alshaaaa67
03-27-2002, 11:01 AM
الفصل الثاني
كيف استقبلت الخوجة بهيرة وداد وكيف قبلتها أول قبلة
توقف الشيخ عن الكلام وطلب ان يرتاح قليلاً. نهضت لأضيف بعض الحطب إلى المدفأة. كنت قد بدأت أحب الشيخ وانتظر أية بادرة كي أهرع لخدمته، حتى أنني كنت أمد يدي لأصلح وضع البطانية التي اعتاد ان يضعها على فخذيه اتقاءً لآلام الروماتيزم. وعندما كان يصمت ليرتاح قليلاً كنت أصمت حتى لا أشجعه على الكلام فيزداد ارهاقاً. وعندما كان يصمت، كان يطرق وهو يرقب يديه (أصابعه بالتحديد) كيف ترتجفان ويحاول تثبيتهما. كنت أدعو الله ألا يكون مصاباً بمرض الباركنسون الذي أصيب به أبي، فأنا أعرف مقدار الآلام الجسدية والنفسية التي يعانيها المصابون بهذا المرض الخطير وقد علمت من الطبيب الذي عالج أبي ان الباركنسون يصيب الرجال الذين كانت حياتهم حافلة بالنشاط وأعلمني ان الملاكم محمد علي كلاي أصيب به فأخذت علماً بمعنى الحياة الحافلة بالنشاط.
هل كانت حياة الشيخ حافلة أيضاً بالنشاط؟ ومن أين يعرف كل هذه الأمور عن أبطال قصتنا؟ هل كان على علاقة بهم، هل عرفهم أو كان قد عايشهم؟ وهل كان الشيخ يسرد علي قصة حياته يا ترى؟.. كانت الأسئلة تتردد في ذهني وأنا أضيف بعض الحطب إلى المدفأة كي أعيد التأجج إلى النار حفاظاً على دفء الشيخ. نظرت إلى الشيخ فرأيته ما يزال مطرقاً ناظراً إلى يديه المرتجفتين فلم أعد للجلوس بل اقتربت من النافذة ورحت استطلع السهول الجرداء الممتدة إلى البعيد والتي تغسلها الأمطار بقسوة. في هذه اللحظة سمعت شيئاً أو حركة أو ربما نفساً من خلف الباب الذي يقع إلى جانب النافذة. كان الشك بدأ يساورني من الخادم خصوصاً وأنه يمتلك وجهاً صارماً وغامضاً وعينين منطفئتين أكثر من عيني سيده الشيخ، ثم إنني وباستمرار كنت أتذكر الحركة التي أظن أنني سمعتها في غرفتي المقفلة من الداخل ولو لم أكن غارقاً في النوم إلى الحد الذي ينفي عقلي وجود احتمالات سيئة لكنت نهضت وأشعلت النور وتفقدت مصدر الصوت. وأريد هنا أيها القارئ ان أعترف بأنني شعرت، في هذه اللحظة وأنا أقف على النافذة، ببعض الخوف خصوصاً وان البيت يكتنفه كثير من الغموض سواء في الفرش أو الاضاءة أو في طريقة تصرف الخادم وطريقته أيضاً في النظر (أكثر الأمور غموضاً في البيت هو في وجود البيت في حد ذاته). اقتربت من الباب بهدوء وانا مستمر في النظر إلى الخارج ثم وبحركة سريعة (ولا أعرف كيفواتتني الشجاعة لفعل ذلك) نظرت إلى الشيخ فوجدته منهمكاً بيديه ثم نظرت إلى الباب وانا أفتحه دون أن أرتكب أي خطأ في حركتي التي جاءت عفوية وعن دون دراسة. لقد صدق حدسي. كان الممر قليل الاضاءة بينما كان الخادم يهم بالابتعاد مديراً ظهره الي بينما كان ينظر في عيني مباشرة. استمر وقوفنا هكذا فترة ثانيتين ثم أدار الخادم رأسه وابتعد دون ان يرتبك أو يبتسم وعندما انعطف وغاب أعدت إغلاق الباب وعدت إلى النافذة.
كنت أريد ان أفكر في الموضوع ولكن الشيخ قطع علي تفكيري. ناداني فعدت إلى مكاني قبالته ثم أصلحت وضع الغطاء على فخذيه وقد قررت ان أفكر بأمر الخادم فيما بعد حين أعود إلى غرفتي لقيلولة بعد الظهر. سألني الشيخ:
- أين وصلنا؟
- قبل ان نعود إلى الحكاية أود أن أسأل، لماذا أرسلت بديعة ابنتها إلى الخوجة بهيرة؟ إنني لم أفهم السبب خصوصاً وان بديعة كانت قد هربت منها.. الخوجة بهيرة امرأة متسلطة وعاشقة للنساء، هذا يعني ان الأم موافقة على ما يمكن ان يحصل للابنة.
- فعلاً.. هذا شيء محير، ولكن يبدو على الأم انها ندمت على ما فعلت في غياب أبلايتها بهيرة. كان عليها ان تصدقها وتحترس من الرجال، هكذا فكرت بديعة على ما يبدو. كانت تعيش معها كأميرة زمانها، وعلى فراش الموت فكرت ان أفضل طريقة لحماية ابنتها هو إرسالها إلى بهيرة عوضاً عن ان تزوجها من رجل ريفي لتمضي باقي حياتها في محطة ميدان اكبس فتتحول إلى امرأة ريفية عادية.
- ألم يخطر في بالها قبل المرض ان تأخذ وداد وترحل إلى أبلايتها؟
- النساء لسن كائنات عجيبة يا بني.. عليك ان تأخذ بالحسبان الكرامة.
- ألا توافقني أيها الشيخ بأنها هربت من قوانين أمها في ظروف الحرب العالمية لأنها تحب الحرية فهربت من قوانين بهيرة أيضاً؟
- أمضت بديعة حياتها متنقلة من سيطرة امرأة إلى سيطرة امرأة أخرى، كان حظها سيئاً وكانت تعتقد انها إن هربت من بيت امها فإنها ستحصل على حقها في أن تعيش حياتها حسب ما تهوى بعيداً عن سيطرة امرأة حتى ولو كانت أمها، ولكن ما إن وصلت المدينة حتى وقعت تحت سلطان امرأة أخرى.
- إذن عندما التقت باليوزباشي جودت حسبت انها ستتخلص من سيطرة النساء إلى الأبد.
