارة التي وقفت السيارة أمامها، ..أصابها رعب شديد، قرأت اللوحة المعلقة إنها لوحة مستوصف كبير)
- (ماذا تريد يا حمدان)
- (لاشيء، المسألة بسيطة، انزلي وستعرفين)
...(فتحت) ريم فمها، وبدأت دقات قلبها تزداد
- (ماذا تريد يا حمدان استحلفك بالله)
- (سنكشف فقط)
- (نكشف عن ماذا)
- (انزلي وستعرفين)
- (أرجوك يا حمدان ارحمني)
- (ماذا بك، المسألة بسيطة)
- (بسيطة لديك أنت، أما أنا فهي كارثة، إنها ستعيد ذكرياتي السوداء، ستعيد صوَر الهم الثقيلة، لماذا تريد أن تعذبني يا حمدان لماذا أتيت بي إلى هنا)
- (هذا مستشفى ياريم ، ماذا بك ليس سجناً)
- (أعلم أنه مستشفى، بداية شقائي كانت من مستشفى، قصتي المؤلمة بدأت من مستشفى)
- (هذا غير معقول ياريم)
- (بل معقول، ومعقول جداً، وعين العقل أيضاً ، لازلت أذكر يا حمدان نظرات الطبيب الذي حمل إلي خَبَرَ مَرَضِي، إنه خبر تلقيته منذ سنوات، ولكنه لازال محفوراً في مخيلتي، نظراته تقطع قلبي عندما أطلَّ بعينيه من خلف نظارته، لازلت أذكر زوجي السابق وبصقته في وجهي، إنه موقف قاسي كالصحراء. ويُحرِّم علي أن أضع نفسي فيه مرة أخرى...
لقد طَلَبَتْ أمي مني مرات ومرات أن أكشف، أو أفحص الدم، وكلما هممت بذلك، رن كلام الطبيب في أذني، وأحسست برذاذ بصاقٍ في وجهي، أنت مصابة بالإيدز، اذهبي...
أنت مصابة بالإيدز... كلا لن أسمح لنفسي أن أسمعها مرة أخرى، الموت أهون علي من نظرات الشك التي سينظر بها كل من يرى الفيروس سابحاً في دمي.
ثم ما الفائدة من التأكد ثانية، ...وبعثره الجراح ثانية، ..خلاص ...يكفي ...لقد عرفت، وانتهى الأمر، أرجوك ...أرجوك)
...لم تكن ريم مطيعة هذه المرة، كانت مُصرَّة ومعاندة ...غريب، كان حمدان يظن أنها ستفرح وتتفاءل، أو على الأقل تسير معه دون عناد، خاصة بعد أن أحس أنها لا ترفض له طلباً، ولكنها أشبه بجلمود صخر حطه السيل ، إنها لا تسمع ولا تبصر. لذا لجأ لوسيلة الإقناع.
- (اسمعي ياريم ، هناك عدة أسباب تجبرك على الفحص
أولها : أني زوجك، ومن حقي أن أعرف نتيجة الفحص)
- (أنت تعرف)
- (انتظري، لا تقاطعيني حتى أكمل حديثي)
- (آسفة)
- (من حقي التأكد من إصابتك أو عدم إصابتك
ثانياً ... نحن دعونا الله من قبل أن ينزل عليك الشفاء، ولعل الله قد استجاب، ...أليس كذلك
ثالثاً... أنت بصحة جيدة ولا يوجد عليك أي علامات المرض ...
رابعاً ...أنا أيضاً سأكشف على نفسي...)
- (لا أرجوك... لا تكشف...)
- (لماذا؟؟)
- (... لاشيء ...لا شيء)
- (هيا إذن)

12 ــ الفاجعة
...وهنا سلمت ريم للأمر الواقع... ونزلت متثاقلة وكأن قدميها تحمل جبلاً كبيراً، ...كان المرضى قليل، لذا دخل الزوجان إلى الطبيب بسرعة، ولم يؤخرهم الحجز.
