mansur
03-26-2002, 05:45 AM
- حمدان
...سمع حمدان الصوت، شعر بما يشبه الكهرباء ولكنها أحلام وأوهام، ريم لابد وأنها في غرفة العناية دقق النظر ثانية وثالثة...
الحلم بدا حقيقة... وريم بدون سابق نذير راقدة بجواره
عينه في عينها وعينها في عينه، أراد أن يضحك ، ولكن لا يدري كم من عظامها هشمته السيارة، وكم من جلدها مخدوش... أرادت هي أن تضحك، ولكن كيف تضحك والفيروس الذي صنع في بدنها صُدِّر إلى بدنه... مجاناً!! من دون رسوم أو ضرائب..
...نظرات الأعين رفضت أن تصمت، لقد بدأت تعبر بأجمل تعبير... كل منها يتنعم بنظرات الحنان التي يلقيها إليه الآخر...
...فهمت الأعين الكثير والكثير، وبدأت بذرف الدموع... الألسن في أماكنها تشكو من البكم.
لم تتمالك بقية الأطراف نفسها...
وفي لحظة حاسمة تحركت الأطرف، وقام حمدان ملقياً بالغطاء خلفه، وقامت ريم ملقية بالغطاء خلفها شعور قدسي يفيض به قلب محب مخلص، في لحظة واحدة ترك الزوجان سرير المرض وقاما، لا أحد منهما يدري ماذا يعتمل في نفس الآخر، ولكن الأعين تحدثت بما فيه الكفاية...
ريم واقفة بجوار سريرها، وحمدان واقف بجوار سريره.
وعندها صرخ الزوجان في لحظة واحدة، حمدان يقول (ريم )
وريم تقول (حمدان)... اختلطت الأصوات وألقى كل منهما بنفسه على صدر الآخر...
عناق طويل... ربما كان الأخير من وجهة نظر كل واحد... خمس دقائق تمر مرَّ السحاب
ويعود حمدان لينظر إلى ريم ، ويقول:
- (ألم تصابي بسوء من وقع الحادث)
...ذرفت دموعها وقالت:
- (ماذا فعل بك الإيدز...)
...في لحظة حرجة جداً، انفجرت ريم ببكاءها ، وانفجر حمدان ببكاءه...
...الطبيب كانت منتبهاً لكل شيء... ويسمع ما يدور من خلف الستار... إنه يخشى من أي مضاعفات للوضع... ولذا قرر الآن أن يتدخل ولو لم يستدع الأمر..
...طَرَقَ من خلف الستار... ثم دخل... وهو يقول ... يا أخ حمدان... ريم على أحسن حال... إنها سليمة جداً ومعافاة، وتستطيع الخروج من المستشفى الآن
...هدأت كل آلام حمدان، واطمأنت نفسه ربما كما لم تطمئن نفسه من قبل لسماع خبر مفرح بعد خبر محزن...
...كانت كلمات الطبيب برداً وسلاماً على حمدان، ولكنها لم تكن كذلك بالنسبة لريم، لقد حفرت جرحاً غائراً في فؤادها، لقد تأكد لها أنها سليمة، في الوقت الذي يسير حمدان فيه نحو الهاوية، وما هي سعادتها إذا فَقَدَتْ حمدان..، وما معنى الحياة عندها، إنها أقرب للسراب، للوهم، للخرافة... قالت بشفتيها الذابلتين:
- (أرجوك سامحني... يبدو أن العدوى أصابتك... لا أدري كيف... أرجوك سامحني)
- (عدوى ماذا)
- (عدوى المرض اللعين)
... ازدادت زفراتها... كان خلف الستار العديد من الممرضات وبعض الأطباء... لم يكن الوقت ملائماً لحمدان ليتحدث معها عن أي شيء... ابتسم لها وقال... (اطمئني)
قال الطبيب: (تستطيع الخروج يا حمدان ، أنت على ما يرام)
...ابتسم حمدان وقال: (إذن هيا نخرج)
...ريم قالت فيما يشبه التسليم الأبله: (هيا)
...قامت وارتدت جميع ملابس حشمتها... وانطلقا بعيداً عن الأسرَّة البيضاء...
...ابتسم الطبيب الذي عمل لهما فحص الدم عندما قابلهما في أحد الممرات وقال:
- ... (مبروك... لقد اتصلت بالمستشفى الذي أرسلتك لهُ وأخبرني بالنتيجة مبروك... الحمد لله جاءت سليمة... وزوجتك أيضاً جاءت سليمة)... قال حمدان:
- (من الأول هي سليمة، ولكن أنت سامحك الله، أنت كدَّرتها)
- (بعد أن خَرَجَتْ من الغرفة انطلقت للخارج.. لم نعلم عنها، لا أنا ولا أنت ... وارتطمت بالسيارة، الحمد لله لم تصب بأي أذى، اللهم نزيف من الأنف عند سقوطها على الأرض... سبحان الله قصة غريبة، ولكن على كل حال جات سليمة)
... قال حمدان في نفسه... (ليتك تعرف القصة من أولها ... لدهشت)
- (الحمد لله جاءت سليمة)
...لازالت ريم أثناء ذلك متأثرة لزوجها... وبعد ركوب السيارة قال لها (مبروك .. ألف مبروك أنت سليمة)
- ...
- (لماذا لا تباركين لي)
- (بماذا)
- (جميع التحاليل التي أجريت لي كلها سليمة مئة بالمئة)
قالت في دهشة:
- (وكلام الطبيب ولا الإيدز)
- (الطبيب توهم فقط يبدو أن آثار القلق لم تجعل الدم يتجاوب بالطريقة الملائمة مع التحاليل وتعلمين التحاليل هنا بدائية... وقد تسرَّع سامحه الله في الحكم وأيضاً في طريقة إيصال الخبر... صحيح أنه لم يجزم بالمرض ولكن .. عرض المسألة بطريقة أبعد ما تكون عن اللباقة... وأنت خرجت ولم نعرف عنك شيء)
- (آسفة والله لم أستطع أن أتمالك نفسي... كدت أجن ... ولكن ماذا حصل بعد أن خرجت.)
- (أوه لقد أرسلني إلى مستشفى قريب توجد فيه أجهزة أكثر تقدماً... وعندما فحص الطبيب دمي، تصوري، ضحك وقال: أنت أصح مني بكثير)
- (الحمد لله... الحمد لله... الحمد لله يارب)
- (سنقضي الليلة في مكة... «وغداً» سيكون عندنا سفر)
- (سفر...؟ إلى أين)
- (سنسافر إلى لندن... للنُّزهة أولاً... ثم لعمل فحوصات نهائية... يجب أن نطمئن يا زوجتي... وبعدها... سأصبح زوجك فقط، وليس أبوك أو صديقك)
ذرفت عينيها، وقالت في شبه بلاهة:
- (كما تريد).
13 ــ هــدوء
...مضى اليوم التالي، والذي بعده، على أفضل ما يرام ... لم تحصل فيهما أي أحداث غير متوقعة، وبعدها ذهبا إلى المطار وتم الحجز بسهولة وسافرا مع جميع ركاب الطائرة إلى لندن... ومن المطار هناك، مباشرة، إلى أكثر المستشفيات تطوراً... عملت التحاليل وكانت سليمة... واطمئنت القلوب أكثر، ..وقُضي بقية ذلك اليوم في النزهة... وكذلك اليوم التالي... ثم عاد الجميع إلى الرياض.
14 ــ القلق من جديد
سمعت كلمة غريبة من حمدان، وخشي كل من سمعها أن تكون بداية سيناريو جديد لقصة أكثر غرابة وإثارة... كم كان الأمر جميلاً لو لم تُسمع تلك الكلمة .. ولكن فضول الآذان يدفع لمعرفة طيات كل سر وأبعاده ، (ولعل كل البشر..يجد ذلك أيضاً في نفسه!!)
قال حمدان لريم وهم راجعون من المطار إلى المنزل في الرياض
- (يجب أن أعرف سر التحليل الأول الذي قمت به)
- (أي تحليل...)
- (تحليل الدم الأول مع زوجك الأول .. إن هناك سر عميق ... لا يعرفه أحد سوى ذلك الزوج ... والطبيب الذي أجرى التحليل)
- (دعنا من هذا الآن يا حمدان... يجب أن ننسى).
- (كلا... لابد أن هناك مجرم ما... حَكَم عليك بكل هذا العذاب... ويجب أن أعرفه)
- (لكن ليس الآن..)