- هذا صحيح، ولكن اليوزباشي خذلها.. ربما الرجل لا يتحمل المسؤولية لأنه قد يكون قد قتل في المعارك التي دارت حول دمشق، ولكنه بالمعنى العام خذلها، ولكي تنهي ما ابتدأته استقرت في تلك القرية التي فيها محطة القطارات وقررت ان تعيش فيها وتربي ابنتها.. ولكن يبدو انها تعذبت كثيراً. تحولت إلى امرأة عادية وبسبب اعتزازها بنفسها قررت أن لا تظهر وكأنها هزمت. المهم هو انها لم ترض لابنتها ما رضيته لنفسها فقررت ان توجهها إلى بيت الخوجة بهيرة ولكن بعد ان تكون قد فارقت الحياة.
- هذا يعني انها اقتنعت ان الحياة مع امرأة قد تكون أفضل من الحياة مع رجل، أي انها وصلت إلى نفس القناعة التي حاولت أبلايتها اقناعها بها حول الرجال.
- ثمانية عشر عاماً في القرية جعلتها تندم لأنها سعت وراء رجل، من أجل ذلك حاولت ان تزرع في نفس ابنتها خوفاً مضاعفاً من الرجال ولم تدعها تصادق إلا عبدو السنكة.
كانت معلوماتي عن بنات العِشْرة قليلة، فأنا لم أكن أعرف سوى بعض الأقاويل التي كنا نتناقلها عنهن. كانت مثل هذه الأخبار تتناقل بين الرجال بمتعة، ويبدو ان الرجال يضيفون ما كانوا يشتهون سماعه إلى أخبار هذه أو تلك من بنات العشرة الشهيرات في المدينة. قلت للشيخ:
- حسب معلوماتي فإن بنات العشرة لا يرفضن الزواج من الرجال، حتى أشهرهن في حلب متزوجات ولهن أسر وأطفال.
- هذا صحيح، فالمرأة مهما كانت ميولها تسعى إلى ان تكون محمية، تحب ان تكون تحت رعاية شخص ما كالأب أو الزوج. ثم ان معظم النساء يتزوجن وهن صغيرات.. أو تستطيع ان تقول انهن يزوجن في سن مبكرة حين تكون دون إرادة. وفي معظم الأحيان تنشأ الصداقات في استقبالاتهن النسائية التي تحرص كل نساء المدينة على حضورها على الدوام.
- تقصد "القابول" باللغة العامية الحلبية.
- نعم، يصدف ان تتواجد المرأة في "قابول" مثل هذا وتتعرف على مثل هذه العلاقات.. انها ترى أزواجاً وأزواجاً من النساء اللواتي يحرصن على الجلوس معاً والحديث معاً والضحك والمزاح ولا يخلو الأمر من قبلات ولمسات وشمّات. بعد مدة تتحرش بها احداهن لتتقرب منها أو لتغيظ صديقتها وتثير فيها مشاعر الغيرة. تنشأ الصداقة على هذا المنوال وتتطور بعيداً عن أعين الرجال، فانت تعلم جيداً بان الرجل لا يستطيع اقتحام جلسات النساء.
- نعم.. رجلنا الشرقي يخاف على شرفه من الرجال الآخرين، أما النساء فهن لا يمسسن الشرف.
- في العادة يعود الرجل إلى بيته فيسأل عن امرأته فيقولون له انها بصحبة ضيفة.. واحدة من صاحباتها. هذا شيء طبيعي، بعد دقائق يتأكد من انها امرأة حين يراها تخرج من غرفة الضيوف وزوجته تودعها. أما ما كان قد حصل فالزوج لا يعلم عنه شيئاً.
- سمعت عن بعض الأزواج الذين علموا بعلاقة زوجاتهم مع صاحباتهن.
- يحدث كثيراً ان تتطور علاقة الزوجة بأبلايتها وتحصل أمور دراماتيكية، مثل ان تتحدث كثير من النساء عن هذه العلاقة وما يعتريها من خصام في بعض الأحيان وفراق ثم وصال من جديد فتصل هذه الأخبار إلى الرجال ومن ثم إلى الزوج.
- وماذا يمكن أن يحصل؟
- كثير من الأزواج يصمتون ولكن ما إن تنكشف العلاقة وتصبح كالفضيحة حتى يضغطون على زوجاتهم لإيقافها، ولكنهم على الأغلب لا ينجحون في ايقافها ومنهم من يطلق زوجته بسببها.
- يصل الأمر إلى حد الطلاق؟
- لا يصل الأمر إلى الطلاق إلا إذا كانت المرأة متعلقة بأبلايتها بشكل كبير، أما إذا كانت الأبلاية غنية فإنها تشجع صاحبتها على الطلاق حتى أنها تعرض عليها ان تشتري لها منزلاً لتسكن فيه وتصبحان كأنهما متزوجتان. هناك سبب اًخر لتذمر الزوج وايصاله الأمور إلى الطلاق وهو ان تبدأ زوجته بالتبرم من واجباتها الزوجية وتعتريها البرودة بسبب علاقتها مع أبلايتها.
- هذا اسمه شذوذ.
- نعم شذوذ.
- وكيف كانت الخوجة بهيرة..؟ أين هي من هذا كله؟
- بهيرة كانت أبلاية، اي انها كانت قائدة في العلاقات وكانت حتى تبدل صاحباتها حين تمل منهن أو يطرأ أمر ما أو حين تلتقي بفتاة أجمل. فحين جاءت بديعة برفقة ذلك الرجل كانت بهيرة في أوج علاقة حميمة بالشقراء عازفة القانون التي اختطفتها من الخوجة سماح، وبكل برودة أهملتها بهيرة حين وقعت عينيها على حسن وجمال بديعة سكر نبات فعشقتها من النظرة الأولى مما اضطر الشقراء إلى الانسحاب.
كان موضوع بنات العشرة قد تشعب بسبب المعلومات الثمينة التي نقلها إلي. لهذا قررت، في تلك الجلسة، ان أتعمق فيه حالما أعود إلى حلب، وقررت ان أقابل بنفسي بعض النساء اللواتي عرف عنهن انهن منهن أو على الأقل ان أرسل زوجتي نادية لمقابلتهن ومن ثم لتنقل إلي أحاديثهن (معظم النساء يشعرن بالحرج من التكلم في هذه الأمور مع الرجال، للأسف الشديد، ولذلك فإنني أحذرك أيها القارئ بان معلوماتي قد تكون ناقصة وعليك ان تتابع الموضوع بنفسك أو عن طريق زوجتك إذا أردت الغوص فيه مثلي).