تمت الفحوصات للجميع في وقت واحد، ..لم تمر سوى ربع ساعة... كانت ريم منكسة لرأسها ...منتظرة نزول الخبر التعيس، ...هناك في غرفة الانتظار تجلس، ويجلس حمدان بجوارها ، فتح الباب الطبيب وناداهما ...كانت سحابة سوداء تعلو محياه... ويبدو عليه القلق
أيقن حمدان وريم أن تقاسيم الوجه لا تبشر بخير... قال الطبيب:
- (تريدون أن أقول النتيجة الآن، أم تريدون كل على انفراد)
- (هل في الأمر خطورة)
- (هل أنتما زوجان)
- (نعم)
- (إذن يجب أن تعرفوا جميعاً، وفي نفس الوقت للمصلحة)
...نعم ...هكذا قال الطبيب، وهكذا ألقت ريم بنفسها ثانية على المقعد، ..وهكذا تلاشت كل آمالها، (غروراً كانت تَعِدُ نفسها) ...قال حمدان:
- (ما النتيجة يا دكتور)
- (ريم .. كل الفحوصات سليمة مئة بالمئة ...سوى فقر الدم...)
...ريم جحظت عيناها وصرخت من هناك قائلة:
- (والإيدز)
- (...لا لا أنت سليمة جداً...)
جرس جميل، لكلمة جميلة، ...أنت سليمة جداً، بدأت الدنيا ترف ، وترف أمام ريم، بدا لها وكأنها فراشة جميلة، الدنيا كلها ورود وزهور... بدا لريم أنها في حلم، وبدا حمدان عملاقاً كبيراً، وبدا الطبيب كمنحة عظيمة، كل شيء يصفق لهذه الكلمات الجميلة،
حمدان كان شبه واثق من إجابة الله للدعاء، الذي رُفع منذ ساعات،
نظر إلى الأعلى، وابتسم، وأغمض عينيه... نظر بعد ذلك لريم، كاد يحملها على يديه، ويطير بها، إنها سليمة من المرض، إنها زوجته، إن الله قد استجاب الدعاء، مد يده لها، وضعت يدها في يده، وانطلق بها خارجاً نحو الباب لقد تناسى كل ما حوله ، ولكن الطبيب قال مُهْتماً
- (انتظر يا أستاذ)
...هز حمدان رأسه متذكراً ، ابتسم للطبيب شاكراً، وواصل سيره للخارج، قال الطبيب باهتمام أكثر
- (بقي نتيجتك)
- (نتيجتي؟ أوه، لاداعي لها)
- (يجب أن تعرف)
- (سليم إن شاء الله أليس كذلك)
... (أطرق الطبيب للأرض، وتقدم نحو حمدان ، وأمسك بيده برفق)
... ونظر إليه نظرات عطف، وقال:
- (لا أدري ماذا أقول لك)
...سحب حمدان يده في عدم مبالاة، وقال:
- (ماذا تقصد)
- (هل تسافر للخارج يا حمدان)
- (لا... لا... لم يقدر لي أن سافرت قط)
- (هل نقلت دم من مكان ما)
- (ماذا تريد أن تقول، أنا مستعجل، هل تريد مالاً... سنعطيك مقابل البشارة نعم أنت تستحق ذلك، لقد نسيت، اطمئن، سنعطيك ألفا ريال...هـ ...هـ...)
- (يا أستاذ يجب أن تفهمني ، نتائج التحليل لديك غير مطمئنة، صحيح أنها لازالت في إطار الظن، والظن القليل)
...حملق حمدان في الطبيب وقال:
- (أنت مجنون، يبدو ذلك...)
- (أنت مؤمن يا حمدان، ...لا أدري ما أقول... ولكن دمك لم يعط نتيجة دقيقة في اختبار الإيدز)
- (هـ... هـ... هـ... إيدز ...هـ ...هـ ...هـ... )
كم سخر حمدان من هذه الكلمة، لقد اعتبرها نكتة سخيفة، بدأ ينظر في ريم، ثم في الطبيب، وابتسامته مرتسمة، ولكنَّ تلك الابتسامة انكمشت بسرعة عندما رأى الذعر مرتسماً على وجه ريم.
...أراد أن يقول كلمة لريم، أراد أن يهدىء من روعها...، الطبيب لا يعرف القضية وأبعادها وحمدان غير مصدق لشيء مما قيل، أما ريم فهي الضحية التي وقع الخبر عليها كالصاعقة، أحست في قلبها ما يشبه انفجار قنبلة هيروشيما.
...تصنَّع حمدان ابتسامة أخرى ليلقي بها في وجه ريم، تصنَّع كلمة ما... ولكن لافائدة ، ريم ليست ريم... تحولت إلى قذيفة من الرعب، ...الباب أمام ذهولها مفتوح، الحياة أضيق من ثقب الإبرة، وغرفة الطبيب أضيق من كل شيء ولَّت الجميع ظهرها وهربت للخارج.