- (كم أود أن أذهب الآن إلى المستوصف الذي أجريت فيه التحاليل منذ خمس سنوات)
- (الآن!!. أوه.. تأتي من السفر إلى المستشفى)
- (ضميري يعذبني ... لقد عشت متناقضات جعلتني أحترق بحثاً عن الحقيقة... يجب أن أعرفها)
قالت ريم فجأة:
- (انظر... تلك اللوحة... التي على بعد 200 متر هي لوحة المستوصف... أرجوك لا تتأخر عن خمس دقائق ، الحمد لله أنه على الطريق صُدْفة غريبة، ولكنها ليست بأغرب من بقية المصادفات)
- (ستنزلين معي)
- (مستحيل، لن أنزل معك أبداً، أرجوك لا تتعب نفسك)
- (بل أنا أرجوك)
- (لماذا! هذا أمر صعب)
- (يجب أن نقوم بعمل تحليل في نفس المستوصف، وعند نفس الطبيب)
... أوقف حمدان السيارة المستأجرة عند باب المستوصف ونزل هو وزوجته
...وعندما دخلا عند طبيب الدم.. قال لها :
- (هل هو هذا)... قالت:
- (لا يا حمدان ليس هذا)
- (نظر إليهما الطبيب القاعد وقال من تريدان
- (طبيب كان هنا لتحليل الدم، منذ خمس سنوات أين هو الآن)
- (أوه .. لقد مات منذ زمن.. الله يرحمه... مات في حادث سيارة رَحَلَ هو وأولاده..)
- (ممكن عمل فحوصات للدم)
- (نحن في خدمتكم) ... قام الطبيب بإجراء اللازم
... وبعد ربع ساعة خرج الطبيب إليهم مبتسماً وقال (سليم مئة في المئة، يبدو أنكما عريسان، مبروك ، ألف مبروك.)
- (يادكتور هل تستطيع مساعدتي في أمر)
- (تفضل)
- (هل أستطيع الحصول على نتائج فحص أُجري منذ خمس سنوات هنا)
- (نعم بسهولة... باسم من كان التحليل؟)
- (باسم ريم)
- (الأمر سهل... نأخذ السجل الذي كان يرصد فيه الطبيب السابق منذ خمس سنوات إنه في هذا الدولاب... قريب هنا... ونبحث فيه ولكن هل تذكرون التاريخ...)
- (نعم أظن في شهر (3))
قام الطبيب ... وبحث لفترة قصيرة... وقرأ اسمها ... قال:
- (ريم سعد المساعد)
- (نعم... ماذا تقول النتائج)
- (لاشيء سليم جداً...)
- (ماذا ... سليم!)
- (كل شيء مكتوب)
- (نظر كل من حمدان.. وريم إلى الآخر بدهشة، وقاما إلى الخارج دعاهما الطبيب...
- (الحساب يا أخ)
- (أوه آسف...)
وسلم حمدان الحساب...ثم انصرف ... ولكنه تذكر شيئاً مهماً... عاد للطبيب وسأله عن فحوصات زوج ريم وأخبره باسمه.
...بحث الدكتور وقال لايوجد أحد بهذا الاسم، ..كان هناك احتمال في ذهن حمدان... ولكنه تلاشى حين لم يكن لزوجها السابق أي تقرير.
... ركب الزوجان في السيارة وقال حمدان:
- (ما رأيك)
- (غريب.. مدهش حقاً... ولكن الحمد لله، يجب أن ننسى كل شيء)
- (يجب أن أعرف الحقيقة... لكن الطبيب مات، وزوجك السابق لا يمكن الاتصال به... جميع الأبواب مغلقة)
- (يجب أن نغلق هذا الباب وننساه... كفى يا حمدان.)
- (كلا)
- (سبحان الله لم أكن أتوقع أنك بهذا الإصرار... وبهذه الجدية... صدقني، أنا فخورة بك، ولكني خائفة عليك)
- (ما رأيك أن نتحدث في أحاديث خارجة عن إطار المرض والموت والصحة والمستشفيات لقد أحرمتنا الكثير من الحب)
- (هذا ما أريده، وسننسى ما تسميه بالسر)
- (أمر السر دعيه لي وحدي وسأصل إن شاء الله لكل ما نريد)
بدأ الحوار العذب ... تتناقله شفاه الزوجين... وقريباً وصلت سيارتهم للمنزل ... استقبلهم أهل المنزل بكل سرور.. وحُملت الأخبار السارة إلى الأم التي تنصت لكل كلمة يقولها حمدان أو تعليق تذكره ريم... كادت الأم تبكي... وكادت تنفجر بالضحك... ولكن الأيام قد علمتها كيف تضبط نفسها في كل المواقف... الأنس والبهجة عنوان تلك الجلسة البديعة والسرور كله اجتمع بين أولئك الأشخاص الثلاثة... وبقي السر... السر الذي يجول في ذهن حمدان.
لم يذكر حمدان ولا زوجته .. أيما خبر عن الزوج السابق ... ولا عن الطبيب ولا عن السر... هذه الأحداث فقط هي التي تحفَّظ عن ذكرها حمدان... وعندما أرادت ريم التحدث بها أشار إليها بالسكوت.
...سأل حمدان...
- (هل من أخبار جديدة...)
- (لا... خبر واحد فقط قرأته في الجريدة اليوم... الله المستعان)
...قامت الأم وأحضرت الجريدة وهي تقول:
- (زوجك السابق ياريم توفي ليلة أمس... وهنا نعيه في الجريدة ...رحمه الله... الموت... كتب على الكبير والصغير)
...قام حمدان وقرأ الخبر بسرعة... يال خيبة أمله... لقد أقفل آخر باب يمكن من خلاله معرفة الحل لذلك اللغز العويص...قال الجميع (رحمه الله).
15 ــ الرسالة تكشف اللغز
في أثناء تلك الجلسة طُرق جرس المنزل وسألت الأم:
- من؟ عن طريق السماعة أجابها الخادم: (هنا رسالة أحضرها البريد... مسجلة يريد صاحب البريد توقيع أي أحد...)
- (سآتي للتوقيع)
- (ماذا يا أم ريم)
- (رسالة ويريد صاحب البريد التوقيع)
- (ارتاحي سأستلمها أنا)
... خرج حمدان ليستلم الرسالة ، الرسالة كتب عليها تُسلم ليد ريم بنت سعد المساعد... أخذها ووقع في المكان المطلوب ودخل ...ناول ريم وقال (خذي اقرئي)
- (ما هذا)
- (لا أدري رسالة لك)
- (من من)
- (اقرأيها)
- (من متى وهناك رسائل تصل إلي... افتحها واقرأها... لا يوجد أي أسرار بينا يا حمدان)
...فتح حمدان الرسالة... تمالكته الدهشة ذاتها التي لم تزل تتمالكه في الأيام الماضية بين كل لحظة وأخرى
- (ماذا يا حمدان)
- (هذه رسالة من زوجك السابق)
- (ماذا؟ زوجي السابق، وماذا فيها)
..بدأ حمدان يقرأ بصوت مرتفع والأم وريم تستمعان:
(..إلى ريم العزيزة... هاهو الموت يدب في أطرافي وهاهو جسدي أصبح ملكاً للآلام والأوجاع، تصنع به كيف تشاء، وهاهي شمس حياتي تشارف على الغروب... لم يخطر ببالي ذات يوم أن أجني على أحد ولكني وللأسف جنيت ... وكانت جنايتي أقسى من أي جناية... جنيت على من أحبها، ..لأنني أناني، أحب نفسي أكثر، .. ولكني كنت مخدوع..الغدر لا يبقى.. والخداع لاينفع، خاصة لرجل يتربص به الموت أقرب الطرق... عزيزتي... كتمت السر سنينا... عن كل الناس حتى أنهكني المرض... لم أذهب لطبيب ولا معالج لأن المرض الذي حملته، لا يدعوا الناس إلى الشفقة بحامله، وإنما إلى اتهامه، ...لم أكن أعلم أنك عشتي حياتك منذ أجرينا الفحوصات قبل سنوات... عشتيها منعزلة تنتظرين الموت... كنت أظن أنك ستتأكدين سلامتك ولكن لم يحصل ذلك وعلمت فقط منذ أيام منذ أخبرني ذاك الرجل الذي طلبتي منه تقصَّي أخبار زوجك الجديد... سألته ألم تتزوج إلى الآن... قال لي لا يبدو أنها مريضة.. ومرضها خطير... علمت ساعتها أنني مذنب، وأنَّ علي إخراج السر الدفين قبل أن أموت.