المهم.. أردت دفع الشيخ للعودة إلى قصتنا، فهو الوحيد الذي يعلمها، وهو يتعب بسرعة من القص، والزمن المتاح لي قصير، وهناك أيضاً الخادم الذي يتصرف بغموض وقد يتسبب في طردي فلا يتسنى لي سماع الحكاية حتى نهايتها، لذلك فقد قلت للشيخ:
- لقد تركنا وداد في عربة حنتور برفقة السائق الذي كان يتلصص إلى وجهها الجميل وبيدها مظروف كتب فيه عنوان الخوجة بهيرة.. ماذا حصل بعد ذلك؟
نظر إلي مطولاً وفي عينيه امتنان نحوي لأنني ذكرته بوداد (ما كانت علاقته بها؟) هز رأسه مراراً وهو يقبض على يديه ليمنعارتجافهما ثم راح يتكلم بصوته الهادئ والرخيم مستعيداً نبرة القص مبتعداً عن أسلوب الحوار الذي كنا قد استرسلنا فيه قبل قليل.
توقف العربنجي امام بيت ذي جدران عالية وفي واجهته كشك خشبي مسود فيه خمس نوافذ، ثلاث في واجهة الكشك واثنتان في طرفيه. اما الباب الخشبي للبيت فقد غطي بصاج معدني مثبت بمسامير ذات رؤوس كبيرة مثبتة بشكل هندسي أنيق. دفعت وداد لسائق العربة أجره ثم حملت حقيبتها ونزلت. كان ما يزال ينظر اليها تلك النظرة التي رماها بها طوال الطريق. كان الرجل يصلي على النبي في كل مرة فهو لم يصادف فتاة بهذا الجمال من قبل ثم تمنى على الله ان يحميها من الرجال الأشرار وساق عربته مبتعداً أما هي فقد وقفت هناك، امام البيت في تلك الحارة الهادئة من حي الفرافرة الراقي.
تملت واجهة المنزل. كانت هناك شجرة استطاعت ان تنمو وتتسلق جدار المنزل ثم أطلت على الشارع و راحت تنزل إلى الأسفل متشبثة بالجدار الحجري الخشن. فكرت وداد.. هل وقفت أمها بديعة يوماً مثلما تقف هي الآن؟ ماذا كانت تشعر؟ وداد الآن خائفة من المجهول، الذي سيفتح لها ليبتلعها إذا ما قرعت الباب الاسود اللامع. هل خافت أمها أيضاً؟ حزمت أمرها واقتربت منه ثم صعدت درجة صغيرة لتصل إلى المطرقة. هناك توقفت يدها بعد ان قبضت عليها. لقد أتاها من داخل المنزل صوت كمنجة. خمنت بان المنزل واسع جداً لأن صوت الكمنجة كان يأتيها من بعيد. هناك من يتدرب على أغنية أم كلثوم الجديدة "على بلد المحبوب". انها تعرفها آلة الكمنجة، فقد اعتاد بائع جوال ان يوقف عربته المليئة بشتى البضائع الصغيرة الملونة في ساحة القرية ويخرج كمنجته من قلب عربته ثم يشرع في العزف وهو يغني أغانيه الكردية الحزينة. كانت تذهب بصحبة عبدو السنكة للتفرج على المناديل النسائية الملونة. كانت تفرح لمجيء البائع الجوال لا لشيء إلا لتستمع الى عزفه والى أغانيه الحزينة، أما المناديل الملونة فهي تعرفها جيداً وكانت قد ملّتها من كثرة ما تفحصتها.
قرعت الباب بالمطرقة الحديدية المعلقة ثم خطت خطوة إلى الوراء وراحت تنتظر. توقفت الكمنجة. اسفت لذلك وشعرت بالذنب لأنها السبب في هذا الصمت. بعد ثوانٍ سمعت خطوات ثم انفرج الباب الذي أصدر أزيزاً عالياً بسبب وزنه الزائد. امرأة في العشرينات هي التي فتحت الباب. عندما شاهدت ان القادمة فتاة وسّعت فرجة الباب وهي تتساءل بتعابير وجهها بطريقة أنيسة. كانت المرأة هي التي كانت تتمرن على آلة الكمنجة. اسمها سعاد. كانت عادية الجمال جعّدت شعرها الذي يصل إلى كتفيها بواسطة الكوي الحراري وارتدت ثوباً خفيفاً يظهر جيدها وساعديها ويصل إلى ما تحت الركبة. سألت وهي تبتسم لهذه القروية التي تحمل حقيبة سفر قديمة بيد ومظروفاً باليد الأخرى، فقد كان منظرها مسلياً ولطيفاً:
- ماذا تريدين يا حلوة؟
- أريد الخوجة بهيرة.
- ماذا تريدين منها؟ ارتبكت وداد، ماذا يمكن ان تقول لهذه المرأة التي تسأل عن كل شيء؟ قالت وهي تشير إلى يدها التي تحمل المغلف:
- أريد ان أعطيها هذه الرسالة.
- رسالة؟ (يبدو ان سعاد كانت تتسلى، فقد أحبت الأخذ والعطاء مع القروية التي تزداد احراجاً عند كل سؤال اضافي) ممن الرسالة؟
- من أمي. هل الخوجة بهيرة هنا؟
عندها فتحت عازفة الكمنجة الباب جيداً ودعتها للدخول. كانت تراقبها حين تنهدت وداد براحة فقد كانت قد تعرقت بسبب أسئلتها. ارتقت الدرجتين اللتين كان البيت يعلو بهما الشارع ثم اجتازت المرأة صاحبة الاسئلة وتوقفت. أغلقت المرأة الباب ثم لمست وداد بيدها لتطمئنها وطلبت منها ان تلحقها ثم سارت في الدهليز الطويل حتى الحوش.
كان حوش المنزل عبارة عن مربع غير مسقوف تطل عليه نوافذ الغرف من الجهتين الغربية والشرقية وكان هناك درجان في الجهتين الأخريين يقودان إلى المربعات والأسطح بينما احتل ايوان كبير مفروش بعدد كبير من المقاعد والكنبات الجهة القبلية وكأن حفلة موسيقية تجري هناك كل يوم فقد كانت الكمنجة مركونة في احد المقاعد، أما وسط الحوش فقد احتلته بركة ماء بنافورة كانت حينها متوقفة والماء في حالة ركود تسبح فيه بعض الورود وأوراق الشجر التي تحيط بالحوض وقطعة من الموسلين.
قادتها سعاد إلى الايوان ثم طلبت منها ان تجلس وتنتظر. ابتسمت لها ثم لمستها برفق لتطمئنها ثم قالت:
- الخوجة بهيرة في الحمام.