لم يكن أحد ممن بداخل الغرفة قادر على التنبؤ بما يمكن أن يحصل لهذه الهاربة، ...أكبر الاحتمالات في رأس حمدان أنها ستجلس قريباً في غرفة الانتظار، ولكن هموم ريم أكبر وأكبر من أن تسمح لها بالوقوف أو الجلوس... استمرت على سيرها غير الطبيعي حتى خرجت من باب المتوصف... لم تعد قادرة على التفكير... الطريق أمامها مشحون بالسيارات وريم أشبه بعمياء، ...لحظة حاسمة تجعلها تنزل إلى الطريق، ولحظة حاسمة أخرى تجعل السيارة المنطلقة تقصد ذلك المخلوق الذي لا يفكر بشيء مما حوله... وأخيراً سُمع صفير إطارات السيارة... وارتطمت السيارة بريم المسكينة لتسقطها على الأرض الصلبة
...ما كل هذه التناقضات في هذه الحياة... ريم ستكون سعيدة لو ماتت الآن بين عجلات السيارة، وحتماً سيكون الموت نعمة بالغة، أمَّا لو قدر لها أن تصاب بعاهة مستديمة بسبب هذا الحادث فماذا يمكن أن نقول...
ليست حياتها سوى مقطوعة من التناقضات، الناس غارقون في طلب هذه الدنيا التي لا تعدو كونها لهواً ولعباً.
...اجتمع الناس حول المرأة المنكوبة كعادتهم ونُقلت على الأيدي إلى قسم الطوارىء في المستوصف نفسه
...أما طبيب حمدان هناك فقد أحس فعلاً بإشكالية الوضع، وتأكد له أنه لم يوفق في قول ما أراد قوله... أمسك بيد حمدان وسحبه إلى مقعد قريب وجلسا ثم قال:
- (اعذرني، هكذا الأطباء، تمر عليهم حالات المرضى بالمئات، يصبح المرض لديهم أمراً معهوداً، والموت أمراً طبيعياً، ...الطبيب يقال عنه ملاك الرحمة، وأظن أن الطبيب منزوع الرحمة، ومنزوع الشفقة يتعامل مع الأمور كما يتعامل العامل مع الآلات، اليوم استقبلت (5) حوادث مرور ضحاياها قرابة (9) أشخاص، اثنان ماتوا و(4) حالتهم خطيرة، و(3) خرجوا سالمين، الموت والحياة لم تعد تعني لي شيئاً... اعذرني يا حمدان)
- (إذن أنت تمزح)
- (لا... لا تفهمني خطأ، التحاليل سلبية لم تتضح نتائجها...)
- (إذن قل لي كل شيء، اشرح القضية، زوجتي الآن ليست هنا، ربما ذهبت لاستراحة النساء)
...فكر حمدان قليلاً في حال ريم، ماذا تراها تفعل الآن، هل هي حزينة عليَّ، بالطبع هي حزينة، لاشك في ذلك...فكر قليلاً... ولماذا الحزن ربما تكون سعيدة ، لقد نجت من المرض العضال، هل شفاها الله وابتلاني، هل تحققت الرؤيا... الحمد لله على كل حال...
قال الطبيب:
- (النتيجة سلبية، أقصد أن التحاليل المبدئية لدمك لم تتجاوب، ...لم يتبين أنك سليم من الإيدز، ولم يتبين أنك مصاب به، وبمعنى آخر هناك إشارات تدل على أنك مصاب وإشارات تدل على أنك غير مصاب)
- (يادكتور ، ولماذا كل هذا؟؟)
- (قلَّة من الناس تكون تحاليلهم سلبية، ومع الإيدز بالذات، والقلة من هؤلاء القليل تخرج نتائجهم سليمة عند التحليل الدقيق، أرجو أن تكون من هؤلاء القلة)
- (وما الحل)
- (المشكلة ليست كبيرة كما تتوقع ، ولا يعني فقدان الأمل...، عليك أن تتجه فوراً إلى أحد المستشفيات التي تمتلك أجهزة أكثر دقة، وسيعطي الاختبار نتائج واضحة، ... ومع كل ما قلته لك فأنا واثق من كونك سليم، لأنك مؤمن، المؤمنون لا يبتليهم الله بهذا الداء)
- (أين توجد الأجهزة بالضبط يادكتور)
- (أنا متأكد من وجود هذه الأجهزة في الخارج)
- (الخارج؟)
- (ربما كانت موجودة في بلادنا، أنا أظن ذلك، ولكني متأكد من وجودها في لندن)
- (بدأت أشك فيك، لعل كثرة الحالات التي قابلتها اليوم أثرت فيك، ربما فقدت عقلك؟!)