..ها أنا ذا أكتب رسالتي هذه وأنا أشعر بالموت ولكن لا يهم، .. إذا متُّ وقد أمَطْتُ عن عنقي حِمْلٌ ثقيل.
القصة باختصار أنني سافرت... قبل الزواج إلى دولة أجنبية وسقطت هناك في حبال الشيطان.. وعملتُ من الفواحش الكثير... ثم تُبت... تبت هناك، .. بعد أن احتقرت نفسي، ...عزمت على الزواج بعدها، لم أكن أتوقع أبداً أنني مريض بهذا الداء.. كانت حياتي وصحتي مستقرة جداً... ولكن الفيروس كان يسكن في دمي دون أن أشعر.
وعندما ذهبت أنا وأنت لعمل الفحوصات.. لم يكن ذلك مني سوى تسلية... وقيام بروتين يقوم به كل الناس الراقون في المجتمع والمتحضرون، .. للأسف كانت تحاليلك سليمة... وتحاليلي هي: (مصاب بالإيدز).. لم أحتمل نفسي.. أو أحتملك .. أو أحتمل الحياة... خشيت من الفضيحة والعار... خشيت على مركزي وسمعتي... خاطبت الطبيب بهدوء وقلت له (خذ هذا شيك ب- (10) آلاف ريال... لا تخبر أحداً أنني مصاب ولا تكتب اسمي ولا نتائج التحليل لديك)
...كنت أخاف أن تسألين أو تحققي معي لأني عزمت على تركك للأبد مع حبي الجامح لك..
قال لي الدكتور: (الأمر بسيط، لا داعي للفلوس)
قلت له... (الفلوس ليست فقط للصمت عن الموضوع وإنما لتقول لهذا المرأة (أنت مصابة بالمرض) قال لي:
- (هذي مسألة ضمير)
- (أغريته بثلاثين ألف ثم بخمسين... وكَتَبتها في شيك، ثم أكَّدْت له أنك ستُجرين فحوصات عند أي طبيب آخر وستعلمين النتيجة الصحيحة، .. قال لي ساعتها.. هذه مسؤولية .. قلت له بسيط لاتكتب في أوراقك هذه أنها مصابة.. لن يُمْسَك عليك أي شيء... وإذا سُئلت من قبل أحد فقل له يبدو أنها فهمت خطأ وهذا يثبت كلامي.. وأرهم ساعتها جميع أوراقك.
..وافق في النهاية.
...خرجت ورأيتك .. أردتك أن تكرهيني، ولا تفكري فيَّ أبداً... وتبدئي حياتك من جديد، .. ولكن للأسف لم يحصل شيء من هذا.
...نخر المرض جسمي لمدة خمس سنوات، ولم أعرض نفسي على أي طبيب ... وها أنا ذا أموت ..أرجو لك السعادة)
......
تناثرت العبرات من الجميع... وعم السكون جوانب المكان إلا من الشهيق، وعُرف السر وانتهت القصة بهذا الحادث اللطيف، أو الحزين، الله أعلم.
16 ــ ملحق خاص (1)
هكذا انتهت القصة... وهكذا عمت الفرحة... لم يصدق الكاتب للرواية بحلول هذا السكون ، إلا ولملم أوراقه بسرعة، وانطلق بها نحو المطابع، خشية أن تستجد أحداث جديدة قد تكون أكثر تناقضاً، فلا يجد عند ذلك محيصاً من إيرادها بدافع: الأمانة القصصية!!.. ولأن حياة الأسرة الآن لم يمر عليها سوى أيام قلائل، وهذا اليوم بالتحديد هو اليوم الذي عمل الكاتب فيه جهده ليُعد أوراقه للطباعة، انتهى الكاتب من تدوين كل شيء مع منتصف الليل، واستيقظ صباح اليوم التالي ، وانطلق إلى المطبعة... ليُزيح عن نفسه عبء هذه القصة، واحتمال ورود أحداث جديدة، .. ولكن من عجائب الصدف أن ذلك اليوم هو ذاته اليوم الذي عزم حمدان على العودة فيه إلى زوجته وأولاده في أبها. ولسوء الحظ أيضاً لمح الكاتب حمدان في سيارةٍ متجهةٍ نحو المطار... أغمض الطرف... ودخل مسرعاً إلى المطابع وسلم القصة للطباعة.. وخرج فرحاً، وعازماً على ألاَّ يُدخل نفسه في متاهات جديدة... الغريب في الأمر أن فضوله جعله يندم ندماً شديداً على عدم تقصي أخبار الزوجة الأولى وكيفية نزول خبر الزواج الجديد عليها.
... والأغرب من ذلك أنه فكَّر في اختلاق جزء جديد لم يحدث، فكَّر في ذلك بجدية وربما بدأ في إعداد أفكاره لذلك...
كان يريد أن يتنبَّأ بالمستقبل، ... أغراه بذلك رؤيته لحمدان مسافراً إلى أبها، ولكن ماذا عساه أن يكتب دون أن يرى الحقيقة بعينيه، إن التأليف دون تحقق من الواقع منزلق خطير، .. في النهاية وقفت الظروف أمام الكاتب حائلاً دون الوقوع في هذا المنزلق.
إذ أنه طلب من المطبعة التوقف عن الطباعة حتى يتسنى له إمكان ذلك الجزء الذي قد يصدق عنه كونه (مكذوباً)
ولكن المطبعة رفضت قبول أي جزء آخر بحجة الانتهاء من تنسيق أوراق الكتاب.
... وهكذا نجت أنامل الكاتب من تدوين شيء قد يندم عليه يوماً ما... مع أنه برر موقفه في نفس الوقت بأن كتابته لن تكون بأي حال كذباً، وأن معرفة الزوجة الأولى بخبر الزواج سينتج عنها تلقائياً مشاكل لا أول لها ولا آخر، وقد تنتهي بالطلاق ، هذا أمر مؤكد من وجهة نظره ولو أضيف هذا الجزء لما أضيف إلا عين الصواب .
استعاد الكاتب أنفاسه ، واستعادت أجواء الرياض أنفاسها... وبعد شهر تقريباً... مرّ الكاتب في الشارع المجاور لمنزل ريم - أو حمدان - وكان مروره ذاك مرور الكرام... دعاه فضوله آنذاك لإلقاء نظرة إلى المنزل... وكم كانت دهشته حين رأى جلبة كبيرة، وعمال يحملون أثاثاً وينزلونه، ..ندم أشد الندم على مروره هذا.. هل يا ترى هذه بداية متناقضات جديدة، وهموم جديدة لفهم تلك المتناقضات.
لحسن الحظ، أو سوءه، رأى الكاتب ريم وزوجها يخرجان من المنزل وليس عليهما أي أثر من آثار المتناقضات المدهشة، ركبا في السيارة وانطلقا ليوصلها لعملها..، الحمد لله، لقد مات زمن المتناقضات.
لم يستطع الكاتب مدافعة فضوله... أراد أن يعرف أسباب الجلبة التي في المنزل... تابع ما يحدث بداخل السيارة الجديدة التي يقودها حمدان، قالت ريم:
- (متى ستحضرهم).
- غداً إن شاء الله... سنكون جميعاً هنا، وسنضع مناسبة لوصولهم ليس لديك مانع، أليس كذلك يا ريم)
- (لابالطبع... الحمد لله ستبقى عندي هنا وسأراك كل يوم ..كم أنا سعيدة).
...هذا ما سمعه الكاتب، هذا أمر غريب... يبدو أن هناك تطورات جديدة .. وغريبة.
...في الواقع إن ما حدث... أمر لا يكاد يصدق.
ذلك أن حمدان عاد لزوجته الأولى، وبقي لديها شهراً كاملاً... وذات يوم مرّ مروراً عابر على إحدى المكتبات التي تعنى بمتابعة كل جديد.
وقعت يده على ... آخر ما صدر من عالم القصص الواقعية، ..لم تكن تلك القصة إلا هذه القصة ... اندهش كثيراً عندما رآها... لم يتوقع أن أحداً كان يتابعه... أو أن ..قصَّته تلك ستسري في الآفاق ...اشترى الكتاب بسرعة... وبدأ في لهفة ليقرأ ما فيه، ..بدأ بالمطالعة والقراءة في المكتبة... وأكملها في السيارة... ولم يصل إلى منزله إلا وقد أكمل قراءة كل شيء...!
...فكر بطريقة غريبة... وسأل نفسه... لماذا ... لا يُسلِّم هذا الكتاب لزوجته الأولى لتقرأه... ولكن حتماً ستعرف أنه هو البطل في القصة... حتى اسمه لم يتغير ... كل شيء يدينه، أوه ليتها كُتبت باسم مستعار.