هزت وداد رأسها ثم تابعت سعاد وهي تبتعد ثم تدخل احد الأبواب. وما إن أصبحت بمفردها حتى راحت تتفحص الحوش والنوافذ والاشجار بعينيها. كانت جالسة ورسالة أمها إلى الخوجة في حضنها وهي تعبث بالمغلف دون إرادة منها فقد كانت خائفة. ماذا لو تسلمت الخوجة الرسالة وقرأتها ثم طردتها؟ أين ستذهب في هذه المدينة التي لا تعرف فيها أحد؟ صعدت ببصرها نحو نوافذ المربعات العلوية وفجأة انتفضت، حتى انها سمعت نفسها تصرخ صرخة خافتة لم يسمعها أحد سواها. شاهدت امرأتين تقفان على احدى النوافذ وهما بالشلحة النسائية الداخلية تنظران اليها وهما تبتسمان (لماذا تبتسم لها كل ساكنات المنزل؟). كانتا ملتصقتين وتمسك كل منهما الأخرى من خصرها بينما تلاحمتا بالخدود. أبعدت وداد نظرها بسبب خوفها أولاً ثم بسبب خجلها ثانياً إلا أن فضولاً كبيراً دفعها إلى النظر من جديد ولكنها وجدت هذه المرة امرأة واحدة تنظر اليها وهي مستمرة بالتبسُّم بغنج ويدها ممدودة إلى الداخل ثم غابت لأن الثانية كانت تجرها بعيداً عن النافذة.
نظرت إلى الكمنجة المركونة على المقعد. تذكرت البائع الجوال الكردي وتذكرت أغانيه الحزينة. كل الأكراد حول ميدان اكبس يحبون آلة البذق بينما ذلك البائع يفضل العزف على الكمنجة.. أليس هذا غريباً؟ تذكرت أيضاً عبدو السنكة الذي تركته اليوم صباحاً يبكي لفراقها وهو ينط على رصيف المحطة. شعرت بالحنين اليه. كانت أيضاً حزينة بالاضافة إلى خوفها واستغرابها من هذا البيت المليء بالنساء.
فجأة انتشلها صوت قرقعة قبقاب خشبي فجفلت. كانت هناك امرأتان ملتفتان ببشاكير الحمام خارجتان من الباب الذي غابت به سعاد عازفة الكمنجة التي ما لبثت ان خرجت تلحق بالمرأتين. كانت النساء الثلاث ينظرن اليها، أما المرأة الأولى فقد كانت تشبه الرجال في كل شيء ولكنها كانت امرأة لأن وداد شاهدت البشكير ينفرج عن ثدييها الصغيرين.
وقفت وداد فقد عرفت انها الخوجة بهيرة. اقتربت منها الخوجة وهي تتفحص جمال وجه القروية التي تبدو وكأنها ملاك نزل من السماء. صعدت اليها في الايوان وهي مستمرة في تفحصها لا ترفع عينيها عنها حتى ان رفيقتها التي كانت تشاركها الحمام قبل قليل شعرت بغيرة من تصرف أبلايتها. غيرة لا تبدر إلا عن عاشقة كانت مطمئنة إلى انها محظية لمدى العمر حتى انها لم تقو على مراقبة خوجتها التي تقف امام القروية وكأنها مسحورة فنترت نفسها وأسرعت إلى احدى الغرف. قالت سعاد، المرأة المستترة بثوب عادي وكأنها تحاول ايقاظ بهيرة:
- تقول انها تحمل لك رسالة من أمها.
مدت وداد بالمغلف إلى بهيرة التي أمسكت به دون ان تنظر اليه، بل على العكس، فقد عرفت مضمون الرسالة ومرسلته وهي ما تزال تنظر إلى وداد. قالت:
- أنت ابنة بديعة؟
- نعم.
- اجلسي.
جلست وداد من جديد وجلست بهيرة امامها. لقد عرفتها من الشبه الكبير بأمها. انها لم تنسها، فلم تعشق بهيرة امرأة في حياتها كما عشقت بديعة، وعندما هربت منها عاشت سنين عديدة وهي تحلم بها وهي تعود إليها.. كانت صورتها ماثلة امام عينيها باستمرار. لقد كانت بديعة ألمها العظيم. تساءلت سعاد وقد اكتشفت سر جمال القروية وسر السحر الذي وقع على الخوجة:
- امها بديعة؟
استدارت اليها وداد وهزت برأسها. سمعت بهيرة تسألها:
- اين هي الآن؟
- لقد ماتت.. أعطتك عمرها. قالت ذلك وكأنها تطلب من الخوجة ألا تطرها. زفرت بهيرة ثم هزت رأسها أسفاً على عشيقتها. أطرقت حزناً فوجدت الرسالة بين يديها ففضتها وراحت تقرأ. نست نفسها فبان عريها لوداد التي أبعدت بصرها عنها فالتقت بعيني سعاد التي كانت تبتسم لها بحنان.
- هل أنت جائعة؟ فقالت وداد:
- أكلت في القطار من الزوادة.
- سوف أسخن لكِ.
تركتهما وذهبت إلى المطبخ. تابعتها وداد كي لا تعود للنظر إلى عورة بهيرة. لقد أحبت هذه المرأة. أحبتها منذ ان فتحت لها الباب. كانت وداد تحتاج إلى من يرأف بحالها ويبدو انهن لن يطردنها. اضطرت للعودة للنظر إلى الخوجة المعلمة. قالت وهي تطوي الرسالة ثم تطوي البشكير حول جسدها العاري:
- الله يرحمها.. هل تعرفين ماذا كتبت لي المرحومة؟ هزت وداد رأسها، فهي دائماً تعرف:
- أعرف يا ستي.
- تطلب مني ان استقبلك لتعيشي وتعملي معي.. ان أهتم بكِ. هل انت موافقة؟
- نعم موافقة، لا أعرف أحداً أذهب اليه.
- سوف تبقين.
حولت عينيها فشاهدت وداد المرأة رفيقة الخوجة في الحمام وقد ارتدت شلحة داخلية حمراء وتقف على باب الغرفة وهي تمشط شعرها الرطب. كانت تستمع إلى الحديث غير راضية عما يجري. في هذه اللحظة نهضت بهيرة واقتربت من وداد.
- أمك تقول ان أسمك وداد.
- نعم، اسمي وداد.
- اسم حلو..
رددت بهيرة اسم وداد ثم أمسكت بالمنديل الذي كانت وداد تعقده على رأسها وحلته ثم رفعته. راحت تتملى جمالها. مسحت على شعرها وتبسمت لها. نظرت وداد نحو المرأة بالشلحة الحمراء فوجدتها هناك تنظر بغيرة إلى ما يجري. انحنت بهيرة وقبلت وداد على خدها قبلة لا تشبه قبلات الأمهات.
- تعالي.. سوف أدلك أين ستنامين.
نهضت وداد وحملت حقيبتها ثم تبعت الخوجة. التقت أعين النساء الثلاث، ولكن بهيرة لم تكن تأبه لغيرة ذات الشلحة الحمراء.