- (لا أبداً، إذا كنت ميسور الحال فسافر إلى لندن، وحاول معرفة الحقيقة، وإياك أن تهمل نفسك)
...وضع الطبيب كفه تحت ذقنه ثم قال:
- (..أو انتظر، هناك فكرة...)
- (ما هي؟)
- (سأتصل بمستشفى الشفاء ، إنه قريب جداً، وأذكر أني سمعت عن تطويرهم لجميع تقنيات المستشفى، وإذا تأكدنا من وجود الجهاز فلا داعي للسفر،)
- (ألم أقل لك إنك فقدت عقلك، ولماذا كل هذه الهالة، ولماذا ذكر لندن. أنا واثق من ربي، وواثق من سلامتي من المرض)
- (أرجو ذلك يا أخ حمدان)
...رفع الطبيب السماعة
- (آلو... ممكن قسم تحليل واختبار الدم)
- ..........
- (آلو ... هل جهاز (.... ....) موجود)
- ...........
- (أبداً حالة سلبية مع التحاليل الأولية)
- ...........
- (جميل جداً سأرسله لكم ..... ألف شكر)
...نظر الطبيب إلى حمدان مستبشراً وقال:
- (الجهاز موجود ، والمستشفى كما قلت قريب، التحاليل والمشوار لن تأخذ أكثر من ثلث ساعة، إذا كان الطريق غير مزدحم... أرى أن تترك زوجتك في انتظار النساء وتذهب لتعود وأنت تحمل البشارة إن شاء الله، أو خذها معك، لا يضير).
...تذكر حمدان زوجته، لذا قال:
- (أوه... زوجتي ، لا لا ... أظنها ذهبت للسيارة)
...انطلق جهة السيارة... لم تكن في السيارة قال:
- (حتماً هي في استراحة النساء، سأذهب لعمل الفحوصات ستبقى هي هنا ، أنا واثق من سلامتي ، التحاليل السلبية لا تعني المرض)
...مرت دقائق سريعة انتقل خلالها حمدان إلى المستشفى المقصود، دخل سريعاً إلى الطبيب المختص، بدأت الإجراءات اللازمة، التي انتهت بجلوسه أمام الأجهزة المتطورة، ...أدخل يده مع فتحة صغيرة، ثم أحس بوخز إبرة في إبهامه، سحب يده، وبقي ينتظر.
قال الطبيب:
- (هل تشكو من شيء)
- (كلا)
- (خمس دقائق فقط، ..تستطيع البقاء على المقعد.
...بدأت الدقائق الخمس في المرور وقرر حمدان قضاءها جميعاً في الذكر والدعاء ..
...بعد قليل أقبل عليه الطبيب مبتسماً ثم قال:
- (الحمد لله سليم مئة بالمئة)
- (مائة في المائة..)
- (نعم يبدو أنك مررت بأزمات نفسية وإرهاق مفاجيء، لذا لم يتجاوب دمك مع التحاليل الأولية... الحمد لله على السلامة...)