... ولكنه في النهاية ... ذهب إليها... وقال...
- (هل تريدين قراءة آخر رواية)
- (أتمنى ذلك، فأنا أشعر ببعض الفراغ)
- (تفضلي ولكن لا تقولي أي كلمة حتى تكمليها)
...خرج حمدان ساعتها من المنزل مسرعاً وتاركاً للأقدار فعل ما قُدِّر .
17 ــ ملحق خاص (2)
عاد حمدان في وقت متأخر من الليل، وفتح الباب بهدوء، وجلس في غرفة الجلوس دون علم زوجته.. وكان ساعتها قلقاً مما ستفعله وبعد خمس دقائق من جلوسه أقبلت كالهمِّ الثقيل... ثم قالت بقسوة .
- (أنت هنا، ولم تخبرنا، ولم تسلم حتى!! عجيب)
...رفع حمدان يده نصف رفعة سريعة وقال بارتجاف: (السلام عليكم ياريم)
...ابتسمت وقالت (وعليكم السلام ياريم، أنا لست ريم يا صديق ريم)
- (آسف ، لم أقصد)
- (آسف ، لم تقصد، ولكن الرواية صراحة، روعة...)
- (ولكن هل تظنين أنها قصة واقعية.)
- (إذا فرض وكانت قصة واقعية، فلاشك أن زوجته الأولى قد مَصَعَتْ رقبته)
- (أعوذ بالله... ولماذا كل هذا العنف)
- (هذا هو المفروض)
...بردت قدما حمدان، وبرد لسانه أكثر، ولم ينطق بكلمة... قالت زوجته
- (مسكينة زوجة حمدان الأوَّله، ... يا عيني مسكينة) . قال حمدان مرتجفاً:
- «المسكينة هي زوجته الثالثة... أقصد الثانية ... حرام... حياتها صعبة، الله المستعان»
- «حَرْمَتْ عينك أنت وإياها»
- (ماذا !! أستغفر الله)
- (شف يا حمدان... أنت ذكي جداً... وطريقتك في إيصال الخبر أذكى... وأنا الآن سأضيف آخر فصل في هذه الرواية)
... سأل الكاتب نفسه... هل ستكملها يا ترى بنكبة جديدة كالمعهود أم أنها ستكملها بلطف... (يا الله الطف... تَعِبْنا من كتابة المشاكل...)
- (يا حمدان أنا قررت قراري النهائي)
...ابتلع حمدان ريقاً مراً، وأمال رأسه للأمام، وأغمض عينيه إنه ينتظر الحكم الجائر الذي ستصدره عليه زوجته
عيناها تُصدران بريقاً من نوع ما ولكن يبدو أنها تفكر وتستعد لتقول كلاماً مهماً.
...ندم حمدان على تسرعه في اتخاذ القرار، وإعطاء زوجته لتلك الرواية التي يبدو أنها ستكون مشؤومة ، على الأسرة الوليدة...
...أخذ حمدان نفساً عميقاً عندما استدارت زوجته الأولى التي لم يفْصح الكاتب عن اسمها... وازداد نفسه عندما تحركت منصرفة...
وابتلع ريقاً أقل مرارة.
ولكنها استدارت نحوه فجأة لتفزعه أولاً، ولتقول ثانياً...
- (لحظات ... وسآتي بعدها لإكمال الرواية...فاهم)
...وضع الكاتب قلمه، ثم دسَّ يديه في جيبه وفتح عينيه وفغر فاه... وبدأ ينتظر ... تماماً كما كان حمدان ينتظر...
...عادت الزوجة ... ودق قلب حمدان، ودق قلب الكاتب أكثر عندما رآها تحمل قلماً وورقة إنها النهاية المرة
...اقتربت المرأة أكثر وأكثر، ماذا ، إنها تحمل في يدها الأخرى كيساً أحمر...
كاد الكاتب أن يرفع قلمه من جديد ليكمل الرواية من رأسه، انقدح في ذهنه تلك الخاتمة السيئة التي تنتهي إليها كل الزيجات، تأكد في ذهنه التالي: ستطلب طلاق ضُرَّتها... ستطلبه حالاً، وتلزم حمدان كتابة الطلاق... بالقلم والورقة، وإلا فستخرج المسدس من الكيس، أو ربما السكين وتبدأ في قتل حمدان أولاً، ثم الكاتب ثانياً... يستحقان ذلك .. وعندها ستنتهي الرواية... ويرتاح الناس من الراوي ومن حمدان ... كانت تلك المرأة تضحك قليلاً وتبتسم كثيراً، لابد وأنها الفرحة بالنصر، والرقص على جروح الأبرياء اللَّهم ارحم حمدان ، وارحم الكاتب، وارحم ريم... أما هذه المرأة!!!
قاطعت دعوات الكاتب كلماتٌ بريئة منها ... قالت:
- (ياحمدان خذ هذا الكيس)
...تقدم حمدان وحمل الكيس، وسعد الكاتب ، المسدس لم يعد في يد المجرم، ولكنها قالت:
- (خذ الورقة، والقلم)
...انفتحت أذنا الكاتب بمقدار كبير يسمح لشي ما أن يدخل عبر، أحدها ويخرج مع الآخر.
- (اكتب رسالة إلى ريم، واطلب منها الحضور هنا... وفوراً وسيكون في هذا الكيس هدية متواضعة مني.. عربون ضراره هـ هـ)
- (ماذا تقولين ، لم أفهم)
- (لقد أحببتها من قلبي، صدقني، لقد شعرت أنها تماماً مثل أختي أريد أن أتعرف عليها، أريدها أن تسكن معي هنا).
...بدت قوانين الحياة وكأنها تغيرت، وبدا وأن شجرة الحب نبتت وغطت الدنيا بأسرها... هل صحيح ما يقال على لسان هذه المرأة، إن كان صحيحاً فقد عادت مريم العذراء من جديد، أو عادت مبادىء قنوتها..، أغمض الكاتب عينيه ليدخل في سهوة حالمة يعيد فيها ثقته بالحياة التي يئس منها، لم يَدْرِ عن شيء مما حوله، طالت المدة أو قصرت، أطيار صغيرة تطير حوله. فتح عينيه، إنه الآن ينظر لحمدان وهو يحمل سماعة الهاتف ويتصل بريم ليخبرها بكل شيء، ريم كادت تطير من الفرحة ، هل يعقل أن يمر سيناريو جديد في حياتها دون مشاكل... مع أنه هو السيناريو الذي تتوقع أن يحمل كل المشاكل... قالت في لهفة ، وأطيار سعادة الكاتب بدأت ترفرف حولها... ولماذا لا تأتون وتسكنون معنا في القصر... سيكون الدور الأول جميعاً لزوجتك الأولى.. وأنا في الدور الثاني، ووالدتي في الدور الثالث ... صدقني هذا أفضل الحلول... وعندها... ستكون حياتي أسعد حياة عرفتها مرأه... وسأراك يومياً... اسألها بسرعة هل ستوافق... سأكون لها مدينة طوال حياتي لو وافقت.
...خلال خمس دقائق لاحقة..عرض حمدان الأمر على زوجته الأولى ولم تُبد أي ممانعة... وسافر حمدان من ساعتها لإعداد الدور الأولى لزوجته الأولى.. وطلب نقل عمله من عسير للرياض وتوسط له في عملية النقل كثير من الأعيان، ربما سيعيش والده معه هناك.
وربما زوَّجه من والده ريم، والله أعلم... ربما... الأيام تخفي كل غريب...
...وغداً ستُقْلع الطائرة ، لتحمل أعضاء الأسرة الأولى لينضموا إلى أعضاء الأسرة الجديدة، ولتبدأ حياة جديدة كلها أمل وسرور.
الجمعة ص:11.30
الرياض 29/5/1420
n
الإهداء 5
1 ــ (أروقــة الدواء) 7
2 ــ (نظرة من غير ميعاد) 9
3 ــ (كلمات من غير ميعاد) 13
4 ــ (الاختطاف) 16
5 ــ السر الثالث والسر الثاني 38
6 ــ (اللقاء الحلال) 50
7 ــ السر الأول 58
8 ــ الإيـــدز 61
9 ــ الأذان 72
10 ــ الوهم والحقيقة 74
11 ــ شهر العسل 81
12 ــ الفاجعة 93
13 ــ هــدوء 114
14 ــ القلق من جديد 115
15 ــ الرسالة تكشف اللغز 121
16 ــ ملحق خاص (1) 125
17 ــ ملحق خاص (2) 129
...سمع حمدان الصوت، شعر بما يشبه الكهرباء ولكنها أحلام وأوهام، ريم لابد وأنها في غرفة العناية دقق النظر ثانية وثالثة...