* * * * *
:11: :11: :11:
كيف استقبلت الخوجة بهيرة وداد وكيف قبلتها أول قبلة
توقف الشيخ عن الكلام وطلب ان يرتاح قليلاً. نهضت لأضيف بعض الحطب إلى المدفأة. كنت قد بدأت أحب الشيخ وانتظر أية بادرة كي أهرع لخدمته، حتى أنني كنت أمد يدي لأصلح وضع البطانية التي اعتاد ان يضعها على فخذيه اتقاءً لآلام الروماتيزم. وعندما كان يصمت ليرتاح قليلاً كنت أصمت حتى لا أشجعه على الكلام فيزداد ارهاقاً. وعندما كان يصمت، كان يطرق وهو يرقب يديه (أصابعه بالتحديد) كيف ترتجفان ويحاول تثبيتهما. كنت أدعو الله ألا يكون مصاباً بمرض الباركنسون الذي أصيب به أبي، فأنا أعرف مقدار الآلام الجسدية والنفسية التي يعانيها المصابون بهذا المرض الخطير وقد علمت من الطبيب الذي عالج أبي ان الباركنسون يصيب الرجال الذين كانت حياتهم حافلة بالنشاط وأعلمني ان الملاكم محمد علي كلاي أصيب به فأخذت علماً بمعنى الحياة الحافلة بالنشاط.
هل كانت حياة الشيخ حافلة أيضاً بالنشاط؟ ومن أين يعرف كل هذه الأمور عن أبطال قصتنا؟ هل كان على علاقة بهم، هل عرفهم أو كان قد عايشهم؟ وهل كان الشيخ يسرد علي قصة حياته يا ترى؟.. كانت الأسئلة تتردد في ذهني وأنا أضيف بعض الحطب إلى المدفأة كي أعيد التأجج إلى النار حفاظاً على دفء الشيخ. نظرت إلى الشيخ فرأيته ما يزال مطرقاً ناظراً إلى يديه المرتجفتين فلم أعد للجلوس بل اقتربت من النافذة ورحت استطلع السهول الجرداء الممتدة إلى البعيد والتي تغسلها الأمطار بقسوة. في هذه اللحظة سمعت شيئاً أو حركة أو ربما نفساً من خلف الباب الذي يقع إلى جانب النافذة. كان الشك بدأ يساورني من الخادم خصوصاً وأنه يمتلك وجهاً صارماً وغامضاً وعينين منطفئتين أكثر من عيني سيده الشيخ، ثم إنني وباستمرار كنت أتذكر الحركة التي أظن أنني سمعتها في غرفتي المقفلة من الداخل ولو لم أكن غارقاً في النوم إلى الحد الذي ينفي عقلي وجود احتمالات سيئة لكنت نهضت وأشعلت النور وتفقدت مصدر الصوت. وأريد هنا أيها القارئ ان أعترف بأنني شعرت، في هذه اللحظة وأنا أقف على النافذة، ببعض الخوف خصوصاً وان البيت يكتنفه كثير من الغموض سواء في الفرش أو الاضاءة أو في طريقة تصرف الخادم وطريقته أيضاً في النظر (أكثر الأمور غموضاً في البيت هو في وجود البيت في حد ذاته). اقتربت من الباب بهدوء وانا مستمر في النظر إلى الخارج ثم وبحركة سريعة (ولا أعرف كيفواتتني الشجاعة لفعل ذلك) نظرت إلى الشيخ فوجدته منهمكاً بيديه ثم نظرت إلى الباب وانا أفتحه دون أن أرتكب أي خطأ في حركتي التي جاءت عفوية وعن دون دراسة. لقد صدق حدسي. كان الممر قليل الاضاءة بينما كان الخادم يهم بالابتعاد مديراً ظهره الي بينما كان ينظر في عيني مباشرة. استمر وقوفنا هكذا فترة ثانيتين ثم أدار الخادم رأسه وابتعد دون ان يرتبك أو يبتسم وعندما انعطف وغاب أعدت إغلاق الباب وعدت إلى النافذة.
كنت أريد ان أفكر في الموضوع ولكن الشيخ قطع علي تفكيري. ناداني فعدت إلى مكاني قبالته ثم أصلحت وضع الغطاء على فخذيه وقد قررت ان أفكر بأمر الخادم فيما بعد حين أعود إلى غرفتي لقيلولة بعد الظهر. سألني الشيخ:
- أين وصلنا؟
- قبل ان نعود إلى الحكاية أود أن أسأل، لماذا أرسلت بديعة ابنتها إلى الخوجة بهيرة؟ إنني لم أفهم السبب خصوصاً وان بديعة كانت قد هربت منها.. الخوجة بهيرة امرأة متسلطة وعاشقة للنساء، هذا يعني ان الأم موافقة على ما يمكن ان يحصل للابنة.
- فعلاً.. هذا شيء محير، ولكن يبدو على الأم انها ندمت على ما فعلت في غياب أبلايتها بهيرة. كان عليها ان تصدقها وتحترس من الرجال، هكذا فكرت بديعة على ما يبدو. كانت تعيش معها كأميرة زمانها، وعلى فراش الموت فكرت ان أفضل طريقة لحماية ابنتها هو إرسالها إلى بهيرة عوضاً عن ان تزوجها من رجل ريفي لتمضي باقي حياتها في محطة ميدان اكبس فتتحول إلى امرأة ريفية عادية.
- ألم يخطر في بالها قبل المرض ان تأخذ وداد وترحل إلى أبلايتها؟
- النساء لسن كائنات عجيبة يا بني.. عليك ان تأخذ بالحسبان الكرامة.
- ألا توافقني أيها الشيخ بأنها هربت من قوانين أمها في ظروف الحرب العالمية لأنها تحب الحرية فهربت من قوانين بهيرة أيضاً؟
- أمضت بديعة حياتها متنقلة من سيطرة امرأة إلى سيطرة امرأة أخرى، كان حظها سيئاً وكانت تعتقد انها إن هربت من بيت امها فإنها ستحصل على حقها في أن تعيش حياتها حسب ما تهوى بعيداً عن سيطرة امرأة حتى ولو كانت أمها، ولكن ما إن وصلت المدينة حتى وقعت تحت سلطان امرأة أخرى.
- إذن عندما التقت باليوزباشي جودت حسبت انها ستتخلص من سيطرة النساء إلى الأبد.