- (والإيدز)
- (أستغفر الله أمثالك لا يصابون بالإيدز أنت مُتَدين، أليس كذلك)
- (هل أنت متأكد مما تقول)
- (نعم متأكد، ولماذا أنت خائف... سأعطيك جميع نتائج التحاليل)
- (ولكن يا دكتور، الأمر لا يكاد يصدق، الطب تطور إلى ما لا نهاية، وفحوصات الإيدز يسهل على أي طبيب معرفتها، أليس كذلك)
- (ليس بالضبط)
- (كيف)
- (هل تستطيع أن تقول لي، منذ متى وُجِدَتْ أجهزة كشف المرض)
- (منذ عشرات السنين)
- (جميل، هل تستطيع إذن أن تقول لي منذ متى وجدت أجهزة كشف المرض في مستشفياتنا)
- لا أدري)
- (لقد وجدت في الحقيقة منذ 15 سنة، ولكنها دخلت بشكل بدائي كأي صناعة أخرى، وعند دخولها وجد في بعضها ما يسمى بالفحص السلبي، في الحقيقة أن تلك الأجهزة هي أول ما اكتشف في فحص الدم عن مرض الإيدز، اكتشفت أولاً في أوربا ثم استغنوا عنها ووصلتنا متأخرة، كنا نستخدمها في هذا المستشفى سابقاً، ولكن بعناها منذ فترة ، واشترينا الأجهزة الجديدة القديمة)
- (وماذا فعلتم بتلك الأجهزة)
- (بعناها بسعر بخس، اشتراها بعض المستوصفات الصغيرة، إنها تقوم ببعض اللازم، يبدو أنك تورطت في الفحص لديهم)
- (لكن الطبيب في المستوصفات لم يقل لي هذا الكلام)
- (وماذا قال)
- (قال إن الأجهزة المتطورة لا توجد إلا في أوربا)
- (أمر طبيعي، إنه يريد مصلحته، ولا يريد الدعاية السيئة لأجهزته، لكن يبدو أنه كان ذكياً عندما أرسلك إلي)
- (الآن فهمت كل شيء، كانت مصادفة غريبة، ولكن الأغرب توالي كل هذه المصادفات)
...خرج حمدان سعيداً من المستشفى ، لقد كان يسأل نفسه، لماذا يحصل كل هذا... أمر غريب...
كان تفكيره منصباً على ريم، لابد أنها الآن قلقة من أجلي سأحمل لها الخبر السار، وينتهي الكابوس، وتعود المياه لمجاريها. استقل حمدان سيارته وعاد مسرعاً للمستوصف وعندما توقفت سيارته، كان هناك بقايا من تجمع للناس... نزل من السيارة، ...أدهشته بقايا الدماء المبعثرة هنا وهناك، سأله أحد المارة: (ماذا حصل لها) قال حمدان مستغرباً:
- (من.؟؟)
- (المرأة التي صدمتها السيارة منذ قليل)
- (امرأة؟ ... امرأة ماذا.)
- (لا أدري... أظنها حُملت لداخل المستوصف)
...بدأت الظنون تراود حمدان... يبدو أن قصة أخرى ذات سيناريو آخر ستبدأ، ..لقد سئم من جميع هذه القصص التي تتوالى كالمطر، .. وخلال أقل من يومين، ... أعوذ بالله ...لا لا ليست ريم، ..ريم تركتها في استراحة النساء، ..تذكر خروجها من غرفة الطبيب بسرعة ...ومن يدري قد تكون خرجت للشارع ودُهست، ...انطلق فزعاً للداخل قابل طبيب الإسعاف ...سأله بقلق
- (ماذا حصل)
- (هل أنت قريب لها؟)
- (لا أدري ...)
- (لا تدري؟ كيف لا تدري)
- (أقصد لا أعلم هل زوجتي هي التي أصيبت، أم امرأة أخرى)
- (هل اسمك حمدان)
- (نعم)
- (...هي تدعو اسمك من فترة)
- (وكيف صحتها...)
- (هي عند الأطباء الآن)
... تحرك الطبيب . منصرفاً ...وبقي حمدان واقفاً، هكذا وقع الفأس وانتهت كل الأحلام الجميلة..، كانت نهاية أليمة وربما كانت نهاية متوقعة، لتلك الأحداث غير المعقولة التي ابتدأت منذ فترة قصيرة... هل ماتت ريم، أم أنها ستموت، هل قدرها يا ترى أن يحملها حمدان إلى هذا المكان لتموت فيه، لسبب بسيط هو أن قدرها مكتوب هنا.
... تذكر بسمتها الصافية، تذكر قصتها المأساوية كاملة، وتذكر القصر الجميل... كل شيء أصبح أشبه بالدخان الكثيف. الذاهبون والقادمون تلاشوا جميعاً من أمام عينيه المذهولة، صورة كبيرة لريم ارتسمت في جميع الوجوه، ارتسمت وهي مبتسمة، ومغمضة العينين وأخيراً تراآى لحمدان أن روحها صعدت للسماء... الله .. أغمض عينيه، لم يعد يرى شيئاً... ولم يعد يشعر بشيء، الحاضرون هم الذين أحسوا، أحسوا بسقوط إنسان... اجتمعوا ليحملوه... وكان أحد الأطباء ماراً بجواره، قال لهم أدخلوه غرفة الإسعاف.
وبعد لحظات ...حمدان راقد على سرير أبيض..، حالة إغماء بسيطة، ..وعلى السرير المجاور ترقد امرأة..، ويفصلهما ستار من القماش...