الحلم بدا حقيقة... وريم بدون سابق نذير راقدة بجواره
عينه في عينها وعينها في عينه، أراد أن يضحك ، ولكن لا يدري كم من عظامها هشمته السيارة، وكم من جلدها مخدوش... أرادت هي أن تضحك، ولكن كيف تضحك والفيروس الذي صنع في بدنها صُدِّر إلى بدنه... مجاناً!! من دون رسوم أو ضرائب..
...نظرات الأعين رفضت أن تصمت، لقد بدأت تعبر بأجمل تعبير... كل منها يتنعم بنظرات الحنان التي يلقيها إليه الآخر...
...فهمت الأعين الكثير والكثير، وبدأت بذرف الدموع... الألسن في أماكنها تشكو من البكم.
لم تتمالك بقية الأطراف نفسها...
وفي لحظة حاسمة تحركت الأطرف، وقام حمدان ملقياً بالغطاء خلفه، وقامت ريم ملقية بالغطاء خلفها شعور قدسي يفيض به قلب محب مخلص، في لحظة واحدة ترك الزوجان سرير المرض وقاما، لا أحد منهما يدري ماذا يعتمل في نفس الآخر، ولكن الأعين تحدثت بما فيه الكفاية...
ريم واقفة بجوار سريرها، وحمدان واقف بجوار سريره.
وعندها صرخ الزوجان في لحظة واحدة، حمدان يقول (ريم )
وريم تقول (حمدان)... اختلطت الأصوات وألقى كل منهما بنفسه على صدر الآخر...
عناق طويل... ربما كان الأخير من وجهة نظر كل واحد... خمس دقائق تمر مرَّ السحاب
ويعود حمدان لينظر إلى ريم ، ويقول:
- (ألم تصابي بسوء من وقع الحادث)
...ذرفت دموعها وقالت:
- (ماذا فعل بك الإيدز...)
...في لحظة حرجة جداً، انفجرت ريم ببكاءها ، وانفجر حمدان ببكاءه...
...الطبيب كانت منتبهاً لكل شيء... ويسمع ما يدور من خلف الستار... إنه يخشى من أي مضاعفات للوضع... ولذا قرر الآن أن يتدخل ولو لم يستدع الأمر..
...طَرَقَ من خلف الستار... ثم دخل... وهو يقول ... يا أخ حمدان... ريم على أحسن حال... إنها سليمة جداً ومعافاة، وتستطيع الخروج من المستشفى الآن
...هدأت كل آلام حمدان، واطمأنت نفسه ربما كما لم تطمئن نفسه من قبل لسماع خبر مفرح بعد خبر محزن...
...كانت كلمات الطبيب برداً وسلاماً على حمدان، ولكنها لم تكن كذلك بالنسبة لريم، لقد حفرت جرحاً غائراً في فؤادها، لقد تأكد لها أنها سليمة، في الوقت الذي يسير حمدان فيه نحو الهاوية، وما هي سعادتها إذا فَقَدَتْ حمدان..، وما معنى الحياة عندها، إنها أقرب للسراب، للوهم، للخرافة... قالت بشفتيها الذابلتين:
- (أرجوك سامحني... يبدو أن العدوى أصابتك... لا أدري كيف... أرجوك سامحني)
- (عدوى ماذا)
- (عدوى المرض اللعين)
... ازدادت زفراتها... كان خلف الستار العديد من الممرضات وبعض الأطباء... لم يكن الوقت ملائماً لحمدان ليتحدث معها عن أي شيء... ابتسم لها وقال... (اطمئني)
قال الطبيب: (تستطيع الخروج يا حمدان ، أنت على ما يرام)
...ابتسم حمدان وقال: (إذن هيا نخرج)
...ريم قالت فيما يشبه التسليم الأبله: (هيا)
...قامت وارتدت جميع ملابس حشمتها... وانطلقا بعيداً عن الأسرَّة البيضاء...
...ابتسم الطبيب الذي عمل لهما فحص الدم عندما قابلهما في أحد الممرات وقال:
- ... (مبروك... لقد اتصلت بالمستشفى الذي أرسلتك لهُ وأخبرني بالنتيجة مبروك... الحمد لله جاءت سليمة... وزوجتك أيضاً جاءت سليمة)... قال حمدان:
- (من الأول هي سليمة، ولكن أنت سامحك الله، أنت كدَّرتها)
- (بعد أن خَرَجَتْ من الغرفة انطلقت للخارج.. لم نعلم عنها، لا أنا ولا أنت ... وارتطمت بالسيارة، الحمد لله لم تصب بأي أذى، اللهم نزيف من الأنف عند سقوطها على الأرض... سبحان الله قصة غريبة، ولكن على كل حال جات سليمة)
... قال حمدان في نفسه... (ليتك تعرف القصة من أولها ... لدهشت)
- (الحمد لله جاءت سليمة)
...لازالت ريم أثناء ذلك متأثرة لزوجها... وبعد ركوب السيارة قال لها (مبروك .. ألف مبروك أنت سليمة)
- ...
- (لماذا لا تباركين لي)
- (بماذا)
- (جميع التحاليل التي أجريت لي كلها سليمة مئة بالمئة)
قالت في دهشة:
- (وكلام الطبيب ولا الإيدز)
- (الطبيب توهم فقط يبدو أن آثار القلق لم تجعل الدم يتجاوب بالطريقة الملائمة مع التحاليل وتعلمين التحاليل هنا بدائية... وقد تسرَّع سامحه الله في الحكم وأيضاً في طريقة إيصال الخبر... صحيح أنه لم يجزم بالمرض ولكن .. عرض المسألة بطريقة أبعد ما تكون عن اللباقة... وأنت خرجت ولم نعرف عنك شيء)
- (آسفة والله لم أستطع أن أتمالك نفسي... كدت أجن ... ولكن ماذا حصل بعد أن خرجت.)
- (أوه لقد أرسلني إلى مستشفى قريب توجد فيه أجهزة أكثر تقدماً... وعندما فحص الطبيب دمي، تصوري، ضحك وقال: أنت أصح مني بكثير)
- (الحمد لله... الحمد لله... الحمد لله يارب)
- (سنقضي الليلة في مكة... «وغداً» سيكون عندنا سفر)
- (سفر...؟ إلى أين)
- (سنسافر إلى لندن... للنُّزهة أولاً... ثم لعمل فحوصات نهائية... يجب أن نطمئن يا زوجتي... وبعدها... سأصبح زوجك فقط، وليس أبوك أو صديقك)
ذرفت عينيها، وقالت في شبه بلاهة:
- (كما تريد).
13 ــ هــدوء
...مضى اليوم التالي، والذي بعده، على أفضل ما يرام ... لم تحصل فيهما أي أحداث غير متوقعة، وبعدها ذهبا إلى المطار وتم الحجز بسهولة وسافرا مع جميع ركاب الطائرة إلى لندن... ومن المطار هناك، مباشرة، إلى أكثر المستشفيات تطوراً... عملت التحاليل وكانت سليمة... واطمئنت القلوب أكثر، ..وقُضي بقية ذلك اليوم في النزهة... وكذلك اليوم التالي... ثم عاد الجميع إلى الرياض.
14 ــ القلق من جديد
سمعت كلمة غريبة من حمدان، وخشي كل من سمعها أن تكون بداية سيناريو جديد لقصة أكثر غرابة وإثارة... كم كان الأمر جميلاً لو لم تُسمع تلك الكلمة .. ولكن فضول الآذان يدفع لمعرفة طيات كل سر وأبعاده ، (ولعل كل البشر..يجد ذلك أيضاً في نفسه!!)
قال حمدان لريم وهم راجعون من المطار إلى المنزل في الرياض
- (يجب أن أعرف سر التحليل الأول الذي قمت به)
- (أي تحليل...)
- (تحليل الدم الأول مع زوجك الأول .. إن هناك سر عميق ... لا يعرفه أحد سوى ذلك الزوج ... والطبيب الذي أجرى التحليل)
- (دعنا من هذا الآن يا حمدان... يجب أن ننسى).
- (كلا... لابد أن هناك مجرم ما... حَكَم عليك بكل هذا العذاب... ويجب أن أعرفه)
- (لكن ليس الآن..)