- هذا صحيح، ولكن اليوزباشي خذلها.. ربما الرجل لا يتحمل المسؤولية لأنه قد يكون قد قتل في المعارك التي دارت حول دمشق، ولكنه بالمعنى العام خذلها، ولكي تنهي ما ابتدأته استقرت في تلك القرية التي فيها محطة القطارات وقررت ان تعيش فيها وتربي ابنتها.. ولكن يبدو انها تعذبت كثيراً. تحولت إلى امرأة عادية وبسبب اعتزازها بنفسها قررت أن لا تظهر وكأنها هزمت. المهم هو انها لم ترض لابنتها ما رضيته لنفسها فقررت ان توجهها إلى بيت الخوجة بهيرة ولكن بعد ان تكون قد فارقت الحياة.
- هذا يعني انها اقتنعت ان الحياة مع امرأة قد تكون أفضل من الحياة مع رجل، أي انها وصلت إلى نفس القناعة التي حاولت أبلايتها اقناعها بها حول الرجال.
- ثمانية عشر عاماً في القرية جعلتها تندم لأنها سعت وراء رجل، من أجل ذلك حاولت ان تزرع في نفس ابنتها خوفاً مضاعفاً من الرجال ولم تدعها تصادق إلا عبدو السنكة.
كانت معلوماتي عن بنات العِشْرة قليلة، فأنا لم أكن أعرف سوى بعض الأقاويل التي كنا نتناقلها عنهن. كانت مثل هذه الأخبار تتناقل بين الرجال بمتعة، ويبدو ان الرجال يضيفون ما كانوا يشتهون سماعه إلى أخبار هذه أو تلك من بنات العشرة الشهيرات في المدينة. قلت للشيخ:
- حسب معلوماتي فإن بنات العشرة لا يرفضن الزواج من الرجال، حتى أشهرهن في حلب متزوجات ولهن أسر وأطفال.
- هذا صحيح، فالمرأة مهما كانت ميولها تسعى إلى ان تكون محمية، تحب ان تكون تحت رعاية شخص ما كالأب أو الزوج. ثم ان معظم النساء يتزوجن وهن صغيرات.. أو تستطيع ان تقول انهن يزوجن في سن مبكرة حين تكون دون إرادة. وفي معظم الأحيان تنشأ الصداقات في استقبالاتهن النسائية التي تحرص كل نساء المدينة على حضورها على الدوام.
- تقصد "القابول" باللغة العامية الحلبية.
- نعم، يصدف ان تتواجد المرأة في "قابول" مثل هذا وتتعرف على مثل هذه العلاقات.. انها ترى أزواجاً وأزواجاً من النساء اللواتي يحرصن على الجلوس معاً والحديث معاً والضحك والمزاح ولا يخلو الأمر من قبلات ولمسات وشمّات. بعد مدة تتحرش بها احداهن لتتقرب منها أو لتغيظ صديقتها وتثير فيها مشاعر الغيرة. تنشأ الصداقة على هذا المنوال وتتطور بعيداً عن أعين الرجال، فانت تعلم جيداً بان الرجل لا يستطيع اقتحام جلسات النساء.
- نعم.. رجلنا الشرقي يخاف على شرفه من الرجال الآخرين، أما النساء فهن لا يمسسن الشرف.
- في العادة يعود الرجل إلى بيته فيسأل عن امرأته فيقولون له انها بصحبة ضيفة.. واحدة من صاحباتها. هذا شيء طبيعي، بعد دقائق يتأكد من انها امرأة حين يراها تخرج من غرفة الضيوف وزوجته تودعها. أما ما كان قد حصل فالزوج لا يعلم عنه شيئاً.
- سمعت عن بعض الأزواج الذين علموا بعلاقة زوجاتهم مع صاحباتهن.
- يحدث كثيراً ان تتطور علاقة الزوجة بأبلايتها وتحصل أمور دراماتيكية، مثل ان تتحدث كثير من النساء عن هذه العلاقة وما يعتريها من خصام في بعض الأحيان وفراق ثم وصال من جديد فتصل هذه الأخبار إلى الرجال ومن ثم إلى الزوج.
- وماذا يمكن أن يحصل؟
- كثير من الأزواج يصمتون ولكن ما إن تنكشف العلاقة وتصبح كالفضيحة حتى يضغطون على زوجاتهم لإيقافها، ولكنهم على الأغلب لا ينجحون في ايقافها ومنهم من يطلق زوجته بسببها.
- يصل الأمر إلى حد الطلاق؟
- لا يصل الأمر إلى الطلاق إلا إذا كانت المرأة متعلقة بأبلايتها بشكل كبير، أما إذا كانت الأبلاية غنية فإنها تشجع صاحبتها على الطلاق حتى أنها تعرض عليها ان تشتري لها منزلاً لتسكن فيه وتصبحان كأنهما متزوجتان. هناك سبب اًخر لتذمر الزوج وايصاله الأمور إلى الطلاق وهو ان تبدأ زوجته بالتبرم من واجباتها الزوجية وتعتريها البرودة بسبب علاقتها مع أبلايتها.
- هذا اسمه شذوذ.
- نعم شذوذ.
- وكيف كانت الخوجة بهيرة..؟ أين هي من هذا كله؟
- بهيرة كانت أبلاية، اي انها كانت قائدة في العلاقات وكانت حتى تبدل صاحباتها حين تمل منهن أو يطرأ أمر ما أو حين تلتقي بفتاة أجمل. فحين جاءت بديعة برفقة ذلك الرجل كانت بهيرة في أوج علاقة حميمة بالشقراء عازفة القانون التي اختطفتها من الخوجة سماح، وبكل برودة أهملتها بهيرة حين وقعت عينيها على حسن وجمال بديعة سكر نبات فعشقتها من النظرة الأولى مما اضطر الشقراء إلى الانسحاب.
كان موضوع بنات العشرة قد تشعب بسبب المعلومات الثمينة التي نقلها إلي. لهذا قررت، في تلك الجلسة، ان أتعمق فيه حالما أعود إلى حلب، وقررت ان أقابل بنفسي بعض النساء اللواتي عرف عنهن انهن منهن أو على الأقل ان أرسل زوجتي نادية لمقابلتهن ومن ثم لتنقل إلي أحاديثهن (معظم النساء يشعرن بالحرج من التكلم في هذه الأمور مع الرجال، للأسف الشديد، ولذلك فإنني أحذرك أيها القارئ بان معلوماتي قد تكون ناقصة وعليك ان تتابع الموضوع بنفسك أو عن طريق زوجتك إذا أردت الغوص فيه مثلي).