...ريم تعاني آلامها... ولكن شيئاً ما جعلها تنسى كل تلك الآلام، لتدخل في آلام من نوع آخر لقد سمعت أحد الأطباء وهو يفحص المريض المجاور يقول:
- (ما اسمه)
... أجاب طبيب آخر
- (اسمه حمدان...)
... لم تزل المعاناة تفرض نفسها على ريم في كل لحظة ولكنها الآن أشد وأشد، لم تكن تعلم ماذا أصاب حمدان، ذهب ذهنها إلى الإيدز، لابد وأنه تأكد من المرض، لابد وأن حالته سيئة...
...عادت الدموع تذرف وتذرف... أفاق حمدان عرف كل ما حوله إلا حالة ريم، كما أن ريم عرفت كل ما حولها إلا حالة حمدان.
...ستار فاصل ، لو انزاح لثبتت الحقيقة، ولأصبح الحلم واقعاً...
حالة ريم الصحية حسنة جداً، لم يصبها من الحادث سوى كدمات..، وانتثر بعض الدم من أنفها وأصيبت ببعض الرضوض في يديها وقدميها، ولكنها قادرة على السير ... وحمدان أفاق من غيبته، ولكن من يزيل الستار، من يحمل الخبر السار لريم بأن حمدان سليم من الإيدز كما أنها أيضاً سليمة منه، ومن يحمل الخبر لحمدان أن ريم سليمة بجواره لا تعاني أي ألم سوى ألم قلقها عليه،
...خرج الأطباء من ستارة حمدان...
سمعت ريم صوت حمدان وهو من خلف الستار متقطعاً محزوناً بدأت أوصالها ترتجف ودارت آلام القلق في بطنها ورأسها...
...سحبت غطاء السرير على وجهها... تَمْتَمَتْ شفتاها بكلمات هامسة... لا أحد يدري ماذا قالت، والأرجح أنها دعت الله... هل دعته أن يقبض روحها، أم دعته أن يشفي زوجها... لا أحد يدري...
حمدان بجوارها هناك... عيناه تجولان، وتكادان تذرفان دماً... ولكنه لم يُخرج دمعة واحدة، ...بدون شعور وجد يده تتحرك لتسحب غطاء السرير كي يغطي وجهه الشاحب... ومن تحت الغطاء بدأت شفتاه تتحرك... لا أحد يدري بماذا كان يتمتم...
... الحبيبان راقدان وآلامهما تعتصر قلوباً احتملت ما لا تحتمله الجبال... الحقيقة خافية عليهما، وليس بينهما وبينها إلا ستار من قماش، ولكن من يسحب الستار... من ؟؟ وهكذا هي حقائق الدنيا التي نجهلها حاجز رقيق بيننا وبينها ولكن من يجرؤ على كشف الحقائق...
وهناك، وعلى السرير الأبيض عزمت ريم على كشف الحقيقة وماذا يضيرها لو ألقت نظرة أخيرة على زوجها ، قبل أن يموت بجوارها، ثم لاتجد بداً من اللَّحاق به حسرة وكمداً، هكذا قالت الرؤيا!! أو هكذا أوَّلها الشيخ...
امتدت اليد المرتجفة جهة الستار... كانت تتقدم مرة وتتأخر أخرى... لابد من الشجاعة والإقدام ...وبعد كرَّات وفرات... أمسكت بطرف الستار... وبدأ الستار ينزاح...
شعر حمدان بحركة الستار ، وقام من رقدته وبدأ يزيح عن وجهه الغطاء...
...ريم ترقب من طرف الستار المتحرك بكل اهتمام اللحظات الثقيلة والهموم الأثقل ...لكن ريم تواصل سحب الستار..
...وهناك وعلى بعد متر تبدو الصورة المذهلة ويبدو وجه حمدان..، تماماً هو كفلق الصباح..
...لم يشأ أن يركِّز النظر في ساحبة الستار، لقد عرف أنها امرأة لرؤيته يدها...
ريم رأت وجه حبيبها... إنها النظرة الأخيرة بالنسبة لتصوراتها... دققت النظر فيه وحُزنها يلهبها لم ينظر إليها
قالت في أسف شديد
- حمدان

flora
07-28-2002, 05:55 AM
قصه عجيبه والله يعطيك العافيه 00000

بس شنو في جزء خامس؟

وشنو النهايه؟