- (كم أود أن أذهب الآن إلى المستوصف الذي أجريت فيه التحاليل منذ خمس سنوات)
- (الآن!!. أوه.. تأتي من السفر إلى المستشفى)
- (ضميري يعذبني ... لقد عشت متناقضات جعلتني أحترق بحثاً عن الحقيقة... يجب أن أعرفها)
قالت ريم فجأة:
- (انظر... تلك اللوحة... التي على بعد 200 متر هي لوحة المستوصف... أرجوك لا تتأخر عن خمس دقائق ، الحمد لله أنه على الطريق صُدْفة غريبة، ولكنها ليست بأغرب من بقية المصادفات)
- (ستنزلين معي)
- (مستحيل، لن أنزل معك أبداً، أرجوك لا تتعب نفسك)
- (بل أنا أرجوك)
- (لماذا! هذا أمر صعب)
- (يجب أن نقوم بعمل تحليل في نفس المستوصف، وعند نفس الطبيب)
... أوقف حمدان السيارة المستأجرة عند باب المستوصف ونزل هو وزوجته
...وعندما دخلا عند طبيب الدم.. قال لها :
- (هل هو هذا)... قالت:
- (لا يا حمدان ليس هذا)
- (نظر إليهما الطبيب القاعد وقال من تريدان
- (طبيب كان هنا لتحليل الدم، منذ خمس سنوات أين هو الآن)
- (أوه .. لقد مات منذ زمن.. الله يرحمه... مات في حادث سيارة رَحَلَ هو وأولاده..)
- (ممكن عمل فحوصات للدم)
- (نحن في خدمتكم) ... قام الطبيب بإجراء اللازم
... وبعد ربع ساعة خرج الطبيب إليهم مبتسماً وقال (سليم مئة في المئة، يبدو أنكما عريسان، مبروك ، ألف مبروك.)
- (يادكتور هل تستطيع مساعدتي في أمر)
- (تفضل)
- (هل أستطيع الحصول على نتائج فحص أُجري منذ خمس سنوات هنا)
- (نعم بسهولة... باسم من كان التحليل؟)
- (باسم ريم)
- (الأمر سهل... نأخذ السجل الذي كان يرصد فيه الطبيب السابق منذ خمس سنوات إنه في هذا الدولاب... قريب هنا... ونبحث فيه ولكن هل تذكرون التاريخ...)
- (نعم أظن في شهر (3))
قام الطبيب ... وبحث لفترة قصيرة... وقرأ اسمها ... قال:
- (ريم سعد المساعد)
- (نعم... ماذا تقول النتائج)
- (لاشيء سليم جداً...)
- (ماذا ... سليم!)
- (كل شيء مكتوب)
- (نظر كل من حمدان.. وريم إلى الآخر بدهشة، وقاما إلى الخارج دعاهما الطبيب...
- (الحساب يا أخ)
- (أوه آسف...)
وسلم حمدان الحساب...ثم انصرف ... ولكنه تذكر شيئاً مهماً... عاد للطبيب وسأله عن فحوصات زوج ريم وأخبره باسمه.
...بحث الدكتور وقال لايوجد أحد بهذا الاسم، ..كان هناك احتمال في ذهن حمدان... ولكنه تلاشى حين لم يكن لزوجها السابق أي تقرير.
... ركب الزوجان في السيارة وقال حمدان:
- (ما رأيك)
- (غريب.. مدهش حقاً... ولكن الحمد لله، يجب أن ننسى كل شيء)
- (يجب أن أعرف الحقيقة... لكن الطبيب مات، وزوجك السابق لا يمكن الاتصال به... جميع الأبواب مغلقة)
- (يجب أن نغلق هذا الباب وننساه... كفى يا حمدان.)
- (كلا)
- (سبحان الله لم أكن أتوقع أنك بهذا الإصرار... وبهذه الجدية... صدقني، أنا فخورة بك، ولكني خائفة عليك)
- (ما رأيك أن نتحدث في أحاديث خارجة عن إطار المرض والموت والصحة والمستشفيات لقد أحرمتنا الكثير من الحب)
- (هذا ما أريده، وسننسى ما تسميه بالسر)
- (أمر السر دعيه لي وحدي وسأصل إن شاء الله لكل ما نريد)
بدأ الحوار العذب ... تتناقله شفاه الزوجين... وقريباً وصلت سيارتهم للمنزل ... استقبلهم أهل المنزل بكل سرور.. وحُملت الأخبار السارة إلى الأم التي تنصت لكل كلمة يقولها حمدان أو تعليق تذكره ريم... كادت الأم تبكي... وكادت تنفجر بالضحك... ولكن الأيام قد علمتها كيف تضبط نفسها في كل المواقف... الأنس والبهجة عنوان تلك الجلسة البديعة والسرور كله اجتمع بين أولئك الأشخاص الثلاثة... وبقي السر... السر الذي يجول في ذهن حمدان.
لم يذكر حمدان ولا زوجته .. أيما خبر عن الزوج السابق ... ولا عن الطبيب ولا عن السر... هذه الأحداث فقط هي التي تحفَّظ عن ذكرها حمدان... وعندما أرادت ريم التحدث بها أشار إليها بالسكوت.
...سأل حمدان...
- (هل من أخبار جديدة...)
- (لا... خبر واحد فقط قرأته في الجريدة اليوم... الله المستعان)
...قامت الأم وأحضرت الجريدة وهي تقول:
- (زوجك السابق ياريم توفي ليلة أمس... وهنا نعيه في الجريدة ...رحمه الله... الموت... كتب على الكبير والصغير)
...قام حمدان وقرأ الخبر بسرعة... يال خيبة أمله... لقد أقفل آخر باب يمكن من خلاله معرفة الحل لذلك اللغز العويص...قال الجميع (رحمه الله).
15 ــ الرسالة تكشف اللغز
في أثناء تلك الجلسة طُرق جرس المنزل وسألت الأم:
- من؟ عن طريق السماعة أجابها الخادم: (هنا رسالة أحضرها البريد... مسجلة يريد صاحب البريد توقيع أي أحد...)
- (سآتي للتوقيع)
- (ماذا يا أم ريم)
- (رسالة ويريد صاحب البريد التوقيع)
- (ارتاحي سأستلمها أنا)
... خرج حمدان ليستلم الرسالة ، الرسالة كتب عليها تُسلم ليد ريم بنت سعد المساعد... أخذها ووقع في المكان المطلوب ودخل ...ناول ريم وقال (خذي اقرئي)
- (ما هذا)
- (لا أدري رسالة لك)
- (من من)
- (اقرأيها)
- (من متى وهناك رسائل تصل إلي... افتحها واقرأها... لا يوجد أي أسرار بينا يا حمدان)
...فتح حمدان الرسالة... تمالكته الدهشة ذاتها التي لم تزل تتمالكه في الأيام الماضية بين كل لحظة وأخرى
- (ماذا يا حمدان)
- (هذه رسالة من زوجك السابق)
- (ماذا؟ زوجي السابق، وماذا فيها)
..بدأ حمدان يقرأ بصوت مرتفع والأم وريم تستمعان:
(..إلى ريم العزيزة... هاهو الموت يدب في أطرافي وهاهو جسدي أصبح ملكاً للآلام والأوجاع، تصنع به كيف تشاء، وهاهي شمس حياتي تشارف على الغروب... لم يخطر ببالي ذات يوم أن أجني على أحد ولكني وللأسف جنيت ... وكانت جنايتي أقسى من أي جناية... جنيت على من أحبها، ..لأنني أناني، أحب نفسي أكثر، .. ولكني كنت مخدوع..الغدر لا يبقى.. والخداع لاينفع، خاصة لرجل يتربص به الموت أقرب الطرق... عزيزتي... كتمت السر سنينا... عن كل الناس حتى أنهكني المرض... لم أذهب لطبيب ولا معالج لأن المرض الذي حملته، لا يدعوا الناس إلى الشفقة بحامله، وإنما إلى اتهامه، ...لم أكن أعلم أنك عشتي حياتك منذ أجرينا الفحوصات قبل سنوات... عشتيها منعزلة تنتظرين الموت... كنت أظن أنك ستتأكدين سلامتك ولكن لم يحصل ذلك وعلمت فقط منذ أيام منذ أخبرني ذاك الرجل الذي طلبتي منه تقصَّي أخبار زوجك الجديد... سألته ألم تتزوج إلى الآن... قال لي لا يبدو أنها مريضة.. ومرضها خطير... علمت ساعتها أنني مذنب، وأنَّ علي إخراج السر الدفين قبل أن أموت.