المهم.. أردت دفع الشيخ للعودة إلى قصتنا، فهو الوحيد الذي يعلمها، وهو يتعب بسرعة من القص، والزمن المتاح لي قصير، وهناك أيضاً الخادم الذي يتصرف بغموض وقد يتسبب في طردي فلا يتسنى لي سماع الحكاية حتى نهايتها، لذلك فقد قلت للشيخ:
- لقد تركنا وداد في عربة حنتور برفقة السائق الذي كان يتلصص إلى وجهها الجميل وبيدها مظروف كتب فيه عنوان الخوجة بهيرة.. ماذا حصل بعد ذلك؟
نظر إلي مطولاً وفي عينيه امتنان نحوي لأنني ذكرته بوداد (ما كانت علاقته بها؟) هز رأسه مراراً وهو يقبض على يديه ليمنعارتجافهما ثم راح يتكلم بصوته الهادئ والرخيم مستعيداً نبرة القص مبتعداً عن أسلوب الحوار الذي كنا قد استرسلنا فيه قبل قليل.
توقف العربنجي امام بيت ذي جدران عالية وفي واجهته كشك خشبي مسود فيه خمس نوافذ، ثلاث في واجهة الكشك واثنتان في طرفيه. اما الباب الخشبي للبيت فقد غطي بصاج معدني مثبت بمسامير ذات رؤوس كبيرة مثبتة بشكل هندسي أنيق. دفعت وداد لسائق العربة أجره ثم حملت حقيبتها ونزلت. كان ما يزال ينظر اليها تلك النظرة التي رماها بها طوال الطريق. كان الرجل يصلي على النبي في كل مرة فهو لم يصادف فتاة بهذا الجمال من قبل ثم تمنى على الله ان يحميها من الرجال الأشرار وساق عربته مبتعداً أما هي فقد وقفت هناك، امام البيت في تلك الحارة الهادئة من حي الفرافرة الراقي.
تملت واجهة المنزل. كانت هناك شجرة استطاعت ان تنمو وتتسلق جدار المنزل ثم أطلت على الشارع و راحت تنزل إلى الأسفل متشبثة بالجدار الحجري الخشن. فكرت وداد.. هل وقفت أمها بديعة يوماً مثلما تقف هي الآن؟ ماذا كانت تشعر؟ وداد الآن خائفة من المجهول، الذي سيفتح لها ليبتلعها إذا ما قرعت الباب الاسود اللامع. هل خافت أمها أيضاً؟ حزمت أمرها واقتربت منه ثم صعدت درجة صغيرة لتصل إلى المطرقة. هناك توقفت يدها بعد ان قبضت عليها. لقد أتاها من داخل المنزل صوت كمنجة. خمنت بان المنزل واسع جداً لأن صوت الكمنجة كان يأتيها من بعيد. هناك من يتدرب على أغنية أم كلثوم الجديدة "على بلد المحبوب". انها تعرفها آلة الكمنجة، فقد اعتاد بائع جوال ان يوقف عربته المليئة بشتى البضائع الصغيرة الملونة في ساحة القرية ويخرج كمنجته من قلب عربته ثم يشرع في العزف وهو يغني أغانيه الكردية الحزينة. كانت تذهب بصحبة عبدو السنكة للتفرج على المناديل النسائية الملونة. كانت تفرح لمجيء البائع الجوال لا لشيء إلا لتستمع الى عزفه والى أغانيه الحزينة، أما المناديل الملونة فهي تعرفها جيداً وكانت قد ملّتها من كثرة ما تفحصتها.
قرعت الباب بالمطرقة الحديدية المعلقة ثم خطت خطوة إلى الوراء وراحت تنتظر. توقفت الكمنجة. اسفت لذلك وشعرت بالذنب لأنها السبب في هذا الصمت. بعد ثوانٍ سمعت خطوات ثم انفرج الباب الذي أصدر أزيزاً عالياً بسبب وزنه الزائد. امرأة في العشرينات هي التي فتحت الباب. عندما شاهدت ان القادمة فتاة وسّعت فرجة الباب وهي تتساءل بتعابير وجهها بطريقة أنيسة. كانت المرأة هي التي كانت تتمرن على آلة الكمنجة. اسمها سعاد. كانت عادية الجمال جعّدت شعرها الذي يصل إلى كتفيها بواسطة الكوي الحراري وارتدت ثوباً خفيفاً يظهر جيدها وساعديها ويصل إلى ما تحت الركبة. سألت وهي تبتسم لهذه القروية التي تحمل حقيبة سفر قديمة بيد ومظروفاً باليد الأخرى، فقد كان منظرها مسلياً ولطيفاً:
- ماذا تريدين يا حلوة؟
- أريد الخوجة بهيرة.
- ماذا تريدين منها؟ ارتبكت وداد، ماذا يمكن ان تقول لهذه المرأة التي تسأل عن كل شيء؟ قالت وهي تشير إلى يدها التي تحمل المغلف:
- أريد ان أعطيها هذه الرسالة.
- رسالة؟ (يبدو ان سعاد كانت تتسلى، فقد أحبت الأخذ والعطاء مع القروية التي تزداد احراجاً عند كل سؤال اضافي) ممن الرسالة؟
- من أمي. هل الخوجة بهيرة هنا؟
عندها فتحت عازفة الكمنجة الباب جيداً ودعتها للدخول. كانت تراقبها حين تنهدت وداد براحة فقد كانت قد تعرقت بسبب أسئلتها. ارتقت الدرجتين اللتين كان البيت يعلو بهما الشارع ثم اجتازت المرأة صاحبة الاسئلة وتوقفت. أغلقت المرأة الباب ثم لمست وداد بيدها لتطمئنها وطلبت منها ان تلحقها ثم سارت في الدهليز الطويل حتى الحوش.
كان حوش المنزل عبارة عن مربع غير مسقوف تطل عليه نوافذ الغرف من الجهتين الغربية والشرقية وكان هناك درجان في الجهتين الأخريين يقودان إلى المربعات والأسطح بينما احتل ايوان كبير مفروش بعدد كبير من المقاعد والكنبات الجهة القبلية وكأن حفلة موسيقية تجري هناك كل يوم فقد كانت الكمنجة مركونة في احد المقاعد، أما وسط الحوش فقد احتلته بركة ماء بنافورة كانت حينها متوقفة والماء في حالة ركود تسبح فيه بعض الورود وأوراق الشجر التي تحيط بالحوض وقطعة من الموسلين.
قادتها سعاد إلى الايوان ثم طلبت منها ان تجلس وتنتظر. ابتسمت لها ثم لمستها برفق لتطمئنها ثم قالت:
- الخوجة بهيرة في الحمام.