..ها أنا ذا أكتب رسالتي هذه وأنا أشعر بالموت ولكن لا يهم، .. إذا متُّ وقد أمَطْتُ عن عنقي حِمْلٌ ثقيل.
القصة باختصار أنني سافرت... قبل الزواج إلى دولة أجنبية وسقطت هناك في حبال الشيطان.. وعملتُ من الفواحش الكثير... ثم تُبت... تبت هناك، .. بعد أن احتقرت نفسي، ...عزمت على الزواج بعدها، لم أكن أتوقع أبداً أنني مريض بهذا الداء.. كانت حياتي وصحتي مستقرة جداً... ولكن الفيروس كان يسكن في دمي دون أن أشعر.
وعندما ذهبت أنا وأنت لعمل الفحوصات.. لم يكن ذلك مني سوى تسلية... وقيام بروتين يقوم به كل الناس الراقون في المجتمع والمتحضرون، .. للأسف كانت تحاليلك سليمة... وتحاليلي هي: (مصاب بالإيدز).. لم أحتمل نفسي.. أو أحتملك .. أو أحتمل الحياة... خشيت من الفضيحة والعار... خشيت على مركزي وسمعتي... خاطبت الطبيب بهدوء وقلت له (خذ هذا شيك ب- (10) آلاف ريال... لا تخبر أحداً أنني مصاب ولا تكتب اسمي ولا نتائج التحليل لديك)
...كنت أخاف أن تسألين أو تحققي معي لأني عزمت على تركك للأبد مع حبي الجامح لك..
قال لي الدكتور: (الأمر بسيط، لا داعي للفلوس)
قلت له... (الفلوس ليست فقط للصمت عن الموضوع وإنما لتقول لهذا المرأة (أنت مصابة بالمرض) قال لي:
- (هذي مسألة ضمير)
- (أغريته بثلاثين ألف ثم بخمسين... وكَتَبتها في شيك، ثم أكَّدْت له أنك ستُجرين فحوصات عند أي طبيب آخر وستعلمين النتيجة الصحيحة، .. قال لي ساعتها.. هذه مسؤولية .. قلت له بسيط لاتكتب في أوراقك هذه أنها مصابة.. لن يُمْسَك عليك أي شيء... وإذا سُئلت من قبل أحد فقل له يبدو أنها فهمت خطأ وهذا يثبت كلامي.. وأرهم ساعتها جميع أوراقك.
..وافق في النهاية.
...خرجت ورأيتك .. أردتك أن تكرهيني، ولا تفكري فيَّ أبداً... وتبدئي حياتك من جديد، .. ولكن للأسف لم يحصل شيء من هذا.
...نخر المرض جسمي لمدة خمس سنوات، ولم أعرض نفسي على أي طبيب ... وها أنا ذا أموت ..أرجو لك السعادة)
......
تناثرت العبرات من الجميع... وعم السكون جوانب المكان إلا من الشهيق، وعُرف السر وانتهت القصة بهذا الحادث اللطيف، أو الحزين، الله أعلم.
16 ــ ملحق خاص (1)
هكذا انتهت القصة... وهكذا عمت الفرحة... لم يصدق الكاتب للرواية بحلول هذا السكون ، إلا ولملم أوراقه بسرعة، وانطلق بها نحو المطابع، خشية أن تستجد أحداث جديدة قد تكون أكثر تناقضاً، فلا يجد عند ذلك محيصاً من إيرادها بدافع: الأمانة القصصية!!.. ولأن حياة الأسرة الآن لم يمر عليها سوى أيام قلائل، وهذا اليوم بالتحديد هو اليوم الذي عمل الكاتب فيه جهده ليُعد أوراقه للطباعة، انتهى الكاتب من تدوين كل شيء مع منتصف الليل، واستيقظ صباح اليوم التالي ، وانطلق إلى المطبعة... ليُزيح عن نفسه عبء هذه القصة، واحتمال ورود أحداث جديدة، .. ولكن من عجائب الصدف أن ذلك اليوم هو ذاته اليوم الذي عزم حمدان على العودة فيه إلى زوجته وأولاده في أبها. ولسوء الحظ أيضاً لمح الكاتب حمدان في سيارةٍ متجهةٍ نحو المطار... أغمض الطرف... ودخل مسرعاً إلى المطابع وسلم القصة للطباعة.. وخرج فرحاً، وعازماً على ألاَّ يُدخل نفسه في متاهات جديدة... الغريب في الأمر أن فضوله جعله يندم ندماً شديداً على عدم تقصي أخبار الزوجة الأولى وكيفية نزول خبر الزواج الجديد عليها.
... والأغرب من ذلك أنه فكَّر في اختلاق جزء جديد لم يحدث، فكَّر في ذلك بجدية وربما بدأ في إعداد أفكاره لذلك...
كان يريد أن يتنبَّأ بالمستقبل، ... أغراه بذلك رؤيته لحمدان مسافراً إلى أبها، ولكن ماذا عساه أن يكتب دون أن يرى الحقيقة بعينيه، إن التأليف دون تحقق من الواقع منزلق خطير، .. في النهاية وقفت الظروف أمام الكاتب حائلاً دون الوقوع في هذا المنزلق.
إذ أنه طلب من المطبعة التوقف عن الطباعة حتى يتسنى له إمكان ذلك الجزء الذي قد يصدق عنه كونه (مكذوباً)
ولكن المطبعة رفضت قبول أي جزء آخر بحجة الانتهاء من تنسيق أوراق الكتاب.
... وهكذا نجت أنامل الكاتب من تدوين شيء قد يندم عليه يوماً ما... مع أنه برر موقفه في نفس الوقت بأن كتابته لن تكون بأي حال كذباً، وأن معرفة الزوجة الأولى بخبر الزواج سينتج عنها تلقائياً مشاكل لا أول لها ولا آخر، وقد تنتهي بالطلاق ، هذا أمر مؤكد من وجهة نظره ولو أضيف هذا الجزء لما أضيف إلا عين الصواب .
استعاد الكاتب أنفاسه ، واستعادت أجواء الرياض أنفاسها... وبعد شهر تقريباً... مرّ الكاتب في الشارع المجاور لمنزل ريم - أو حمدان - وكان مروره ذاك مرور الكرام... دعاه فضوله آنذاك لإلقاء نظرة إلى المنزل... وكم كانت دهشته حين رأى جلبة كبيرة، وعمال يحملون أثاثاً وينزلونه، ..ندم أشد الندم على مروره هذا.. هل يا ترى هذه بداية متناقضات جديدة، وهموم جديدة لفهم تلك المتناقضات.
لحسن الحظ، أو سوءه، رأى الكاتب ريم وزوجها يخرجان من المنزل وليس عليهما أي أثر من آثار المتناقضات المدهشة، ركبا في السيارة وانطلقا ليوصلها لعملها..، الحمد لله، لقد مات زمن المتناقضات.
لم يستطع الكاتب مدافعة فضوله... أراد أن يعرف أسباب الجلبة التي في المنزل... تابع ما يحدث بداخل السيارة الجديدة التي يقودها حمدان، قالت ريم:
- (متى ستحضرهم).
- غداً إن شاء الله... سنكون جميعاً هنا، وسنضع مناسبة لوصولهم ليس لديك مانع، أليس كذلك يا ريم)
- (لابالطبع... الحمد لله ستبقى عندي هنا وسأراك كل يوم ..كم أنا سعيدة).
...هذا ما سمعه الكاتب، هذا أمر غريب... يبدو أن هناك تطورات جديدة .. وغريبة.
...في الواقع إن ما حدث... أمر لا يكاد يصدق.
ذلك أن حمدان عاد لزوجته الأولى، وبقي لديها شهراً كاملاً... وذات يوم مرّ مروراً عابر على إحدى المكتبات التي تعنى بمتابعة كل جديد.
وقعت يده على ... آخر ما صدر من عالم القصص الواقعية، ..لم تكن تلك القصة إلا هذه القصة ... اندهش كثيراً عندما رآها... لم يتوقع أن أحداً كان يتابعه... أو أن ..قصَّته تلك ستسري في الآفاق ...اشترى الكتاب بسرعة... وبدأ في لهفة ليقرأ ما فيه، ..بدأ بالمطالعة والقراءة في المكتبة... وأكملها في السيارة... ولم يصل إلى منزله إلا وقد أكمل قراءة كل شيء...!
...فكر بطريقة غريبة... وسأل نفسه... لماذا ... لا يُسلِّم هذا الكتاب لزوجته الأولى لتقرأه... ولكن حتماً ستعرف أنه هو البطل في القصة... حتى اسمه لم يتغير ... كل شيء يدينه، أوه ليتها كُتبت باسم مستعار.
... ولكنه في النهاية ... ذهب إليها... وقال...
- (هل تريدين قراءة آخر رواية)
- (أتمنى ذلك، فأنا أشعر ببعض الفراغ)
- (تفضلي ولكن لا تقولي أي كلمة حتى تكمليها)
...خرج حمدان ساعتها من المنزل مسرعاً وتاركاً للأقدار فعل ما قُدِّر .
17 ــ ملحق خاص (2)
عاد حمدان في وقت متأخر من الليل، وفتح الباب بهدوء، وجلس في غرفة الجلوس دون علم زوجته.. وكان ساعتها قلقاً مما ستفعله وبعد خمس دقائق من جلوسه أقبلت كالهمِّ الثقيل... ثم قالت بقسوة .
- (أنت هنا، ولم تخبرنا، ولم تسلم حتى!! عجيب)
...رفع حمدان يده نصف رفعة سريعة وقال بارتجاف: (السلام عليكم ياريم)
...ابتسمت وقالت (وعليكم السلام ياريم، أنا لست ريم يا صديق ريم)
- (آسف ، لم أقصد)
- (آسف ، لم تقصد، ولكن الرواية صراحة، روعة...)
- (ولكن هل تظنين أنها قصة واقعية.)
- (إذا فرض وكانت قصة واقعية، فلاشك أن زوجته الأولى قد مَصَعَتْ رقبته)
- (أعوذ بالله... ولماذا كل هذا العنف)
- (هذا هو المفروض)
...بردت قدما حمدان، وبرد لسانه أكثر، ولم ينطق بكلمة... قالت زوجته
- (مسكينة زوجة حمدان الأوَّله، ... يا عيني مسكينة) . قال حمدان مرتجفاً:
- «المسكينة هي زوجته الثالثة... أقصد الثانية ... حرام... حياتها صعبة، الله المستعان»
- «حَرْمَتْ عينك أنت وإياها»
- (ماذا !! أستغفر الله)
- (شف يا حمدان... أنت ذكي جداً... وطريقتك في إيصال الخبر أذكى... وأنا الآن سأضيف آخر فصل في هذه الرواية)
... سأل الكاتب نفسه... هل ستكملها يا ترى بنكبة جديدة كالمعهود أم أنها ستكملها بلطف... (يا الله الطف... تَعِبْنا من كتابة المشاكل...)
- (يا حمدان أنا قررت قراري النهائي)
...ابتلع حمدان ريقاً مراً، وأمال رأسه للأمام، وأغمض عينيه إنه ينتظر الحكم الجائر الذي ستصدره عليه زوجته
عيناها تُصدران بريقاً من نوع ما ولكن يبدو أنها تفكر وتستعد لتقول كلاماً مهماً.
...ندم حمدان على تسرعه في اتخاذ القرار، وإعطاء زوجته لتلك الرواية التي يبدو أنها ستكون مشؤومة ، على الأسرة الوليدة...
...أخذ حمدان نفساً عميقاً عندما استدارت زوجته الأولى التي لم يفْصح الكاتب عن اسمها... وازداد نفسه عندما تحركت منصرفة...
وابتلع ريقاً أقل مرارة.
ولكنها استدارت نحوه فجأة لتفزعه أولاً، ولتقول ثانياً...
- (لحظات ... وسآتي بعدها لإكمال الرواية...فاهم)
...وضع الكاتب قلمه، ثم دسَّ يديه في جيبه وفتح عينيه وفغر فاه... وبدأ ينتظر ... تماماً كما كان حمدان ينتظر...
...عادت الزوجة ... ودق قلب حمدان، ودق قلب الكاتب أكثر عندما رآها تحمل قلماً وورقة إنها النهاية المرة
...اقتربت المرأة أكثر وأكثر، ماذا ، إنها تحمل في يدها الأخرى كيساً أحمر...
كاد الكاتب أن يرفع قلمه من جديد ليكمل الرواية من رأسه، انقدح في ذهنه تلك الخاتمة السيئة التي تنتهي إليها كل الزيجات، تأكد في ذهنه التالي: ستطلب طلاق ضُرَّتها... ستطلبه حالاً، وتلزم حمدان كتابة الطلاق... بالقلم والورقة، وإلا فستخرج المسدس من الكيس، أو ربما السكين وتبدأ في قتل حمدان أولاً، ثم الكاتب ثانياً... يستحقان ذلك .. وعندها ستنتهي الرواية... ويرتاح الناس من الراوي ومن حمدان ... كانت تلك المرأة تضحك قليلاً وتبتسم كثيراً، لابد وأنها الفرحة بالنصر، والرقص على جروح الأبرياء اللَّهم ارحم حمدان ، وارحم الكاتب، وارحم ريم... أما هذه المرأة!!!
قاطعت دعوات الكاتب كلماتٌ بريئة منها ... قالت:
- (ياحمدان خذ هذا الكيس)
...تقدم حمدان وحمل الكيس، وسعد الكاتب ، المسدس لم يعد في يد المجرم، ولكنها قالت:
- (خذ الورقة، والقلم)
...انفتحت أذنا الكاتب بمقدار كبير يسمح لشي ما أن يدخل عبر، أحدها ويخرج مع الآخر.
- (اكتب رسالة إلى ريم، واطلب منها الحضور هنا... وفوراً وسيكون في هذا الكيس هدية متواضعة مني.. عربون ضراره هـ هـ)
- (ماذا تقولين ، لم أفهم)
- (لقد أحببتها من قلبي، صدقني، لقد شعرت أنها تماماً مثل أختي أريد أن أتعرف عليها، أريدها أن تسكن معي هنا).
...بدت قوانين الحياة وكأنها تغيرت، وبدا وأن شجرة الحب نبتت وغطت الدنيا بأسرها... هل صحيح ما يقال على لسان هذه المرأة، إن كان صحيحاً فقد عادت مريم العذراء من جديد، أو عادت مبادىء قنوتها..، أغمض الكاتب عينيه ليدخل في سهوة حالمة يعيد فيها ثقته بالحياة التي يئس منها، لم يَدْرِ عن شيء مما حوله، طالت المدة أو قصرت، أطيار صغيرة تطير حوله. فتح عينيه، إنه الآن ينظر لحمدان وهو يحمل سماعة الهاتف ويتصل بريم ليخبرها بكل شيء، ريم كادت تطير من الفرحة ، هل يعقل أن يمر سيناريو جديد في حياتها دون مشاكل... مع أنه هو السيناريو الذي تتوقع أن يحمل كل المشاكل... قالت في لهفة ، وأطيار سعادة الكاتب بدأت ترفرف حولها... ولماذا لا تأتون وتسكنون معنا في القصر... سيكون الدور الأول جميعاً لزوجتك الأولى.. وأنا في الدور الثاني، ووالدتي في الدور الثالث ... صدقني هذا أفضل الحلول... وعندها... ستكون حياتي أسعد حياة عرفتها مرأه... وسأراك يومياً... اسألها بسرعة هل ستوافق... سأكون لها مدينة طوال حياتي لو وافقت.
...خلال خمس دقائق لاحقة..عرض حمدان الأمر على زوجته الأولى ولم تُبد أي ممانعة... وسافر حمدان من ساعتها لإعداد الدور الأولى لزوجته الأولى.. وطلب نقل عمله من عسير للرياض وتوسط له في عملية النقل كثير من الأعيان، ربما سيعيش والده معه هناك.
وربما زوَّجه من والده ريم، والله أعلم... ربما... الأيام تخفي كل غريب...
...وغداً ستُقْلع الطائرة ، لتحمل أعضاء الأسرة الأولى لينضموا إلى أعضاء الأسرة الجديدة، ولتبدأ حياة جديدة كلها أمل وسرور.
الجمعة ص:11.30
الرياض 29/5/1420
n
الإهداء 5
1 ــ (أروقــة الدواء) 7
2 ــ (نظرة من غير ميعاد) 9
3 ــ (كلمات من غير ميعاد) 13
4 ــ (الاختطاف) 16
5 ــ السر الثالث والسر الثاني 38
6 ــ (اللقاء الحلال) 50
7 ــ السر الأول 58
8 ــ الإيـــدز 61
9 ــ الأذان 72
10 ــ الوهم والحقيقة 74
11 ــ شهر العسل 81
12 ــ الفاجعة 93
13 ــ هــدوء 114
14 ــ القلق من جديد 115
15 ــ الرسالة تكشف اللغز 121
16 ــ ملحق خاص (1) 125
17 ــ ملحق خاص (2) 129