هزت وداد رأسها ثم تابعت سعاد وهي تبتعد ثم تدخل احد الأبواب. وما إن أصبحت بمفردها حتى راحت تتفحص الحوش والنوافذ والاشجار بعينيها. كانت جالسة ورسالة أمها إلى الخوجة في حضنها وهي تعبث بالمغلف دون إرادة منها فقد كانت خائفة. ماذا لو تسلمت الخوجة الرسالة وقرأتها ثم طردتها؟ أين ستذهب في هذه المدينة التي لا تعرف فيها أحد؟ صعدت ببصرها نحو نوافذ المربعات العلوية وفجأة انتفضت، حتى انها سمعت نفسها تصرخ صرخة خافتة لم يسمعها أحد سواها. شاهدت امرأتين تقفان على احدى النوافذ وهما بالشلحة النسائية الداخلية تنظران اليها وهما تبتسمان (لماذا تبتسم لها كل ساكنات المنزل؟). كانتا ملتصقتين وتمسك كل منهما الأخرى من خصرها بينما تلاحمتا بالخدود. أبعدت وداد نظرها بسبب خوفها أولاً ثم بسبب خجلها ثانياً إلا أن فضولاً كبيراً دفعها إلى النظر من جديد ولكنها وجدت هذه المرة امرأة واحدة تنظر اليها وهي مستمرة بالتبسُّم بغنج ويدها ممدودة إلى الداخل ثم غابت لأن الثانية كانت تجرها بعيداً عن النافذة.
نظرت إلى الكمنجة المركونة على المقعد. تذكرت البائع الجوال الكردي وتذكرت أغانيه الحزينة. كل الأكراد حول ميدان اكبس يحبون آلة البذق بينما ذلك البائع يفضل العزف على الكمنجة.. أليس هذا غريباً؟ تذكرت أيضاً عبدو السنكة الذي تركته اليوم صباحاً يبكي لفراقها وهو ينط على رصيف المحطة. شعرت بالحنين اليه. كانت أيضاً حزينة بالاضافة إلى خوفها واستغرابها من هذا البيت المليء بالنساء.
فجأة انتشلها صوت قرقعة قبقاب خشبي فجفلت. كانت هناك امرأتان ملتفتان ببشاكير الحمام خارجتان من الباب الذي غابت به سعاد عازفة الكمنجة التي ما لبثت ان خرجت تلحق بالمرأتين. كانت النساء الثلاث ينظرن اليها، أما المرأة الأولى فقد كانت تشبه الرجال في كل شيء ولكنها كانت امرأة لأن وداد شاهدت البشكير ينفرج عن ثدييها الصغيرين.
وقفت وداد فقد عرفت انها الخوجة بهيرة. اقتربت منها الخوجة وهي تتفحص جمال وجه القروية التي تبدو وكأنها ملاك نزل من السماء. صعدت اليها في الايوان وهي مستمرة في تفحصها لا ترفع عينيها عنها حتى ان رفيقتها التي كانت تشاركها الحمام قبل قليل شعرت بغيرة من تصرف أبلايتها. غيرة لا تبدر إلا عن عاشقة كانت مطمئنة إلى انها محظية لمدى العمر حتى انها لم تقو على مراقبة خوجتها التي تقف امام القروية وكأنها مسحورة فنترت نفسها وأسرعت إلى احدى الغرف. قالت سعاد، المرأة المستترة بثوب عادي وكأنها تحاول ايقاظ بهيرة:
- تقول انها تحمل لك رسالة من أمها.
مدت وداد بالمغلف إلى بهيرة التي أمسكت به دون ان تنظر اليه، بل على العكس، فقد عرفت مضمون الرسالة ومرسلته وهي ما تزال تنظر إلى وداد. قالت:
- أنت ابنة بديعة؟
- نعم.
- اجلسي.
جلست وداد من جديد وجلست بهيرة امامها. لقد عرفتها من الشبه الكبير بأمها. انها لم تنسها، فلم تعشق بهيرة امرأة في حياتها كما عشقت بديعة، وعندما هربت منها عاشت سنين عديدة وهي تحلم بها وهي تعود إليها.. كانت صورتها ماثلة امام عينيها باستمرار. لقد كانت بديعة ألمها العظيم. تساءلت سعاد وقد اكتشفت سر جمال القروية وسر السحر الذي وقع على الخوجة:
- امها بديعة؟
استدارت اليها وداد وهزت برأسها. سمعت بهيرة تسألها:
- اين هي الآن؟
- لقد ماتت.. أعطتك عمرها. قالت ذلك وكأنها تطلب من الخوجة ألا تطرها. زفرت بهيرة ثم هزت رأسها أسفاً على عشيقتها. أطرقت حزناً فوجدت الرسالة بين يديها ففضتها وراحت تقرأ. نست نفسها فبان عريها لوداد التي أبعدت بصرها عنها فالتقت بعيني سعاد التي كانت تبتسم لها بحنان.
- هل أنت جائعة؟ فقالت وداد:
- أكلت في القطار من الزوادة.
- سوف أسخن لكِ.
تركتهما وذهبت إلى المطبخ. تابعتها وداد كي لا تعود للنظر إلى عورة بهيرة. لقد أحبت هذه المرأة. أحبتها منذ ان فتحت لها الباب. كانت وداد تحتاج إلى من يرأف بحالها ويبدو انهن لن يطردنها. اضطرت للعودة للنظر إلى الخوجة المعلمة. قالت وهي تطوي الرسالة ثم تطوي البشكير حول جسدها العاري:
- الله يرحمها.. هل تعرفين ماذا كتبت لي المرحومة؟ هزت وداد رأسها، فهي دائماً تعرف:
- أعرف يا ستي.
- تطلب مني ان استقبلك لتعيشي وتعملي معي.. ان أهتم بكِ. هل انت موافقة؟
- نعم موافقة، لا أعرف أحداً أذهب اليه.
- سوف تبقين.
حولت عينيها فشاهدت وداد المرأة رفيقة الخوجة في الحمام وقد ارتدت شلحة داخلية حمراء وتقف على باب الغرفة وهي تمشط شعرها الرطب. كانت تستمع إلى الحديث غير راضية عما يجري. في هذه اللحظة نهضت بهيرة واقتربت من وداد.
- أمك تقول ان أسمك وداد.
- نعم، اسمي وداد.
- اسم حلو..
رددت بهيرة اسم وداد ثم أمسكت بالمنديل الذي كانت وداد تعقده على رأسها وحلته ثم رفعته. راحت تتملى جمالها. مسحت على شعرها وتبسمت لها. نظرت وداد نحو المرأة بالشلحة الحمراء فوجدتها هناك تنظر بغيرة إلى ما يجري. انحنت بهيرة وقبلت وداد على خدها قبلة لا تشبه قبلات الأمهات.
- تعالي.. سوف أدلك أين ستنامين.
نهضت وداد وحملت حقيبتها ثم تبعت الخوجة. التقت أعين النساء الثلاث، ولكن بهيرة لم تكن تأبه لغيرة ذات الشلحة الحمراء.
* * * * *
:11: :11: :11: